صباح الحادي عشر من سبتمبر الماضي، كان المؤرخ فرانسيس فوكوياما يعمل في مكتبه الواقع في الطابق السابع بكلية الدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن، وعندما اصطدمت طائرة الخطوطة الجوية الأميركية الرحلة 77 بمبنى وزارة الدفاع الأميركية اندفع الى الجانب الآخر من المبنى، وشاهد ألسنة الدخان تتصاعد لتغطي المدينة. وفيما كانت أفكاره الأولى تنصب على تأمين حماية نفسه وعائلته واصدقائه الذين كانوا يعملون في وزارة الدفاع، كان الأمر قد مضى يتضح لتوه وتملكت فوكوياما حالة من التوتر المهني لا تقل عن توتره الشخصي. ومن الاسبوع التالي للحدث، اشارت صحيفة «الجارديان» في يومياتها بشكل جامد يخلو من أي تعبير الى ان: «الجهود التي بذلت للاتصال بالمفكر فرانسيس فوكوياما لسؤاله عما إذا كانت لديه رغبة ما ان ينشر جزءا مكملاً لمقاله الذي كتبه عام 1989 بعنوان «نهاية التاريخ» قد باءت بالفشل ولم تؤت ثمارها.. ولقد بدا ان معظم وسائل الاعلام قد واتتها الفكرة نفسها، وان الرجل الذي تنبأ على نحو مذهل، بسقوط الشيوعية وانهيارها والذي اعلن ان بدائل الديمقراطية الليبرالية قد استنزفت قواها والذي وُصف بأنه «فيلسوف الرأسمالية المنتصرة عالمياً» جرت مساءلته. رسالة من العالم الحقيقي لم يكن فوكوياما منفصلاً عن افكاره التي كان يتم تشريحها وفحصها وتحديها والاستهزاء بها من حين لآخر بشكل علني. عندما سقط سور برلين بعد اشهر قليلة من ظهور مقالته الشهيرة «نهاية التاريخ» لأول مرة، بدا الأمر وكأنه يدعم مكانته كشخص متنبيء وحكيم قادر على اكتناه بواطن الامور. ولكن خلال سنة قامت وانتهت حرب الخليج الثانية، ثم جاء العالم السياسي صموئيل هانتنغتون من جامعة هارفارد عام 1993 لينشر ويطرح نظرية منافسة لتلك التي طرحها فوكوياما تفيد بدلا من الوصول الى نهاية التاريخ، بأننا على وشك الدخول في صدام للحضارات. وبعد الحرب التي نشبت بعد ذلك في البلقان وما حدث من مجازر وقتل جماعي في رواندا، قامت مجلة «نيشن» بتلخيص لكل هذه التطورات وتجميعها ووضعها تحت عنوان رئيسي على صفحتها الاولى كالتالي: نهاية فوكوياما. وبعد الهجوم على نيويورك وواشنطن، كان من الحتمي ان ترتفع اسهم هانتنغتون بشكل أكبر وتنخفض أسهم فوكوياما. ولكن وكما يوضح المفكر اميتاي اتزيوني، فإن فوكوياما هو «واحد من المفكرين الشعبيين القلائل الذين يبقون في الاذهان، فهناك من المفكرين من يكونون نجوم اعلام يبتلعون ثم يلفظون خلال 15 دقيقة. ولكن فوكوياما استمر، ولم ينته». قضى فوكوياما فترة الخريف يفكر في مضامين احداث الحادي عشر من سبتمبر، وقضى الربيع في تدريس مساق لمجموعة من طلبة الدراسات العليا بشأن هذا الموضوع، الذي قال عنه وهو يتحدث من المكتب عينه الذي شاهد منه الانفجار: «انه تحد تحليلي هائل بشكل واضح والسؤال المطروح هو: ما هو بحق الجحيم الامر الذي نواجهه هنا؟ إنني لا أريد أن أكون من هؤلاء الناس الذين يصيغون موقفاً ثم يتمسكون به، حتى ولو تبين انه موقف ضعيف لاشيء يدعمه. ان الامر بمثابة مجموعة جديدة كاملة من البيانات تأتينا من العالم الحقيقي». وكانت النهاية التي يتمناها للأمر ان يكون الارهاب في أصله معركة دفاعية أو تعويقية أخيرة تقوم بها «ثقافة ستتحول بمرور الوقت الى حضارة متطورة». ويشرح هذا الأمر بقوله: «حتى في العالم الاسلامي، لا يمثل مختطفو الطائرات الثلاث موجة مهيمنة، ومع مرور الوقت سيضطرون الى مواجهة تيار التقدم الذي سينتصر في نهاية المطاف». فقال انه عندما سمعت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر لأول مرة بنظرية فوكوياما، كان ردها هو: «نهاية التاريخ بداية الهراء» ولكن نظريته، بالطبع، تعد اكثر عمقاً وتعقيداً من الناحية الفكرية من البساطة الظاهرة التي يوحي بها رد تاتشر، فالتاريخ هنا بالمعنى الذي يريده فوكوياما هو اتجاه التاريخ، وليس تاريخ الاحداث والاشخاص. والديمقراطية الليبرالية هي قمة التطور والارتقاء الايديولوجي التي لا يوجد لها بديل نظامي جاد غير متمدن، وبذلك تحسم وتنتهي المناقشة الدائرة حول الاصول والاساسيات. نظرية هيغل نظرية فوكوياما لها علاقة قوية بالفيلسوف الالماني الكبير هيغل وبشكل أكثر تحديداً لها علاقة بالطريقة التي شرح بها فيلسوف القرن العشرين الفرنسي الروسي اليكسندر كوجيف نظرية هيغل والذي اكد فيها ان هيغل كان في الاساس محقاً في ادعائه بأن التاريخ بالمعنى الذي عبر عنه فوكوياما، انتهى بالفعل عندما قام نابليون الذي كان يمثل قيم الثورة الفرنسية بايقاع الهزيمة بالبروسيين في يينا عام 1805 وان محرك التقدم العالمي تجاه ديمقراطية ليبرالية يتمثل في حاجة الانسان للتعلم والمعرفة، الامر الذي على سبيل المثال يضمن ان الناس في النهاية سيرفضون حتى العيش في جو من الرخاء تحت حكم اي حاكم ديكتاتوري، وكتب فوكوياما قائلاً: لقد رأى هيغل الحقوق غايات في حد ذاتها،لان ما يشبع الانسان حقاً ليس الرخاء المادي بقدر ما هو التعرف على مكانته واحترامه من قبل الآخرين». حتى من رفضوا هذه النتائج التي توصل اليها فوكوياما يعترفون بأنها لا تعارض بين جزئياتها وتتسم بالاستقامة وقوية من الناحية الفكرية. ولقد كتب البروفيسور اليكس كالينيكوس من جامعة يورك عن فوكوياما من منظور ماركسي وبينما كان يعرب عن شكواه على سبيل المثال، من ان فوكوياما كان ميالاً بشدة مفرطة الى تطبيق الشيوعية على ماجرى في الاتحاد السوفييتي فقط، فإنه اعترف بأن نظرية فوكوياما من الصعب تفنيدها ويقول كالينكوس: ان فوكوياما لديه اطار نظري متطور ومتكامل مكنه من ا ن ينظر الى شيء مثل حرب الخليج ويقول ان هذا هو النمط الخاطيء للتاريخ، ويقول ان المجتمعات الرأسمالية المتقدمة في الغرب قد ذهبت لما وراء التاريخ والصراع الايديولوجي غير ان المناطق الاكثر تخلفاً من العالم لاتزال محبوسة تاريخياً، فهو لديه اطار فلسفي يسمح له بأن يشرح اموراً مثل نزعة التشدد الاسلامية واحداث الحادي عشر من سبتمبر. هذا لا يعني ان مثله وقيمه كانت مقبولة عالميا، فقد