زمان كانوا يسمونهم «الحرس الحديدي»، وفي عصر التجمل والعولمة تحول الاسم الى التعبير الانجليزي الأصل العالمي التداول بكل اللغات ليصبح «بودي جارد»، والمعنى في الحالين، لا يحتاج شرحا او ترجمة، فقد تعولم الاسم بعد ان تعولم الاستخدام، وبعد ان كان هذا الاستخدام قاصرا على الحكام والقادة وكبار المسئولين فقد شاعت ظاهرة «البودي جارد» وأصبحت موضة ومظهراً اجتماعياً يتنافس فيه كل من هب ودب.. ثم كل من هب ولم يدب.. ثم من لم يهب ولم يدب أصلا..! المهم ان الوظيفة وجدت رواجا.. واجتذبت اعداداً من كل عريضٍ للمنكبين.. مفتول للعضلات..، عقله في قبضته..، مهمته الوحيدة هي الضرب، لا يهمه من يضرب.. ولا لماذا يضرب..، المهم ان يدافع عن سيده ضد كل من يتصور ـ في حدود حجم مخه ـ انه يستعد أو يهم او حتى يفكر في المساس بشعرة من شعر سيده ورب نعمته، حتى ولو كانت آخر شعرة في جسد سيده قد سقطت من زمان، كتلة من اللحم والعظم والغباء تتحرك حول السيد الكبير كأي كلب صيد محترم ـ او غير محترم ـ وتحمل اسما مثيرا ومخيفا هو «بودي جارد»..! كان هذا هو الشكل التقليدي لـ «البودي جارد» حتى عهد قريب حين اتضح ان «البودي جارد» العادي لم يعد يثير الانتباه او الاهتمام وسط حشد من «البودي جارد» السوبر، ظهر فجأة او انكشف امره بعد طول تخفٍ، بودي جارد عضلاته في قلمه او في صوته، يؤدي بأحدهما او بكليهما وظيفة البودي جارد الفتوة نفسها، ويتفق الاثنان.. «السوبر والفتوة» في الهدف ذاته والاسلوب ذاته رغم اختلاف الأداة في يد كل منهما، الهدف هو حماية سيده.. والدفاع عنه بالحق وبالباطل، والباطل هو الأغلب طبعا، هذا يستخدم قبضته او مسدسه سريع الطلقات، والثاني قوته في قلمه او لسانه سريع الطلقات ايضا، ويصبح الاثنان معا في خدمة السيد الحاكم، هذا بجسده وعضلاته.. وذاك بقلمه ومقالاته، هذا يحمي جسد السيد.. والثاني ـ وهو الأهم ـ يحمي سياسته، مهما كانت خرقاء.. او غارقة في الفساد.. او كاتمة للحريات..! «البودي جارد» الاعلامي ظاهرة نمت واستشرت في عصر طغى فيه الاعلام المقروء والمسموع والمنظور على اهتمامات المواطنين، لا ليرتقي بهم او ينمي وعيهم بحقوقهم وقضاياهم، بل وهو الاخطر ليحاول جاهدا غسل امخاخهم لإزالة ما قد يكون علق بها من أفكار تحررية.. او تطلعات قومية، مستخدماً كل امكانيات البودي جارد الاعلامية لتلميع صورة الحاكم مهما كانت حالكة.. ولتبرير كل القوانين سيئة السمعة..، ثم ليقوم خلال كل ذلك بشن حملة «ردح» لا تتوقف على كل من يتجرأ على كشف المستور او يتهور مطالبا بتعديل الدستور.. الذي ينص فيما ينص على حق الحاكم في حكم بلاده حتى آخر نفس في صدره، وأن كل محاولة لإنزاله من على كرسي السلطة تعتبر خيانة للأمة وخروجا على الدستور وعملا مشبوها تموله جهات اجنبية حاقدة، وكلما ازداد ضيق الشعب بحكامه كلما ازداد حماس البودي جارد الاعلامي في الذود عن حمى ولي نعمتهم، فشنوها حربا ضروسا على الرعاع «الشعب سابقا» الذين طالبوا بالديمقراطية.. وطالبوا بالقضاء على الفساد.. وطالبوا برحيل المستعمر الجديد.. الحاكم الذي استعمر بلده..