بيان2: لاشك في أن الرقص يمثل جزءاً لا يتجزأ من تراث الشعوب في قارة امريكا الجنوبية بشكل مميز ولافت للنظر، مقارنة بشعوب عديدة اخرى. لذا يجد الزائر او حتى القاريء المهتم بعادات وتقاليد تلك البلاد، مثل الارجنتين او البرازيل او كولومبيا، ان لكل دولة منها نمطها الموسيقي الراقص المميز الذي يعبر أبناء الشعب من خلاله عن مشاعر الفرح لديهم. فهناك السامبا في البرازيل والتانجو في الأرجنتين، وغيرها الكثير من ألوان الرقص والموسيقى الأخرى التي تلجأ اليها تلك الشعوب كمتنفس يبعدها ولو مؤقتا عن المواجهة الساخنة مع المشكلات الاقتصادية اليومية التي تحيط بها لاسيما وأن غالبية شعوب أمريكا الجنوبية تعد من الشعوب الفقيرة بل ان بعضها يعيش غالبية ابنائه تحت خط الفقر. وتأتي انماط الموسيقى والرقص من جانب اخر لتمثل ملتقيات يعبر بها الشعب بطريقة او بأخرى عن ما يعانيه على يد حكامه من تعسف او ظلم من وجهة نظرهم على الأقل كما هي الحال مع الشعب الكوبي الذي تمثل له الموسيقى متنفساً مهماً للتعبير عن سخطه في أحوال كثيرة عن اجراءات كبت الحرية وعدم القدرة على مواكبة التطورات الحديثة في العالم، لاسيما اذا عُلم ان الشعب الكوبي لا يجد هذا المتنفس متاحاً حتى في المنازل كما هي الحال مع شعوب العالم الاخرى، اذ تمنع الحكومة الكوبية بث القنوات التلفزيونية الخاصة والبرامج التي يمكن ان توفر للمواطن بعضاً من أجواء المتعة والترفيه. غير أنه مع احكام السيطرة على معظم منافذ الترفيه في البلاد، لم تستطع الحكومة في كوبا السيطرة على هذه التجمعات التي ظهرت في الفترة الاخيرة من خلال نواد وحتى في الشوارع العامة، لممارسة هذا النوع من الرقص الشعبي المرتبط بالشعب الكوبي والذي يعرف برقص «هز الخصر» والذي يتجمع حوله المئات من ابناء الشعب الكوبي وتنتشر فرقه في جميع انحاء البلاد. وغدت الفرق الممارسة لهذا النوع من الرقص تمثل احد عوامل الحصول على العملة الصعبة في البلاد، إذ تنظم حفلات غنائية خاصة لممارسة هذا النوع من الرقص وتصل تذكرة الدخول الى 50 دولاراً للشخص الواحد، وهو مبلغ يزيد ستة أضعاف عن متوسط الأجر الشهري للعامل في كوبا. وعندما استشعرت الحكومة الكوبية أهمية هذا النوع من الرقص لدى الشعب الكوبي وما يحققه من أرباح لصناعة السياحة في البلاد، عملت في الفترة الأخيرة على تغيير سياستها تجاهه بشكل كلي واخذت في تشجيعه، وعمل وزير السياحة الكوبي على دعمه ليصبح رقص «هز الخصر» احد الفنون الشعبية الرئيسية للبلاد. ومن يتتبع ظهور هذا الفن وشيوعه في كوبا يجد انه من الفنون الحديثة التي لم يعرفها الكوبيون إلا في فترة التسعينيات من القرن الواحد والعشرين. وكان دخوله الى كوبا من قبيل الصدفة وبحكم القرب الجغرافي من الولايات المتحدة عندما استمع بعض الشباب الكوبي الى بعض الموسيقى الراقصة التي كانت تبثها محطات الاذاعة في ميامي الامريكية المجاورة، وكانت تتلقاها بوضوح ضاحية فقيرة شرق مدينة هافانا العاصمة تعرف بضاحية «ألامار». وأخذ الشباب يمارسون الرقص على انغام هذه الموسيقى بطريقة «هز الخصر»، انطلقت هذه الرقصة من ضاحية «ألامار» الصغيرة لتعم جميع انحاء العاصمة هافانا ومنها الى باقي المدن الكوبية الأخرى، وصار لها روادها وفرقها الموسيقية. غير أن الأماكن التي غدت مراكز لممارسة هذا النوع من الرقص تحولت بمرور الوقت، لاسيما في الفترة الأخيرة، الى منتديات وملتقيات يتبادل فيها المحاضرون الآراء ووجهات النظر في مسار ومجريات الأمور في كوبا، وأصبحت تمثل منابر لمناقشة الممارسات الخاطئة للحكومة الكوبية، وفرصة للكثيرين كي يعبروا عن استيائهم عما يحدث في البلاد من ممارسات غير ديمقراطية، مثل القبض على الأشخاص من دون سبب والفصل التعسفي من الوظيفة، الخ.. هذا الأمر دفع السلطات الكوبية الى مداهمة أكثر من مكان يمارس فيه هذا النوع من الرقص والقبض على كل من تسول له نفسه مناقشة السياسات الحكومية. وحتى الان لم يفرز هذا النوع من الموسيقى الراقصة فنانين في هذا النوع من الفن بعينه وإنما مجموعة من الهواة يحاولون التنفيس عن انفسهم. والكثير من الكوبيين المتعلقين بهذا النوع من الفن يعتبرون انفسهم شيوعيين مخلصين يعملون على تقديم نقد موضوعي لأحوال المجتمع من خلال فنهم. فيقول ارييل فيرنانديز، وهو شاب يبلغ من العمر 25 عاماً وينتمي لاحد الاتحادات الشبابية التي تعمل على ترويج هذا الفن.. «كي يكون المرء ثورياً في اطار الثورة الكوبية، يجب عليه ان يقدم نقداً موضوعياً للمشاكل التي تحيط بنا جميعاً. فنحن نحاول ان نساعد الثورة عن طريق تحليل كل ما هو سلبي وعن طريق البحث عن حلول للمشكلات التي تقابلنا». وقد جذب انتباه العديد من المجلات والصحف الغربية في الفترة الاخيرة ذلك الانتشار الكبير لموسيقى ورقص «هز الخصر الكوبي» في تلك المدة الوجيزة التي لم تتجاوز سنوات قليلة، وبدأت التساؤلات حول امكانية ان ينجح الفن فيما فشلت فيه كبرى دول العالم، او بعبارة اخرى هل ينجح الفن في اثارة الشعب الكوبي على حكومته واسقاطها لاسيما وان علو نجم هذا النوع من الموسيقى تزامن مع نشاط مكثف للمعارضين للحكومة الكوبية؟