بيان 2: قد يعتقد من يسمع الان عن الشركات والمؤسسات التي تصمم وتنفذ مشروعات «بيت المستقبل» أن هذه الفكرة هي صيحة جديدة اطلقتها ثورة التقنية الرقمية المعاصرة. غير أن مفهوم «بيت المستقبل» ظل يلازم المجتمعات في الغرب منذ عقود كثيرة بل قرناً كاملاً على الاقل. فكلما زاد حجم التقنية المتوفرة للبشر كلما خرجوا بأفكار جديدة لانتاج بيت المستقبل لاستبدال منازلهم الراهنة التي كانت بدورها قبل سنين كثيرة مجرد أفكار عن بيت المستقبل. وسيظل تحقيق الانسان لحلمه بحياة اسهل حلماً يطادره. فكلما زادت سبل الراحة عنده واعتاد عليها يبدأ البحث عن سبل أكثر سهولة. وفكرة بيت المستقبل التي تروج حالياً ربما تحقق وتمضي بشوطها كاملاً حتى تصبح شيئاً عادياً يعيشه كل الناس ليبدأوا بعد ذلك بطرح فكرة بيت المستقبل مرة أخرى. فمنذ عام 1851 وبتكليف من الأمير ألبرت زوج الملكة البريطانية فيكتوريا باعتباره رئيساً لجمعية تحسين ظروف حياة الطبقة العاملة، قام احد المعماريين بتصميم المسكن النموذجي المريح المناسب للعامة، وقد بناه فعلاً قرب المعرض الكبير في لندن، الذي كان مناسبة سنوية تحاول بريطانيا وشركاتها الصناعية ان تعرض فيها اخر ما توصلت اليه تقنياتها «الحديثة». طبعاً، ذلك المسكن النموذجي لم يكن من الزجاج او الحديد، بل من القرميد فهذه كانت روح العصر حينها. واليوم تعمل مؤسسات كثيرة مختصة بالتقنية او بالبحوث العلمية على صياغة افكارها لما سيكون عليه هذا البيت وتمتد هذه الجهود من شركة مايكروسوفت ومعهد ماساشوستس للتقنية وشركة اورانج للتقنية وغيرها الكثير. ومن المعلومات المتوفرة عن هذه المشاريع يمكن القول ان هذا البيت سيتميز بمقدرة كبيرة على التغير وكأنه لعبة ليجو عملاقة بحيث ينتج مسبق الصنع وتبدأ التعديلات عليه من قبل مشتريه بعد تسلمه. كما أن بيوت المستقبل ستكون جزءاً من مجتمعات اي ان الناس سيشترون الحي قبل شرائهم البيت ويهتمون بملاءمة بيتهم مع الجوار بقدر ملاءمته لهم. أي أن مجموعة من الناس تبدأ معاً بتصميم حيهم الكامل. وهذا قد يحدث على الانترنت اي بشكل يجعل مجتمعات الانترنت الموجودة حالياً مجتمعات موجودة داخل احياء تجمعها سوية. ومن أبرز الجهود التي تتم حالياً في هذا السياق مشروع مايكروسوفت لبيت المستقبل والذي جعلت من مركز مؤتمراتها في سياتل موقعاً لتنفيذه حيث أصبح محشواً الان بكل التقنيات التي تحلم الشركة بها. لكن مع أنه سيصبح معرضاً لكل ما لدى مايكروسوفت من تقنيات، فلا يبدو حتى الان انه سيعالج مسألة ما سيجده الناس مفيداً لهم. وهكذا حينما تأتي الى المنزل وتقترب من بابه الخارجي ستجد لوحة عرض بالكريستال السائل على الباب تقدم لك التحية اولا، وان لم يكن احد موجوداً في البيت يمكن لك ترك رسالة فيديوية عليها. ويفتح الباب ذاتياً بعد أن يتأكد من شخصيتك عبر قراءة بصمة القزحية في عينيك. ولأن البيت الذكي يعرف من الذي دخله فإنه يشرع بتشغيل التكييف والتلفزيون والموسيقى وغيرها من الأمور حسب ما تكون قد عودته لتفضيلاتك الى ان تغير ملابسك. محور التركيز