جاءت معارضات في باديء الامر من اصحاب الاتجاه اليميني الذين ادعوا بأنه كان مفرطاً في تفاؤله بشأن موت الشيوعية ونهايتها وقال اليساريون انه ارتضى التناقضات الحاصلة في المجتمعات الغربية وجاء احد اشد الانتقادات التي واجهها من زملائه السابقين في هارفارد. فلقد كتب قائده ان الشيوعية انتهت وعلى الرغم من ذلك ربما يوجد بعض معتنقيها الذين يعيشون في عزلة في اماكن مثل ماناغوا وبيونغ يانغ وكامبردج، ورد عليه دانييل بيل، احد علماء الاجتماع في هارفارد ونشر كتاباً له بعنوان «نهاية الايديولوجيا» قبل 30 عاماً من نهاية العالم بالقول ان عمل فوكوياما يعد عملاً هيغليا من الدرجة الثالثة، وانه عمل مغلوط وبعد ذلك وجه اليه نقد من حركة تناهض العولمة وتقبل القيم الغربية الداعية للحرية ولكنها تعتقد ان النظام العالمي غير قادر على توفير هذه القيم. حتى البعض ممن يعدون اقرب الناس الى جوهر النظرية التي يتبناها فوكوياما، لديهم تحفظات بشأنها فأودين هاريس وهو رئيس تحرير جريدة «ناشيونال انترست» المعروفة باتجاهاتها المحافظة وهي الجريدة التي نشرت مقال فوكوياما عام 1989، يقول: لم أوافق قط على النظرية بأكملها ولكنني اعتقد انها ممتعة بشكل عبقري ومستفزة، فقد تصور فرانك ان ما حدث قد اطلق نهاية عالم السياسة الواقعية، اعتقد ان هذا يعد طريقة للتحدث عن نوع من العالم ظل صامداً وواقفاً على قدميه منذ المؤرخ توسيديدس الى هنري كيسنجر او كأن الوقت لم يحن بعد لحد ما لأن يقول احد ان العالم بأسره ذاهب للفناء على اساس تلك السنوات الثلاث او الاربع التي حكم خلالها جورباتشوف الاتحاد السوفييتي السابق، ولكن هاريس على الرغم من ذلك كان حريصا على ان يحمي فوكوياما من هؤلاء الهمجيين الذين لم يقرأوا قط ما كتبه بشكل سليم، والذين يعتقدون انه قال ان التاريخ سينتهي غداً وحتى في اتجاهه الجريء كان فوكوياما حريصاً بدرجة اكبر من ذلك فقد قال انه ستكون هناك بقايا كثيرة وضخمة من الماضي ستقاوم، وكان في ذلك الصدد يتحدث عن الاتجاه الاساسي، فقد عمل حساب جميع انواع المعوقات. اعظم التأثيرات ربما كان اعظم واكبر التأثيرات التي احدثها فوكوياما يتمثل في ان الجميع غيره اضطر الى تحديد موقفه على اساس الارضية التي وضعها فوكوياما بنفسه فقد كان روبرت كوير حتى وقت قريب المستشار الخاص لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير للشئون الخارجية، وكان على وشك ان يضطلع بمهام وظيفية في بروكسل مع رئيس الاتحاد الاوروبي للسياسة الامنية والخارجية خافيير سولانا. واكد الرجل في تصريحات أدلى بها التأثير الكبير الذي تركه فوكوياما على اعلى المستويات. وقال: انني احد انصار فوكوياما واعتقد ان الفكرة التي طرحها والتي قالت بأن هناك نظاماً واحداً فقط يمكنه الاستمرار وان هناك قوة عظمى واحدة هي فكرة لا يمكن انكارها. فالعالم الذي وصفه فوكوياما يعد صورة دقيقة للعالم الذي نعيشه. ويؤيد اميتاي اتزيوني هذه النقطة قائلا: عدت لتوي من ايران ولقد دهشت عندما رأيت ذلك القدر الكبير من القيم الغربية الموجودة بنجاح هناك، فالامر يبدو من الخارج انه له صلة بنزعة التشدد الاسلامية ولكن اذا تحدثت مع اي شخص فإنك تجد انهم لا يريدون ان يرتدوا الملابس التقليدية ولا يريدون ان يعاملوا النساء كمواطنات من الدرجة الثانية، فالاتجاه الغربي هناك واضح كل الوضوح.