بيان 2: ذات مرة، مرة فحسب، التقيت بأكثر الاشخاص غرابة على الاطلاق. ما زلت اتذكر بالرغم من مرور وقت طويل. كنت في الثامنة والعشرين من عمري، وقد مر شهر على زواجي من «أتسوكو». كنت ثملا تماما عندما ركبت القطار متوجها الى البيت بعد ان امضيت المساء أعب الشراب في بار مع اصدقائي. عندما سمعت اعلان الوصول الى محطتي، لسبب ما بقيت مسمرا متجمدا في مقعدي كان الوقت متأخرا ولم يبق في العربة سوى ثلاثة مسافرين. لم أكن قد ابتعدت كثيرا قبل ان ادرك ما فعلت، بقيت في القطار لأنني لم اشعر حقيقة برغبة في العودة الى البيت. من خلال اعياء السكر راقبت رصيف المحطة المألوف لدي وكأنه قد بدأ يقترب. خفف القطار من سرعته وتوقف. عندما فتح مزلاج الباب استطعت ان احس بهبة هواء مسائية باردة تندفع الى العربة، بعد ذلك غلقت الابواب باحكام ظننته ابديا. بدأ القطار يتحرك وكنت ارى اضواء المخازن المجاورة لبيتي تشع من خلال النافذة جلست بهدوء وراقبتها تتلاشى مع ابتعاد المسافة. بعد عدة محطات دخل الرجل العربة. كان مسنا غريب المظهر يرتدي اسمالا، شعره طويل ملبد وكذلك لحيته. وأيضا كانت له رائحة غريبة. وقف المسافرون الثلاثة كأنما في طابور وتوجهوا نحو العربات المجاورة. اما انا فبقيت حيث كنت اجلس وسط العربة فاقدا فرصتي في الهروب. على كل حال لم تكن لدي مشكلة مع الغريب، حتى انني شعرت بشيء من الازدراء تجاه الركاب الآخرين الذين تحاشوه صراحة. مما زاد الطين بلة، جاء الرجل وجلس الى يميني. حبست انفاسي وقاومت دافعا للنظر باتجاهه. استطعت ان ارى انعكاس جسدينا على زجاج النافذة المقابلة: صورة رجلين جالسين متجاورين معلقين فوق المدينة المتلألئة بالاضواء وظلام الليل. شعرت برغبة في الضحك عندما رأيت قلقي البادي على زجاج النافذة. «افترض بأن هناك سببا ما جعلك لا تريد العودة الى البيت» اعلن الرجل بصوت متحشرج. في البداية لم ادرك بأنه كان يتحدث الي ربما لانني شعرت بالغم بسبب الرائحة النتنة المنبعثة من جسده اغمضت عيني وتظاهرت بالنوم، بعد ذلك سمعته يهمس مباشرة في اذني «ألا تريد ان تخبرني عن عدم رغبتك في العودة الى البيت؟». لم يعد هناك شك في انه كان يتحدث الي، لذا احكمت اغلاق عيني وكانت قرقعة عجلات القطار المتواترة على طول السكة الحديدية تملأ اذني «اتساءل ان كنت ستغير رأيك عندما تراني على تلك الصورة» قال أو خيل الي ان هذا ما قاله. لكن الصوت تغير جذريا واندفع بطبقة اعلى كأنما احد ما سرع شريط آلة تسجيل. بدأ كل ما حولي يدور في فضاء آخر، بينما اختفت الرائحة النتنة لجسد الرجل كي تحل محلها نفحة عطر منعش. بقيت عيناي مغلقتين. استقطبتني روائح جديدة: عبير دافيء لجسد امرأة ممزوجا برائحة ازهار صيف متفتحة. لم استطع المقاومة. كان علي ان القي نظرة. ببطء شديد فتحت عيني وما رأيته كاد ان يسبب لي ازمة قلبية. حالة لا يمكن تفسيرها: امرأة تجلس حيث كان المتشرد الغريب الذي لم يعد يرى في اي مكان. نظرت حولي كالمسعور علني اجد احدا غيري قد شهد هذا التحول المذهل. لكن المسافرين في العربات المجاورة بدأوا كأنهم بعيدون أميالا، في فضاء مختلف كليا يفصلهم جدار شفاف متعبين تماما كحالهم قبل لحظات غير مبالين بدهشتي. حدقت في المرأة مرة اخرى وتساءلت عما