بيان 2: عندما وقع نظر المستكشف هيرام بنجهام لأول مرة على أطلال «المدينة المفقودة» ماشو بيشو في بيرو عام 1911، اصيب بالذهول ازاء الحجم الهائل للحجارة، التي استخدمت في البناء بدون ملاط والطريقة البارعة التي جرى بها تركيب تلك الحجارة بعضها فوق البعض الاخر. وكتب في وقت لاحق يقول: «بدا الأمر وكأنه حلم لا يصدّق. ما عسى هذا المكان ان يكون؟ لماذا لم يعطنا احد أي فكرة عنه؟». يجمع الخبراء الان على ان ماشو بيشو كانت واحدة من سلسلة من القرى الملكية التي أقيمت في وادي «اوروبامبا» على الحدود الشرقية لامبراطورية الانكا. وقد وفّر الوادي، الذي يقع على ارتفاع اكثر انخفاضاً ودفئاً من العاصمة كوسكو وفّر ملاذاً من شتاء جبال الانديز الذي يمتد من يونيو حتى أغسطس من كل عام. وقد بدأ بناء ماشو بيشو على يد حاكم الإنكا باشاسوتي حوالي العام 1450 للميلاد واستخدمت لفترة تزيد قليلاً عن مئة عام. وعندما دخل الاسبان الى منطقة نفوذ الإنكا في عام 1532، انهارت هذه الامبراطورية بشكل سريع ومثير للدهشة معاً. فقد قام الاسبان بسلب وتدمير المواقع التي وعدت بالذهب او كانت تحمل اهمية استراتيجية. أمّا قرية ماشوبيشو النائية فقد سلمت من الدمار، ولم تفقد سوى سقوف ابنيتها المصنوعة من القش مع مرور الزمن. ولادراك أهمية هذا الملاذ يتعين على المرء أن يعي ما كان يعتبره الإنكا جميلاً ومقدّساً. فالمعالم الطبيعية التي كان يعتقد بأنها تملك قوى خارقة تحيط بماشو بيشو. وترتفع قمم الجبال، التي تعتبر مكان الالتقاء بين الأرض والسماء، باتجاه الشمال والجنوب، بينما يجري نهر «اوروبامبا»، حاملاً الماء الواهب للحياة على طول مجرى النهر الذي يزيد انخفاضه عن 1500 قدم. ويمكن تتبع الدورة السنوية للشمس، التي كان يعبدها الإنكا، من نقاط عديدة للمراقبة. وفي شهر يونيو من كل عام، كان الانكا يقيمون مهرجاناً لهم في ماشو بيشو. حضارة الانديز ولاتزال ماشو بيشو تمثل بالنسبة لاحفاد حضارة الانديز مصدراً للفخر والهوية الواضحة وشاهداً على تاريخ وثقافة لم يستطع الغازي ان يمحوهما. وكان الشاعر التشيلي المعروف بابلو نيرودا قد كتب عن هذه المدينة يقول: «مدينة عالية من الحجارة المدرجّة. حيد عال للفجر الانساني... المملكة المنهارة ابقتنا جميعآً أحياء طوال هذا العصر». عندما روى الإنكا تاريخهم للغزاة الاسبان، قالوا ان جيوش الإنكا، التي اجتاحت المنطقة الواقعة على طول غرب جنوب أمريكا خلال بضعة أجيال، قد جلبت الحضارة للمتوحشين والنظام للمناطق المضطربة. ووجد الغزاة الاسبان انفسهم مضطرين لتصديق هذه المزاعم الصادرة عن امبراطورية نادراً ما عانى شعبها من المجاعة والتي كانت عاصمتها تتوهج بالذهب ونظام الطرق فيها يناسب جميع الاجواء ويربط المنحدرات الجبلية الوعرة بالصحراء الساحلية. وقد كتب المؤرخ بيدرو دي سيزا دي ليون يقول: «ان من الأمور التي يحسد عليها هؤلاء الحكام الكيفية التي اكتسحوا بها هذه الأراضي الشاسعة وحولوها الى دولة مزدهرة». وعلى الرغم من كل ما أنجزه الانكا، الا أنهم لم يكونوا هم الذين بنوا حضارة الانديز، وانما كانوا ورثتها. فقبلهم بقرون طويلة، تعلمت ثقافات اخرى كيفية البقاء والصمود، في هذه الارض القاسية، التي ترتفع من الصحراء الساحلية الى ثاني أعلى سلسلة جبال في العالم. وقد استطاع هؤلاء الناس ان يبنوا دولاً وامبراطوريات مزدهرة وان ينتجوا فناً رفيعاً. ويقوم علم الآثار حالياً بكشف النقاب عن هذا التاريخ الذي يسبق حضارة الانكا بالاضافة الى توفير فهم جديد للانكا انفسهم ولامبراطوريتهم التي كانت اخر واكبر امبراطورية استطاعت ان توحّد عالم الانديز برمته. ومن الامثلة على الاكتشافات الأثرية الحديثة لحضارة الانكا وما سبقها من حضارات ما جرى في بلدة توبامارد الواقعة في ضواحي ليما، عاصمة بيرو ففي عام 1989، استقرت حوالي 340 عائلة هربت من حرب العصابات الدائرة في التلال في هذه الارض التي وعدوا من قبل تجار الاراضي بأنها ستحظى قريباً باعتراف رسمي من الحكومة، وفي هذه الأثناء، كانت المومياوات جاثمة بلا حراك او وسائل حماية ضد التدفق المفاجيء لمياه الصرف الصحي على عمق ستة أقدام، مما أدى الى تحللها. وقد قام بعض السكان باستخراج المومياوات وحرقها املاً في تجنب التنقيب العلمي الذي من شأنه ان يوفر عملية تطوير البلدة. وعلى الرغم من الحاق الكثير من الضرر بالموقع، في السنوات اللاحقة، الا ان المعهد البيروفي للثقافة طلب، في النهاية اجراء تقويم اثري للمنطقة. وهذا ما تم بالفعل في عام 1999، عندما جاءت بعثة اثرية وأخذت تحفر بحثاً عن الآثار بالتعاون مع أهالي البلدة الذين علقوا الآمال على ان يكون ذلك بداية مشجعة للحكومة لتمنحهم ملكية الارض والمرافق الأساسية. واستطاعت البعثة ان تستخرج وتفحص وتصور اكثر من 2200 مومياء دفنت بفارق 75 سنة عن بعضها البعض. وبعد انتهاء الحفر تبين ان الموقع الذي يمتد عبر 20 فداناً هو ثاني اكبر مقبرة يجري اكتشافها في بيرو بعد آنكون. ضرار عمير