وعلى الرغم من ان هجمات الحادي عشر من سبتمبر اجبرت فوكوياما على ان يعلن احدث افكاره على الملأ فقد كان هو في الواقع يقوم باعادة تقويم نظريته منذ بعض الوقت. ويقول فوكوياما شارحاً نظريته في هذا الصدد: «النقد الوحيد الذي لم يتم الرد عليه بشأن فكرة نهاية التاريخ كان: كيف يمكن لك أن تتحدث عن نهاية للتاريخ اذا لم تكن هناك نهاية للعالم؟». فألوان التقدم التقنية المستمرة ترسي دعائم سياساتك وما هو ممكن في الاقتصاد، الخ. ومع هذا التطور الهائل في العلوم الحياتية، اصبح من الواضح اننا لسنا على مشارف نهاية العالم». العلوم الحياتية ولقد انضم فوكوياما حديثاً إلى لجنة الاخلاقيات البيولوجية التي شكلها الرئيس الامريكي جورج بوش، ويشرح كتابه الجديد المعنون «مستقبلنا بعد الإنساني» التطورات في العلوم الحياتية ويحدد معاني ومضامين العلوم الاجتماعية. وهذا هو كتابه الثالث منذ نشر «نهاية التاريخ»، ويتسع كتاب «الانقطاع الكبير» ويحلل فيه 40 سنة من تصاعد الجريمة والتفكك الاسري في الغرب، ويقدم من خلاله نظرة تفاؤلية مفادها ان هذه الظاهرة في طريقها للانتهاء. اما كتابه الذي الفه عام 1995 بعنوان «الثقة» فيعرض فيه مفهوم رأس المال الاجتماعي ويحلل كيف يتفاعل الناس مع بعضهم اجتماعياً وان هذا التفاعل يرتبط بطريقة ادائهم على المستوى الاقتصادي والسياسي. الاهتمام بالطبيعة الانسانية يقول هاريس لو ان هناك اتجاها محدداً من عمل فوكوياما، فهو الاهتمام الواضح بالطبيعة الانسانية، وهي وجهة النظر التي يشاركه فيها جي.كي.جالبريث الذي قال في معرض نقده لكتاب «الثقة» عمل فوكوياما مهم لانه يقدم علاجاً ضرورياً لنظرة مقيدة لطبيعة الانسان يتبناها معه متشددون من اليمينيين واليساريين على حد السواء. فالماركسيون من انصار اليسار ومن قابلهم من انصار اليمين ينسون ان الانسان سواء رجل ام امرأة لا يعيش بالخبز وحده. فنحن القرود التي لا شعر لها لدينا طموحات أعلى من ذلك».وقد ولد فوكوياما في شيكاغو عام 1952 من عائلة افرادها اكاديميون. فقد اسس جده من امه قسم الاقتصاد في جامعة كيوتو وكان احد افراد هذا الجيل الياباني الذي ذهب إلى المانيا لمتابعة تعليمه قبل اندلاع الحرب العالمية الاولى. وقد أجبر جده من ناحية ابيه على بيع اصول تجارته من الخردوات بثمن بخس وانتقل من لوس انجلوس إلى معسكر اعتقال في كولورادو بعد موقعة بيرل هاربور عام 1941. وقد تجنب والد فوكوياما الحبس والاعتقال عن طريق فوزه بمنحة دراسية سافر بفضلها إلى جامعة نيبراسكا، ثم انتقل بعد ذلك إلى جامعة شيكاغو، حيث قابل ام فوكوياما، وكان فرانسيس هو ولدها الوحيد، وبعد مولده انتقلت العائلة إلى مانهاتن حيث تمت تربيته هناك.