حدث بالتحديد. كانت تجلس بجانبي مستقيمة وتتألق امام عيني. لم استطع تحديد موطنها. كان لها شعر بني طويل وعينان رماديتان وساقان رائعتان، ترتدي ثوبا اسود وحذاء جلديا اسود لماعا. كأنني كنت اعرف هذا الوجه من قبل ـ ربما كانت ممثلة مفضلة عندي او فتاتي الاولى، او ابنة عمي، او امي، او امرأة اكبر مني كنت قد رغبت بها. بدا وجهها مألوفا بالنسبة لي، وكانت تزين صدرها بزهور طازجة تماما فوق نهديها الفسيحين. فكرت انها ربما تكون عائدة الى بيتها بعد حفلة ما لكن غريب الاطوار الذي اختفى خطر في بالي مرة اخرى الى اين ذهب، على أية حال؟!». «ما زلت لا تشعر برغبة للعودة الى البيت، أليس كذلك؟» قالت بحلاوة استطعت ان استنشقها حاولت ان اقتنع نفسي بأن ما أراه ليس سوى كابوس سكارى، حلم قبيح ساحر، تحول من الرداءة الى الجمال. لم اكن افهم ما يحدث، لكنني كنت اعرف ما أرى «بالتأكيد لا اشعر برغبة في العودة، طالما انك بجانبي» دهشت من صراحتي فقد جعلتها تعرف ما يدور في ذهني. لم يقترب راكب من عربتنا بالرغم من ان القطار توقف في محطة اخرى وكان الناس يتسارعون نحو العربات المجاورة. حتى ان احدا لم ينظر باتجاهنا ربما بسبب اعيائهم الشديد، او اذهانهم المشغولة. تساءلت فيمااذا كانوا يريدون السفر ثم السفر كما افعل. «أنت غريب» قالت لي المرأة. «لا تسرعي باستخلاص النتائج» اجبتها. «لم لا؟» نظرت مباشرة في عيني. اهتزت الازهار على نهديها كانت رموشها كثيفة وعيناها مستديرتين واسعتين، عميقتين وبعيدتين، ذكرتاني بأعلى سقف للسماء رأيته في صغري: مساحة صغيرة تنطوي على عالم بأكمله. «قبل لحظات كنت متشردا قذرا» لكن حتى حينما أبدو كذلك اكون جبانة ظريفة، ألست كذلك؟ قالت حدثني عن زوجتك. هي صغيرة الجسم. شعرت وكأنني أراقب نفسي من مسافة بعيدة. ماذا تفعل تتحدث الى غريبة في قطار؟! ما هذا، أهو اعتراف؟! «هي قصيرة ونحيلة وذات شعر طويل عيناها ضيقتان لذا تبدو وكأنها تضحك حتى تكون غاضبة» ثم انها سألتني أنا واثق من ذلك «ما الذي تفعله عندما تعود الى البيت مساء؟ «لا تقابلني بابتسامة لطيفة كأنها تؤدي واجبا مقدسا تكون قد وضعت زهورا على الطاولة او بعض الحلويات، والتلفاز مفتوح كالعادة. يمكن القول بأنها متدينة، لا تنسى وضع طبق من الأرز الطازج على مذبح عائلتنا كل يوم. عندما استيقظ في صباحات الاحد تكون مشغولة في غسل الثياب او تنظيف البيت او التحدث الى الجارة في الباب المقابل. كل يوم تضع الطعام لقطط الجيران، وتبكي عندما تشاهد فيلما عاطفيا على التلفاز». «ماذا سأخبرك عن «أتسوكو» ايضا، هي تغني في الحمام وتتحدث الى حيواناتها المحنطة بينما تمسح عنها الغبار. وعندما تتحدث مع صديقاتها على الهاتف، تضحك بشدة على كل ما يقال، فإذا كانت احدى صديقات الدراسة، يستمر الحديث لساعات. شكرا لعادات أتسوكو، فلدينا بيت سعيد. في الحقيقة، احيانا يكون هناك من المرح في البيت ما يشعرني بالغثيان». بعد حديثي الموسع، التفتت الي وأومأت برأسها متعاطفة «أستطيع ان اتخيل» قالت فأجبت: «كيف تستطيعين؟ ما الذي تعرفينه عن تلك الاشياء؟» ممادفعها للابتسام. لم تكن ابتسامتها تشبه ابتسامة اتسوكو، لكنها لا تزال مألوفة بالنسبة الي بشكل لا يصدق. في تلك اللحظة مرت في ذهني لحظة من طفولتي: أسير الى المدرسة مع صديق، ما زلنا ولدين صغيرين نرتدي ثياب المدرسة الرسمية مع بنطال قصير. الوقت نهاية الشتاء وأرجلنا تكاد تتجمد. ننظر الى بعضنا محاولين ان نشتكي من البرد لكننا نبدأ بالضحك عوضا عن ذلك لان كلينا يعرف بأن الشكوى لن تبعث الدفء فينا. مشاهد كتلك ـ ابتسامات تدل على فهم متبادل ـ كانت تلمع في ذهني. وكنت قد بدأت أستمتع بالوقت في مقعدي الصغير في القطار. بعد ذلك سمعتها تقول: «منذ متى وأنت تقيم هنا في طوكيو؟» صدمني سؤالها لغرابته. لماذا قالت «هنا في طوكيو»؟ سألتها: «هاي.. هل تتحدثين اليابانية؟، أية لغة تستخدمين؟». «إنها ليست لغة أي بلد. هي كلمات فحسب، يمكن لكلينا ان يفهمها. إنها كالكلمات التي تستخدمها مع أشخاص معينين، مع زوجتك، أو فتاتك القديمة، أو أبيك، أو مع صديق. أعني لغة خاصة تفهمها أنت وهم فقط». «ولكن ماذا لو كان الحديث يدور بين أكثر من شخصين؟» «عندها ستكون هناك لغة يستطيع أن يفهمها الثلاثة.. وستتغير الكلمات إذا انضم شخص رابع الى الجلسة. انني أراقب هذه المدينة منذ فترة كافية كي أعرف انها مليئة بأمثالك، ممن غادروا بلدانهم الاصلية واختاروا المجيء الى هنا. عندما أقابل أشخاصا اقتلعوا من أماكن أخرى أستخدم لغة من لا يشعرون بالراحة في بيوتهم، في تلك المدينة الكبيرة. هل تعلم بأن الذين قضوا حياتهم في طوكيو لا يستطيعون فهم تلك اللغة الخاصة؟ إذا التقيت بامرأة مسنة تعيش لوحدها، وبدت لي متحفظة فسأتحدث اليها بلغة العزلة. ومع الرجال الذين يعاشرون البغايا، سأستخدم لغة الشبق. هل يعني ذلك شيئا؟». «أعتقد ذلك. ولكن، ماذا لو ان السيدة المسنة والرجل الخليع وأنت وأنا أجرينا حديثا مشتركا؟». «لا يفوتك شيء، أليس كذلك؟ إن حدث ذلك فسيكون على كل منا نحن الاربعة ايجاد الخيوط التي تربطنا. سجل مشترك بيننا». «التقطت الفكرة». «لنعد الى سؤالي: منذ متى وأنت في طوكيو»؟ «منذ ان كنت في الثامنة عشرة، بعد وفاة أمي مباشرة». «وماذا عن حياتك مع أتسوكو»؟ «حسنا، أحيانا أشعر بأننا نعيش في عالمين مختلفين، خاصة عندما تستغرق في تفاصيل حياتنا اليومية، أي شيء، وكل شيء، والكثير مما لا يعني شيئا بالنسبة لي. أحيانا أشعر بأنني أعيش مع زوجة مثالية. أعني ان جل اهتمامها هو بيتنا». مشاهد مرسومة بدقة بالغة بدأت تطفو على سطح ذاكرتي: صوت شبشب أمي بجانب سريري عندما كنت صغيرا، كتفا ابنة عمي المرتعشتان بينما تنتحب على موت قطتها. شعرت بأنني مرتبط بأهلي، على اختلافهم، ووجدت عزاء بتفاصيلهم التي تختزنها ذاكرتي. «وماذا عنك؟ ما هي وجهتك»؟ سألتها: «أنا أكتفي بالارتحال والمراقبة. القطارات بالنسبة لي.. هي خط مستقيم بلا نهاية. لذا أكتفي بالسفر والسفر. أغلبية الناس يعتبرون القطارات مجرد صناديق آمنة تنقلهم بين بيوتهم وأماكن عملهم. يحصلون على بطاقات اشتراكهم فيها، يصعدون اليها وينزلون منها كل يوم. ولكنني لست من هذا النوع. هذا ما يعنيه القطار بالنسبة اليك. أليس كذلك؟». «صندوق آمن يأخذني الى حيث أريد، بعد ذلك الى البيت». قلت: «بالتأكيد هذا ما يعنيه بالنسبة لي، وأحيانا أشعر بالخوف عندما أركب القطار في الصباح ـ فلن أعرف أين سأنتهي». أومأت برأسها قائلة: «لو فكرت في الحياة ـ أنت أو أي من الركاب