طارت شهرة حادثة غرق السفينة «تايتانيك» في عام 1912 وأصبحت أشهر قصة من نوعها على الإطلاق، بعد أن تم تمثيلها وإعادتها الى الأذهان في فيلم يحمل الاسم نفسه، من بطولة ليوناردو ديكابريو وكيت وينسيلت. ومع أنها كانت حادثة مأساوية، بكل ما في الكلمة من معنى، الا انه كانت هناك حادثة لا تقل عنها مأساوية وقعت في عام 1915 لسفينة ركاب تدعى «لوزيتانيا» كانت تعبر المحيط الأطلسي عندما تعرضت لهجوم بطوربيد يحمل شحنة من المتفجرات تزن 350 رطلاً اطلقته غواصة ألمانية من طراز يو ـ 20. وكانت السفينة تبعد في ذلك الوقت عشرة أميال عن الساحل الجنوبي لايرلندا. وعلى الفور، انتصب عمود هائل من المياه في الجو فوق سطح السفينة بعد أن مزّق الانفجار هيكل السفينة الفولاذي الذي لا يزيد سمكه عن بوصة واحدة. وبعد حدوث انفجار آخر في أعماق السفينة، بدأت بالغرق. فساد الذعر في أوساط الركاب، الذين تدافعوا الى قوارب النجاة. وقد حاول قبطان السفينة وليام تيرنر ان يفرض النظام في الوقت الذي اكتسبت الفوضى زخماً خاصاً بها. وحاول الركاب بدورهم ان يطلقوا قوارب النجاة بينما كانت السفينة لاتزال تسير بسرعة كبيرة، فانقلبت حالما وصلت الى الماء. وأمر القبطان تيرنر بأن يخرج الآخرون من القوارب، فقد كان واثقاً من ان السفينة ستصحح وضعها، او على الأقل ستبقى عائمة لفترة كافية لإجراء عملية اخلاء منظمة. ولكنه كان مخطئاً في ذلك، فمع تصاعد الذعر، بدأت مقدمة السفينة بالغوص تحت الماء. وبعد دقائق لامست قاع البحر على عمق 300 قدم. وفي أعقاب الغرق، كان هناك غضب على جانبي الأطلسي. ففي بريطانيا، تعرض القيصر الألماني وقيادته العليا لهجوم عنيف من قبل الصحافة والسياسيين. وأصبحت السفينة المنكوبة رمزاً للبربرية التي كان الحلفاء يقاتلونها. ومع أن عشرات الألوف من الجنود كانوا يموتون كل يوم على الجبهة الغربية، إلا أن مصير الركاب على متن «لوزيتانيا» لايزال يستقطب اهتماماً كبيراً، فقد توفي 1198 راكباً وموظفاً من أفراد الطاقم. ومن بين الأطفال الـ 39 الذين كانوا على متن السفينة، لم ينج سوى أربعة. وقد أدى مقتل 128 امريكيا كانوا على متن السفينة، الى حدوث مظاهرات في نيويورك. وتعرضت السفارة الألمانية للحصار من قبل مجموعة من الرعاع الغاضبين. وكان لتلك الكارثة دور في اجتذاب الولايات المتحدة الى الحرب. وعندما وصلت طلائع الجنود الأمريكيين الى الخنادق، صدرت عنهم صيحة مفادها «تذكروا لوزيتانيا!». وقد شقت الذكرى المريعة لحادثة السفينة «لوزيتانيا» طريقها الى الاسطورة شأن السفينة «تايتانيك». ولكن بخلاف تلك السفينة، التي غرقت بفعل اصطدامها بجبل جليدي عام 1912، فان الأحداث المحيطة بغرق «لوزيتانيا» لم تتكشف بشكل واضح أبداً. واليوم بعد مرور 87 عاماً على تلك الحادثة، لاتزال تلك السفينة رابضة في قاع البحر، بسبب قانون ايرلندي يتعلق بالتراث البحري، يحظر انتشالها او اجراء عملية استكشاف لها. ومنذ اليوم الأول لغرق السفينة والشكوك تدور حول طبيعة الحمولة التي كانت على متنها. ومفاد هذه الشكوك انها كانت تحمل أسلحة وذخيرة من أمريكا المحايدة الى بريطانيا. وهذا يعني انها كانت بمثابة هدف مشروع للقوات الألمانية وان الحكومة البريطانية وشركة كونارد للخطوط البحرية كانتا مسئولتين عن خرق القانون الدولي وتعريض حياة عدد كبير من المدنيين للخطر. وتفيد المزاعم ايضا ان الانفجار الثاني، الذي عجّل بغرق السفينة، نجم عن انفجار هذه الذخيرة المهرّبة. وفي التحقيق الأولي، الذي تولى رئاسة لجنته لورد ميرسي، سعت الأميرالية الى تفسير الانفجار الثاني عن طريق الادعاء بأن السفينة ضربت بطوربيدين، وليس بطوربيد واحد. لكن ذلك التفسير صمد بالكاد خلال فترة الحرب. فقد ظهرت دلائل موثوقة تثبت انه لم يكن هناك سوى طوربيد واحد، وان الانفجار الثاني جاء من داخل «لوزيتانيا» نفسها. وفي الآونة الأخيرة، ساد الاعتقاد بأن الكارثة كانت بمثابة خدعة متعمدة من جانب الأميرالية لجر قوى محايدة الى الصراع. ان التفكير بأن قادة وسياسيين بريطانيين رفيعي المستوى ومن بينهم قائد الاميرالية في حينه ونستون تشرشل قد تآمروا على تدبير جريمة جماعية بوضع سفينة ركاب مليئة بالنساء والأطفال في طريق الخطر، يستحضر صوراً من الصعب على أصحاب نظرية المؤامرة ان يقاوموها. وفي الواقع ان الكارثة لم تقد الولايات المتحدة مباشرة الى الحرب. فلم تصل طلائع الجنود الأمريكيين الى الجبهة الغربية قبل عام 1917 أي بعد الحادثة بعامين. ومع ذلك فان الحادثة قلبت الرأي العام الامريكي بشكل كبير ضد ألمانيا، ووفرت لبريطانيا اداة دعائية قوية ضد «المتوحشين الألمان». ضرار عمير