ولدى التحاقه بجامعة كورنيل عام 1970 وجد فوكوياما انه من المهم دراسة اللغة اليونانية كي يتسنى له قراءة الاعمال الكلاسيكية القديمة وتعلم ايضاً الفرنسية وبعضاً من الروسية واللاتينية. وفي جامعة كورنيل، دخل فوكوياما إلى البروفيسور آلان بلوم الذي الف عملاً كان من افضل اعمال الثمانينيات وحقق افضل الايرادات وشهد فيه هجوماً على النسبية الاخلاقية، وهو كتاب «اغلاق العقل الأميركي». وقد وصل فوكوياما إلى كورنيل مباشرة بعدما ادت مظاهرات الطلاب إلى اغلاق الجامعة احتجاجاً على ممارسات الجامعة العنصرية وعلى انه لا مجال فيها للحرية الاكاديمية. وواصل فوكوياما دراسته بعد التخرج ودرس الادب المقارن في جامعة يال وبعد ذلك قضى ستة اشهر في باريس للدراسة تحت اشراف القسيسين رولاند بارتيس وجاك ديريدا. وعن هذه الفترة يقول: «ربما عندما يكون المرء صغيراً يعتقد ان شيئاً ما يجب ان يكون عميقاً لمجرد انه صعب ولانه ليس لديك الثقة بالنفس لان تقول ان هذا هراء». وقد الف رواية عندما كان في باريس ولكنها بقيت في ادراج مكتبه. ومع مرور الوقت، رجع إلى هارفارد لاكمال دراسة الادب المقارن، ولكنه تحرر من اوهام كانت لديه وتحول من دراسة الادب المقارن إلى دراسة العلوم السياسية. ويقول عن تلك الفترة: «شعرت براحة شديدة بعد ما تخلصت من عبء دراسة مثل هذه المواد الاكاديمية، وانتقالي من دراسة افكار مجردة إلى دراسة مشكلات سياسية حقيقية ومحددة خاصة سياسة الشرق الاوسط والحد من التسلح، ومثل هذه الامور». وقد قابل البروفيسور ناثان تاركوف من جامعة شيكاغو فوكوياما اول مرة في جامعة هارفارد، ويقول عنه: «فرانك كان ذكيا للغاية، وقد جمع بين كونه عالماً اجتماعياً، وانساناً سياسياً، فقد كان مهتماً وعالماً بالادب والامور الجمالية، وهي تركيبة نادراً ما تتواجد في شخص واحد». وقد اكمل فوكوياما عام 1979 اطروحته الاكاديمية عن التهديدات السوفييتية بالتدخل في الشرق الاوسط، والتحق بعد ذلك بشركة «راند»، وهي شركة ضخمة تعمل في مجال السياسة العامة مقرها سانتا مونيكا، وظل يعمل بالشركة منذ التحاقه بها حتى الآن. والآن يتولى رئاسة الشركة جيمس ثومسون الذي يتذكر دائماً فوكوياما ويصفه بأنه كان شخصاً يدلف في موضوعات لا يفكر فيها احد غيره. فأنا اتذكر انه قام بعمل عظيم بشأن مشروع خاص بالقوة الجوية في الباسيفيك. وقد قال للقائمين على المشروع اشياء لم يريدوا ان يسمعوها، وكان لديه مهارة ان يجعل الآخرين يسمعون. ويتوصلون إلى منطقية الموضوع. فلو كان اراد ان يصل إلى مناصب قيادية عملياً لكان له ما يريد، ولكنه لم يرد ان يتخلى عن حرية التجول في بحور الفكر». لقد كان السعي وراء هذه الحرية السبب في انه لم يسع وراء اي منصب انتخابي ويقول: «على الرغم من انني لدي افكار قوية بشأن السياسة، لاسيما السياسة الخارجية فإن هناك قدراً كبيراً ومفرطاً من الاشياء تتطلبها السياسة مثل التصافح بشكل مفرط وتقبيل