ـ على انها تشبه القطار بدلا من ان تكتفي منه بحاجتك اليومية، ستفاجأ الى أي مدى تستطيع أن تبتعد، وبما في محفظتك الآن من نقود لا غير». «أنا واثق بأنك على حق». «هذا ما يدور في ذهني عندما أكون في قطار». «أتمنى أن أمتلك هذا الزمن بيدي». «طالما انك في القطار، فأنت تشارك أنواعا مختلفة من البشر المكان ذاته. بعضهم يمضي الوقت بالقراءة، وآخرون يشاهدون الاعلانات، ويستمع البعض الآخر الى الموسيقى. أما أنا فأتأمل حقيقة وجود القطار». «لكنني لا أزال غير قادر على فهم ذلك التحول». «قررت التحول لانك لم تنزل في محطتك. أردت ان أعرف السبب. فما هي الطريقة المثلى كي ألفت انتباهك»؟ من كان هذا المخلوق على أية حال؟! استمر قطارنا بالتوقف والسير منزلقا في الليل، وهناك كنت محاطا بالظلام كوني أحمل أبعد فأبعد عن بيتي. المخلوق الذي جلس بجانبي كان مألوفا بالنسبة لي، مثل رائحة مكان قبل أن أولد، حيث كل المشاعر الأساسية، الحب والكراهية، تمتزج بالهواء. أحسست بأنني سأكون في خطر إن اقتربت أكثر. عميقا في داخلي، شعرت بالخوف، وبأحاسيس أكثر عمقا بأنني أواجه شيئا أكبر مني بكثير. وكما يكون الحيوان المتوحش عندما يواجه وحشا أقوى، شعرت بما يدفعني للفرار من أجل حياتي. ـ ـ ـ من خلال ذهولي استطعت أن أسمعها تقول: «ليس عليك أن تعود لتلك المحطة ثانية إن لم تكن تريد ذلك حقا. المسألة تابعة لك». أعتقد بأنها محقة، فكرت وبقيت جالسا بصمت. أغلقت عيني وتأملت في الموقف، بينما كنت أهتز مع حركة القطار وأهدأ مع ايقاع العجلات. حاولت أن أتخيل المحطة التي بالقرب من بيتي، وكيف بدت عندما كنت عائدا مساء اليه. استعدت في ذهني كميات الازهار الحمراء والصفراء التي لا أعرف أسماءها في الساحة العامة أمام المحطة. مخزن الكتب الذي غالبا ما يزدحم بالناس الذين يتحركون بين المجلات وأغلفة الكتب ـ كل ما استطعت رؤيته هو أقفيتهم بينما يعبر القطار المحطة. رائحة الحساء الشهية تنبعث من مطعم صيني. أناس ينتظمون صفا أمام المخبز لشراء المعجنات اللذيذة التي تباع هناك. مجموعة من طالبات المدرسة الثانوية بلباسهن الرسمي يتحدثن بصوت مرتفع ويقهقهن بينما يعبرن الساحة بخطوات مرحة. تتعالى ضحكات المجموعة بينما يمر بعض المراهقين. شاب وسيم يسير بهدوء لا يبدو عليه بأنه لاحظ الفتيات. تمر سكرتيرة بكامل أناقتها، تتثاءب. لا تحمل بيدها أوراقا، اعتقدت بأنها عائدة الى المكتب بعد أداء مهمة. أستطيع التكهن بأنها لا تريد العودة الى العمل، فالطقس أجمل من أن تمضيه في مكتب. رجل أعمال يتجرع شراب الفيتامين من الكشك. آخرون ينتظرون أصدقاءهم. البعض يقرأ عناوين الكتب المعروضة. يلمح أحدهم صديقة كان بانتظارها فيسرع لتحيتها. سيدة كهلة تسير ببطء في مجال رؤيتي. الخط الاصفر والاخضر والابيض في موقف سيارات الاجرة التي تخرج من المحطة رتلا. الابنية الصلبة المقامة في الجوار، والمناطق التي تحيط بالجادة الواسعة. وعندما بدأت أتساءل عما سيحصل ان لم أعد الى المحطة، تغير المشهد بالكامل في ذهني كي يتخذ شكل مشهد كابوس من فيلم قديم مشحون بالمعاني. حيث يصبح الاحياء موضوعات تجسد حالتي الشعورية. ذات يوم عندما أموت، وتعود روحي الى البيت ذات مساء صيفي ضمن طقس بوذي، فإن هذا ما سيبدو