بيان 2: الحديث مع الشاعر والاديب حسين حموي ذو شجون فهو شاعر عاصر مراحل تاريخية متناقضة اثرت على احلامه وآماله في اقامة مجتمع العدل والكفاية وتحقيق كرامة الانسان.. تجربته الادبية الممتدة منذ ثلاثين عاماً ونيف كانت حصيلتها ثمانية عشر كتاباً مطبوعاً في الشعر والمسرح والدراسة.. لكنه الآن مبتعد عن الاضواء ومقل في انتاجه المميز لانه كما يقول «يرفض ان ينحني او يسير في خط منكسر». حاورت حسين حموي في تجربته الشعرية والادبية وآرائه في العمل الصحفي والبحث عن الحقيقة وتصوير هموم المقهورين وهو واحد منهم لا يزال حتى الآن مصراً على حمل الهم العام. ـ تجربتك الصحفية هل كانت عبئاً على شاعريتك، ولماذا؟ ـ لم تكن تجربتي الصحفية الا واحدة من تجاربي الحياتية الاخرى التي أغنت جانباً مهماً من جوانب حياتي العملية بالتعرف على هذا الوسط وعلى هذه الشريحة التي تتعامل مع الكلمة والخبر واضافت معلومات جديدة الى معلوماتي الادبية والثقافية والتربوية التي كنت قد مررت بها في السنوات الماضية وزادتني خبرة وفهما لدور الاعلام ليس في تعدد المنابر وفتح المنافذ على الناس بل في معرفة الاهمية الكبرى لوسائل الاتصال الحديثة التي اصبح من يمتلكها يمتلك سلاحاً هاماً في ايصال رأيه وافكاره ومواقفه الى الآخر.. لقد استطعت في مراحل من عمري ان احقق هذا التواصل بيني وبين الناس وقربتني الى الناس اكثر واكثر وعرفت بي وبأفكاري وقيمي التي احملها وادافع عنها. ويتنهد قائلاً: في الوقت نفسه خلقت لي اعداء كثراً يوازي عددهم عدد الاصدقاء اذا لم اقل ينوف عنهم هم اعداء الحياة والتطور والتقدم والقيم ومكارم الاخلاق واعترف انهم استطاعوا ان يبعدوني عن هذه المنابر وان يغلقوا جميع النوافذ التي كنت اطل منها على الناس وأخاطبهم اسبوعياً او شهرياً لكنني لم انسحب من الساحة الثقافية والاعلامية حتى الآن.. فما زلت امسك بقلمي جيداً واشهره في الوقت الذي اشاء فهو سلاحي الوحيد الذي امتلكه واقاوم به اعداء الانسان والحرية والقيم وهو الصديق الذي لم يخذلني في موقف من المواقف وكان ملاذي في ساعات القهر والضجر وابوح اليه بمشاعري الداخلية وسرائري الخاصة وهو ينقلها بأمانة الى دفتر اشعاري واحياناً يهمس بها همساً الى الاوراق البيضاء في مذكراتي اليومية. كما اعترف ايضاً بأنني لم استفد من وجودي في اكثر من مؤسسة اعلامية في دمشق العاصمة وأن الموقع الحساس الذي يمكنني من الاستفادة الشخصية من الترويج لشعري او في التسويق الخارجي او الداخلي الذي يجيد الآخرون فيها هذه اللعبة الاعلامية القائمة على المنافع وتبادل المصالح فأنا مازلت لا اعرف من اين تؤكل الكتف ولا اريد ان اعرف. ـ من المعروف ان الشاعر مرآة عصره، كيف جسد حسين حموي هذه المقولة في شعره؟ ـ ما نشرته من شعري حتى الآن يندرج في الاغلب الاعم منه في الاتجاه القومي والانساني ومالم ينشر يساوي او ينوف قليلاً ما هو موجود في المجموعات الشعرية السبع التي تمت طباعتها في دور نشر مختلفة محلية وعربية.. انا لا أزعم انني كنت مرآة عصري ولا شاهد الحقيقة على الواقع المرير الذي تعيشه امتي والعالم المظلوم الاعزل من القوة هذه الايام ولا شاعر المرحلة التاريخية الفلانية وانما استطيع ان ازعم واجزم ايضاً بأنني لم اكن شاهد زور على عصري ولم اكن شاعر مرحلة تاريخية او مناسبة. ولم اقف على ابواب الملوك والامراء والرؤساء استجديهم في شعري وحاولت ما امكنني ظرفي وما امدتني روحي بالطاقة والقوة ان اكون في ابداعي الشعري مخلصاً وفياً لمبادئي ونفسي وقناعاتي وقيمي ولانني مازلت حتى هذه اللحظة ممسكاً بزمام نفسي ومتعالياً باباء وشمم عن تلك الاساليب