الآخرين. ايضاً عليك ان تقوم بتبسيط الاشياء بشكل كبير. وانا لن اشعر بالسعادة عندما اقول الاشياء التي يتوجب علي قولها حتى يتم انتخابي». وبينما كان فوكوياما معجباً بالرئيس الأميركي الاسبق رونالد ريجان، الا انه قال اثناء فترة الثمانينيات انه غير مرتاح لما يعتقد انه تبسيط اكثر من اللازم للامور يتبعه الرئيس. وبحكم العمل في وزارة الخارجية اثناء فترة تولي ريجان وبوش الاب رئاسة اميركا كان فوكوياما قريباً من هؤلاء الذين كانوا يعملون في قلب ادارة بوش الابن وقد دعا المتطرف باول ولفوويتز الذي يشغل الآن منصب نائب وزير الدفاع، وكان يشغل منصب مدير التخطيط السياسي عام 1981، وكان فوكوياما على علاقة بمستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس منذ ان كانا معاً في الجامعة ويقول فوكوياما في هذا الصدد انه «كل يوم كان يشعر بالسعادة لانه لا يحتل المواقع نفسها التي يحتلها هؤلاء الناس ويقوم بالتوصل الى هذا النوع من القرارات». واثناء اول سنتين قضاهما في وزارة الخارجية، كان فوكوياما احد اعضاء الوفد الاميركي للمحادثات المصرية الاميركية بشأن القضية الفلسطينية ثم بعد ذلك عاد للعمل في شركة راندا، ولكن بعد فوز بوش الاب بالانتخابات عام 1988، اعيد تعيين فوكوياما في وزارة الخارجية كنائب مدير التخطيط السياسي لوزير الخارجية جيمس بيكر وتلك كانت الفترة التي صنع فوكوياما خلالها اسمه وفي مايو 1989 كتب مذكرة الى بيكر يحثه فيها على التفكير في اعادة توحيد المانيا، في الوقت الذي كان خبراء ألمان في الوزارة حتى قبل شهر من سقوط سور برلين، يؤكدون ان السور لن يسقط ابداً خلال سنين عمرهم ثم بعد ذلك كان فوكوياما اول من اقترح التخطيط والعمل لحل اتفاقية وارسو، وهو الامر الذي كان يتعامل معه حتى المتخصصين في شئون الكرملين بعدم مصداقيته. ويقول معلقاً على هذا الامر مبتسماً: «لقد كان بالفعل عاماً ساحراً فالميزة التي امتلكتها كانت ان تفكيري كان متقدماً على الآخرين بستة اشهر وكان واضحاً بالنسبة لي بشكل متزايد ان الجليد السوفييتي آخذ في الذوبان بشكل سريع للغاية، عادة ما تتمثل مشكلة الحكومات في ان الاشياء تسير بها ببطء ولكن ذلك العام كانت المشكلة هي ان الناس كانوا لا يستطيعون التخلص من انماط اعمالهم الرتيبة فهم قالوا ان المستقبل سيكون للشيوعيين الاصلاحيين ثم حدث بعد ذلك ان تمت الاطاحة بهؤلاء ثم قالوا ان هذا الامر حدث في المجر ولكنه لن يحدث في المانيا الشرقية، وهو الامر الذي ثبت انه خطأ بعد ذلك، كان بالفعل امراً محفزاً للغاية من الناحية الفكرية ان يفوز هذا العام اجرأ مفكر على الاطلاق». ويعتقد فوكوياما ان ادارة بوش كانت محقة في قرارها بعدم تجميد الموقف السوفييتي والرضا بما كان قبل ستة اشهر من هذا التاريخ يبدو نتيجة ناجحة بشكل مذهل ولكنها على سبيل المثال، كانت ستؤدي الى الابقاء على ألمانيا مقسمة، ويصف روبرت كوبر ذلك العام بأنه كان «أفضل فترة عاشتها السياسة الخارجية الاميركية في تاريخها».