اما المطبخ وهو محور تركيز مبتكري بيوت المستقبل تقليدياً فهو مليء بالمبتكرات. وتبدأ بنظام تفقد المؤونة في البراد او الخزائن وبالتالي تسأل المطبخ صوتياً عما لديه من طعام او يقوم هذا المطبخ ذاتياً بإرسال طلبية الى البقالية عبر الانترنت لتزويده بالمؤن التي شارفت على الانتهاء منه. لكن هناك ايضا تقنيات حشرت حشراً في البيت لمجرد انها تقنيات جديدة من دون النظر لافادتها الفعلية مثل البيانو الرقمي المزود بمودم خاص يحمل الموسيقى والمعزوفات من الانترنت ويعزفها لتسليتك. او اللوحات الفنية التي ليست فيها صور على قماش او كرتون بل شاشات عرض موصولة بخدمة مدفوعة الأجر لتزويدك بالأعمال الفنية التي تريدها وتغيير عروضك في البيت كلما تريد. اما شركة اورانج المختصة بانتاج الهواتف النقالة فقد اختارت طريقاً اخرى للوصول الى بيت المستقبل على الرغم من أنها بنت هذا البيت وحشته بالتقنيات الحديثة. الا ان اورانج طلبت من أسر متطوعة ان تأتي وتعيش في بيتها بحيث تستطيع الوقوف على ما يريده الناس من تقنيات في بيت المستقبل فعلاً وليس لانها مجرد تقنيات حديثة. وهذا يكشف عنه جون كارتر مدير المشروع حينما يصف الكثير من مشاريع بيت المستقبل عند الاخرين بأنها «سطحية ومجرد هراء». وليشرح موقفه يعود كارتر الى المطبخ ليأخذه مثالاً حيث يقول ان الغسالات التي تستطيع انزال برامج جديدة من الانترنت والبرادات التي تتضمن شاشات كمبيوتر ومتصفح انترنت على أبوابها ليست لها اي افادة فعلية حقاً: «ان المصنعين لم يفكروا في كيفية استخدام الناس لمنازلهم. ونحن نركز على المطبخ في ابحاثنا لانه اكثر ما يشخص حقيقة الاستخدامات المنزلية الحقيقية». وعلى سبيل المثال، أدخلت اورانج في بيتها المستقبلي اجهزة تحكم تعمل بأوامر صوتية تمكن ساكن البيت من اعطاء اوامره لبيته ليشغل التكييف او يوقفه او يشغل الأنوار او يطفئها وهو يضع باستخدام ميكروفون لاسلكي على رأسه» لكن التجارب اثبتت ان هذه الأمور ليست سوى تعقيدات سطحية تزيد من التعقيدات التي يعيشها الناس أصلاً في بيوتهم». اما أكثر التقنيات التي اثبتت شعبيتها بين سكان البيت المستقبلي فهي الشبكة الاعلامية المركزية التي تسمح للناس بدخولها وسائل الترفيه من تلفزيون وراديو ومسجلات وغيرها من أي مكان في البيت. لكن هناك أرجاء في البيت ايضاً استوعبت التقنية على نحو غير متوقع. فغرفة الاطفال، مثلاً، فيها لوح جداري يستطيع الاطفال ان يكتبوا عليه بأقلام ومهما كان الذي يرسمونه او يكتبونه يمكن ان يظهر على شاشة كمبيوتر ليمكن بعد ذلك طباعته او تخزينه او ارساله لصديق. وشيئاً فشيئاً تقوم أورانج بتطوير فكرة بيت المستقبل بناء على هذه المعطيات العملية اليومية. وهكذا ستلغي اجهزة التحكم المعقدة بالانارة والتكييف وتطور فكرة اللوح الجداري في غرفة الأطفال بحيث يصبح تفاعلياً مع التلفزيون او الانترنت. هذا الى جانب جهاز تحكم خاص بالانترنت ليمكن دخولها من أي مكان في البيت بحيث يستطيع الساكن ان يختار ما يريده من مواد اعلامية وترفيهية اينما كان. عن «فوكس»