بيان2: بعد خروجهم منتصرين من حربهم ضد بريطانيا العظمى، قرر المسئولون الامريكيون ان يوجدوا نوعاً جديداً من الحياة لشعبهم قوامها الرخاء والوحدة، فقرروا ان يبتعدوا عن اوروبا ويودعوا صفحة مظلمة من تاريخهم ويتوجهوا الى بناء دولتهم بعيداً عن التأثير الاوروبي والتبعية للاوروبيين وينظروا غرباً بدلاً من ان ينظروا الى الوراء نحو اوروبا، وكانت اولى خطواتهم في ذلك الشأن توحيد الولايات الصغيرة لأمريكا الشابة، وذلك بشق طريق تربط بين تلك الولايات وهي الطريق التي اطلق عليها اسم «ناشيونال رود» أو «الطريق القومية» وهي أول طريق سريعة تشق في تاريخ ما اصبحت بعد ذلك القوة العظى الوحيدة في العالم. وكان الهدف الرئيسي لهذه الطريق هو الربط بين الجزء الشرقي للولايات المتحدة بالحدود الغربية للدولة وفتح المنطقة الشمالية الغربية للتجارة وحركة المستوطنين، وكان الرئيس الاسبق للولايات المتحدة جورج واشنطن هو العقل المدبر والقوة الدافعة وراء رؤية هذا المشروع للنور وموافقة الكونجرس الامريكي على شقه عام 1805 ليمتد من مدينة كمبرلاند الى نهر اوهايو مروراً بمريلاند وفانداليا والينوى لمسافة تقدر بستمئة ميل. وبدأ استخدام الطريق في نقل الناس والبضائع وباتت تمثل احدى الوسائل الاساسية لتنمية الولايات المتحدة الامريكية وتطويرها وانتقال المستوطنين الى البلاد من المناطق المجاورة ومن ثم وضع اساس الدولة الامريكية ككل. ومن هذا كله يتضح ان ناشيونال رود كانت البذرة الاولى التي من خلالها استطاعت امريكا ان تخطو خطواتها الاولى الى ما اصبحت عليه الآن. واستمرت هذه الطريق تمثل الشريان الحيوي الاساسي لحركة الناس والبضائع في امريكا حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما بدأ الناس يفضلون السكك الحديدية عليها في عملية التنقل ونقل البضائع غير ان السيارات جاءت لتجدد اهمية الطرق البرية مرة اخرى، واعيد احياء هذه الطريق مرة اخرى تحت اسم جديد هو «الطريق الاربعون» وذلك في نهاية الربع الاول من القرن العشرين. واستعادت الطريق مرة اخرى مكانتها كأهم شريان لحركة النقل من الشرق الى الغرب واستمرت على هذه المكانة حتى سحب منها البساط ما اطلق عليها اسم «الطريق السبعون» في فترة الستينيات من القرن العشرين، ومنذ ذلك الحين، بدأت «ناشيونال رود» تفقد دورها كطريق أو ممر اساس لعملية النقل والتنقل في الولايات المتحدة، لصالح الطرق السريعة الاخرى الاكثر تطوراً والكباري العلوية التي تم بناؤها عبر السنين وتدنت اهمية الطريق الى درجة ان الغالبية العظمى من ساكنيها الآن لا يدرون شيئاً عما كانت تعني اهمية هذا الشارع منذ 175 عاماً وكيف كان شارعهم هذا اهم مسطح يابس في دولتهم واهم معبر اقتصادي فيما كان يعرف بالعالم الجديد. ولاشك في ان اهمية هذه الطريق العملاقة لم تكن مقصورة على دعم حركة نقل البضائع أو تعزيز حركة التجارة بشكل عام وحسب، ولكن كان لها ايضا دور رئيسي في التنمية العمرانية وتوطيد الحركة السكانية في الولايات المتحدة والمدن التي كانت تربط بينها هذه الطريق. فمنذ تشييد هذه الطريق، بدأت المدن الصغيرة في الظهور على جانبيها كمراكز خدمية تقدم خدماتها للقائمين على عملية البناء من ناحية ومن ناحية اخرى تمهيداً لما سيئول اليه الوضع في المستقبل حيث كان يعرف ان الطريق ستكون الشريان التجاري الرئيسي للولايات المتحدة. بجانب هذا تم بناء عواصم الولايات الثلاث الغربية وهذه المدن هي كولومبوس وانديانا بوليس وفانداليا على جوانب هذه الطريق، غير ان فانداليا تلاشت وتحولت الى قرية صغيرة بعد حوالي عشر سنوات اثر انتقال قصر حكومة الولايات الى سبرنجفيلد ولكن كل من كولومبوس وانديانا شهدتا تقدماً ورخاء كبيرين بحكم وجودهما بالقرب من ناشيونال رود. وقد ساهمت الطريق ايضا في اعادة الحياة الى القسم الغربي من الولايات المتحدة فبعد ان كان هذا الجزء يعاني من الانعزال عن بقية انحاء امريكا ساهمت ناشيونال رود في ضخ جميع مظاهر الحياة اليه وتوطينه بالسكان ووضع دعائم قيام صناعة سياحية قوية بين ربوعه. وبعد استعادتها لمكانتها المميزة اثر اختراع السيارات بعد ان قلت اهميتها كثيرا اثر التعرف على السكك الحديدية كإحدى وسائل التنقل الفعالة، ساهمت ناشيونال رود في دعم صناعة السيارات بشدة وازدهار الصناعة في البلاد، مما ادى ايضا الى احداث طفرة واسعة في صناعة السياحة التي غدت بعد ذلك احدى الموارد المهمة في الاقتصاد الامريكي. غير ان نظرة سريعة على هذه الطريق العملاقة الآن تبين انه لم يعد بها شيء مميز سوى التاريخ، فالطريق لا تستخدم الآن سوى في النقل من مدينة لمدينة، وذهبت اهميتها التاريخية والثقافية كاحد رموز الوحدة والتضامن والحرية في التاريخ الامريكي ادراج الرياح ولكن في مواجهة عوامل التعرية المدنية التي تمثلت في فناء الاقدم مقابل حياة الاحدث، تظهر بين الفينة والاخرى نداءات لتجديد اهمية هذه الطريق واعادة الثقة اليها. ومن هذه المحاولات ما يتم من احتفال سنوي حول متحف تم انشاؤه خصيصاً في اوهايو لتأكيد اهمية هذه الطريق في التاريخ الامريكي، حيث تلتف السيارات بمختلف انواعها حول المتحف لتذكير الامريكيين بتاريخ هذه الطريق المنسي. حاتم حسين