وعلى الرغم من انه ينظر اليه كأحد افرازات اليمين الاميركي، وان كثيراً من اعماله قد عانت بطريقة او بأخرى من التدخل الرقابي على يد الجهات الثقافية المتحفظة الا انه يتبين ان ليس كل تفكيره يتوافق مع النظرية اليمينية التقليدية ففي كتابه الجديد، يدعو الى دعم التقنية الحيوية ويعتقد انه من الجيد ان عملية تخفيض حجم اعضاء وحقائب الحكومة التي بدأت مع ريجان وتاتشر يتم عكسها الآن ويقول في هذا الشأن: «انت ترى طبقة متغطرسة جداً من المؤيدين لمذهب حرية الارادة بين الصفوة العاملة في وادي السليكون ويقول هؤلاء انهم هم الخالقون الحقيقيون للقيم وان الحكومة عليها ان تبتعد عن طريقهم ولكن اتضح انهم يخلقون قيمة مخادعة، وان عنصر الحق الرئيسي يتمثل في ان كل افراد المجتمع يعتمدون ويرتبطون ببعض، وان المرء في حاجة لأشياء مثل الحكومة». كما انه لم يكن انعزالياً كما كان بعض زملائه السياسيين ويقول: «انتابني القلق بسبب ان بوش لم يذكر بريطانيا في خطاب حالة الاتحاد، فلقد خرج بلير عن مساره لدعم السياسة الاميركية بعد هجمات سبتمبر، انا اعلم ان الامر يعني لبريطانيا زيادة في نفوذها عن طريق كونها الدولة الاوروبية الوحيدة التي تأخذ موقفاً متعاوناً، ولكن الامر يجب ان يكون متبادلاً». ويرى انه يمكن ان يحدث انقسام بين اميركا واوروبا ويؤدي الامر الى حدوث سحابة سياسية تكون الاكثر ازعاجاً في المستقبل ويقول: «اعتقد انه من الممكن ان يسوء الامر قبل ان يتحسن وانني ألوم الاوروبيين لكونهم السبب في الجانب الاكبر من هذا الانقسام ولكنني اعتقد ان الولايات المتحدة كان باستطاعتها القيام بما هو افضل كي تشرح موقفها واعتقد انه يجب علينا ان نعتني اكثر بهذه العلاقة، فأوروبا وصلت الى حالة لا تريد فيها صراعاً ولا تود دفع نفسها امام قضايا بشكل عام، شيء واحد تسبب في غضب الكثير من الاميركيين هو انه عند مواجهة الارهاب بدا ان كثيراً من الاوروبيين يفكرون ولسان حالهم يقول: «لو تملصنا لن يقوموا بضربنا، وسنواصل العيش بسلام» اعتقد ان هذا يعد اتجاهاً مسئولاً للغاية على المدى البعيد ويخلق هذا الاتجاه حالة من الامتعاض لدى الاميركيين، وهو الامر الذي يعتبر غير صحي على الاطلاق».ولكونه احد الذين تم اتهامهم بالتفاؤل الساذج فيما يتعلق بنجاح وانتصار القيم الغربية في النهاية فإنه ليس من قبيل المفاجأة ان يرى فوكوياما وهو يعتقد ان هناك ضوء أمل ينبعث من سحب الدخان الموجودة فوق واشنطن ونيويورك ويقول في هذا الشأن: «في فترة التسعينيات، كانت هناك موجة من الرضا عن الذات الذي لا يبعث على السرور مطلقاً، برخاء اقتصادي بسيط كان التفكير منصباً على الاشياء التي يهتم بها الناس، مثل دوت. كوم، ومونيكا لوينسكي وكانت كلها اشياء تافهة هناك امر واحد حدث منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهو ان الناس تم تذكيرهم بأن هناك اشياء مهمة تحدث في العالم، الامر الذي يضع رؤية معينة للأشياء». ترجمة: حاتم حسين عن «لوموند دبلوماتيك»