، مؤكدين ان المعارضين قلة حاقدة.. وعملاء اندسوا وسط الشرفاء ليعطلوا مسيرة الرخاء والديمقراطية، والشرفاء بطبيعة الحال هم كل من أيدوا النظام وباركوه وبايعوه بعد أن فتح لهم خزائنه.. فهبروا.. وانتفخوا.. وهتفوا.. لبيك يانظامنا لبيك.. ولاؤنا وأقلامنا ملك يديك..! بودي جارد النظام جاهز دائما على الوضع «ستاند باي».. عين على النظام وعين على كل من يعارض النظام..، يدركون بحاسة كلاب الصيد المدربة تجاه بوصلة النظام فيهرولون في هذا الاتجاه، ان قال حربا.. فهي الحرب التي لا مفر منها.. وهي السبيل الأوحد لنيل حقوقنا ولاستعادة ارضنا، ويضربون المثل بحرب اكتوبر التي لولاها ما استعدنا ارضنا.. ولا استرددنا كرامتنا، وان قال سلما.. فهو السلام.. ما احلاه وما أبهاه، وهو الوحيد طريق الوصول الى استرداد الحقوق.. وقهر العدو.. وتحقيق النصر، مؤكدين ومقسمين ـ بالحماس السابق نفسه ـ ان الحرب لا تعيد حقا.. ولا تحقق نصراً.. ولا تجر الا الخراب والدمار، مسدلين ستارا كثيفا على ما قالوه ورددوه.. وكرروه وأعادوه.. عن حرب اكتوبر وما حققته من مكاسب، هذه المكاسب التي لا تظهر ولا تُذكر إلا تكريما وتفخيما للحاكم المغوار.. بطل الحرب والكلام، فإذا ما انفض المولد، وجاء ذكر الحرب على لسان المطالبين بموقف يساند المجاهدين في ارض الاقصى تنقلب الاسطوانة ويبدأ البودي جارد الاعلامي في ترديد كل ما يؤكد ان الحرب هي ام المصائب ـ ان لم تكن ام الكبائر ـ وان الحرب لا تحقق مكسبا ولا تحرر ارضا.. ولا تعيد كرامة..!، وهكذا.. هم دائما مع اتجاه الريح.. ريح الحاكم طبعا، وهم دائماً في حالة استعداد دائم لتغيير الاتجاه من اقصى اليمين الى أقصى اليسار وبالعكس.. تبعا لمزاج السيد وأهوائه.. وظروفه التي يجب ان يراعيها الشعب الواعي ويعمل لها الف حساب..! البودي جارد الاعلامي.. او السوبر.. كلهم يحملون القابا.. ويشغلون مواقع اعلامية كبيرة، وتتصدر اسماؤهم الصحف الكبرى كقادة مواقع ومسئولين ومثقفين، ولكنهم ـ لأسباب خاصة ـ لا يخجلون ولا يتحرك لهم ضمير وهم يتقلبون على كل لون ويتشقلبون امام هذا الحاكم كما تشقلبوا مراراً أمام حكام سبقوه، فهم جاهزون.. متدربون.. محترفون، لا يحمر لهم وجه.. ولا يهتز لهم جفن وهم ينقلبون ويتشقلبون، الأمر الوحيد الذي يزلزل كيانهم ويطير النوم من أعينهم هو نظرة عدم رضا من السيد، او ركلة من موقعه كبودي جارد صاحب حول وطول لمجرد انه مصنف أمام الناس.. لا كصحفي.. ولا كإعلامي.. ولا كمسئول موقع جماهيري، بل كبودي جارد لفخامة السيد المهاب الملهم.. القائد المظفر.. والزعيم الغضنفر.. حاكم البلاد وسيدها، شاء الشعب ذلك ام أبى..!