عليه العالم بالنسبة لي. بعد ذلك ظهرت أتسوكو. سائرة ببطء باتجاه المحطة في حرارة الصيف. كانت تعقد شعرها الى الخلف على شكل كعكة رغم انني ذكرتها مرارا بأن ذلك يجعلها عتيقة الطراز. أجفانها ثقيلة بحيث انني تساءلت فيما اذا كان باستطاعتها رؤية أي شيء، اضافة الى انها تحدق بعينين نصف مغمضتين بسبب الشمس الساطعة فتضيق عيناها الى حد الاختفاء. هي تحمل حقيبة كبيرة بدلا من سلة التسوق. تنظر الى الكعك المحشو في الكشك الصغير بجانب المحطة، تبدو جائعة، تتردد للحظة كأنها تريد التوقف وشراء واحدة. لكنها تغير رأيها وتتجه نحو مخزن للأدوية. تقف لبرهة أمام قسم الشامبو. هيا أتسوكو، كل الانواع متشابهة، فقط التقطي علبة. تبدين جدية! الشامبو لا يستحق ان نضيع وقتا من اجله. لكنها لا تستطيع أن تقرر فتستمر بالوقوف حتى يندفع رجل بسرعة الى المخزن فيصطدم بها. تتعثر أتسوكو ثم تعتذر للرجل. هو الذي صدمك!، لست من يجب عليه الاعتذار. عليك أن تكوني قاسية معه. أخيرا تهتدي أتسوكو الى الشامبو المناسب وتأخذه الى المحاسبة حيث تبدأ معها بالثرثرة. تبتسم بحلاوة وتغادر المخزن. جسد نحيل لامرأة يتحول الى مجرد خط أسود بينما تبتعد. خط اسود رفيع. لكنني أستطيع القول بأنها تسير بخفة، رغم البطء، وتعب من هواء المدينة. بيتنا هو عالم أتسوكو، تملؤه بأشيائها الصغيرة. تختار كل قطعة بالعناية نفسها التي اختارت بها علبة الشامبو. بعد ذلك تصبح أتسوكو شخصا، لا هي أم ولا زوجة، بل شخص مختلف كليا. كل ذلك النسيج العنكبوتي الذي حاكته تلك المرأة يتمزق فجأة.. رغم شعوري العميق بأنني مجبر على التمسك به، إنه يروعني لكنني أجد نفسي غير قادر على الهروب منه. أجد نفسي مربوطا بقوة سحرية تمتلكها أتسوكو. «تلك هي الحالة في بداية زواجك». أعادتني كلماتها الى وعيي. «شيء مروع هو التفكير بما بعد مرحلة شهر العسل». «نعم، لكن لا توجد نقطة أتوقف عندها الآن. لا أزال شابا، التفكير بكل ذلك يجعلني متوترا. أنا ذاهب الى البيت. سأنزل في المحطة المقبلة، كي أصحو قليلا من السكر». «كان وقتا ممتعا بالنسبة لي» قالت: «وأنا أيضا» أجبت. انطلق القطار بدون توقف.. مثل حبات رمل في ساعة زجاجية ترصد توقيت حدث ثمين هام. انطلق مكبر الصوت معلنا عن المحطة المقبلة. كلانا يجلس صامتا. كان صعبا علي أن أغادرها، فقد شعرت وكأننا نترافق منذ وقت طويل. كأننا تجولنا في كل مكان في طوكيو، زرنا كل البيوت ومررنا على كل من فيها. لقد كان ذلك الاحساس الذي لا يصدق ... احساس مواجهة قوة حياتية تغلق كل شيء، بما في ذلك المحطة القريبة من بيتي. ذلك الشعور بالاغتراب عن زواجي وعملي وحياتي بالكامل، وعن شخصية أتسوكو المحببة إلي. كان في نيتي أن أقول بضع كلمات أخرى حين التفت لأجد متشردا قذرا ينام بسلام بجانبي. انتهت محاورتنا. أبحر القطار نحو المحطة ببطء وهدوء كسفينة. سمعت باب العربة يفتح فوقفت. وداعا أيها الرجل الذي لا يصدق!. ولدت بانانا يوشيموتو في عام 1964 واصدرت عددا من الاعمال القصصية والروائية ابرزها «العظاية» و«المطبخ» و«توجومي» و«ن.ب» ومجموعتا مقالات جمعتا في كتاب هما «حلوى الاناناس» و«انشودة من بانانا» وقد حظيت اعمالها بالعديد من الجوائز في اليابان وخارجها، وهي تقيم حاليا في طوكيو.