الرخيصة التي أربأ بنفسي ان اكون من لاعبي السيرك فيها حيث ارى الكثير من الشعراء امام بصري وسمعي يمارسون هذه الهواية اذا لم اقل هي من هواياتهم المفضلة وهي بكل اسف جلبت لهم الشهرة وجعلتهم تحت الاضواء بينما الآخرون من الشعراء الذين ساروا في الاتجاه المعاكس لأولئك مازال كثير منهم في الظل وربما يرحلون من هذه الدنيا الفانية وهم في الظل.. ولا غضاضة في ذلك فليس كل ما يلمع ذهباً. ويتابع حديثه قائلاً: انني بحكم وجودي في اتحاد الكتاب العرب بدمشق طوال هذه الفترة الزمنية التي تصل الى ستة عشر عاماً وبحكم وجودي سابقاً في مؤسسات ثقافية واعلامية استطعت ان اكشف اسرار حرفة العوم فوق المياه الآسنة واسرار لعبة الاضواء الخافتة التي لا يجيدها الا الهواة وليس الشعراء ضمير الامة ومرآة العصر ووجدان الحق والحقيقة. ـ لماذا انت مقل في شعرك؟ ومن هو مثلك الاعلى من الشعراء؟ ومن شعراء المسرح الشعري؟ ـ المسألة ليست في الكم الشعري الذي يبدعه الشاعر وانما المسألة في الشعر الذي يقدمه للناس والاجيال.. انا اعترف انني مقل في شعري ومقل اكثر من اللازم في نشر هذا الشعر داخل سوريا او خارجه لكني لست متأسفاً على ذلك لأن الذين يقرؤون الشعر هذه الايام قلائل ولعل لهذا الامراسبابه ايضاً. لا حاجة لنا في ازاحة الستار عن بعضها وان كانت في مجملها تؤثر بشكل او بآخر على مدى تقبل الناس للشعر او عدم تقبلهم اياه الا لحاحاً. ويقول: اكتفي بنشر قصيدة واحدة او قصيدتين طوال العام في دورية متخصصة في الادب او الشعر او الثقافة ولا اجد نفسي متحمساً لنشر الشعر في الصحف اليومية. وعن مثله الاعلى من الشعراء والادباء والمفكرين يقول الشاعر حسين حموي: مثلي الاعلى اولئك الذين حملوا رسالة الكلمة بأمانة وشرف وكانوا صادقين مع انفسهم وشعوبهم والانسانية كاملة في خطابهم الشعري او النثري واستطاعوا بجدارة ان يحصلوا على ذلك في ابداعهم فالابداع لا ينفصل عن صاحبه والنص مهما كان مجلياً في عناصره الفنية اذا كان حامله هزيلاً ورخيصاً لابد ان يهوى به الى الهزالة والحضيض ويتابع قائلاً: انا احترم الذين ربطوا ربطاً عضوياً بين كلماتهم ومواقفهم وحفظوا الانسجام التام بين ما يقولون بأفواههم او يكتبونه على الورق وما يفعلونه على الارض في واقع الحياة اما الذين يقولون ما لا يفعلون والشعر والكتابة عندهم حصان طروادة لمجرد الوصول والتسلق وحصد المنافع والهبات فهؤلاء عالة على الشعر والنثر والابداع اينما كانوا وكيفما تزينوا.. فالشاعر الحق الملتزم بقضايا وطنه وامته وشعبه وبالصدق والحقيقة هو مثلي في كل زمان ومكان. ـ وما رأيك بالواقع الثقافي الراهن؟ هل هناك ازمة ثقافية؟ ـ الواقع الثقافي العربي ليس مفرحاً على الاطلاق بل هو محزن وقاتم لعدة اسباب استطيع ان اجملها بالنقاط التالية: الانا المتورمة المريضة الزائدة عن الحد المقبول الذي نقبل ان توجد في نفسية المبدع لكي يبدع لأن «انا» الابداع تختلف كثيراً عن أنا النرجسية التي لا ترى الا صورتها في المرآة ولا تحب ان يرى الآخرون الا صورتها وحدها في المهرجانات الادبية والمؤتمرات الثقافية وعلى صدر صفحات الدوريات المحلية والعربية وعلى شاشات التلفاز المحلية والعربية ايضاً.. هذه الانا المرضة هي الداء المستفحل الذي يحول دون اظهار ابداع الآخرين والاعتراف بهم وتقديمهم للدول والشعوب الاخرى على انهم مبدعون من هذا الوطن الكبير الذي يتسع لجميع ابنائه وليس لنفر قليل منهم. السبب الثاني الذي يشكل خطورة بالغة على الابداع والثقافة هو تحويل الادب والفكر والشعر والابداع باتجاه التسطيح الاعلامي الذي يكتفي من القصيدة ببيت شعر واحد ومن الكتاب بقصيدة ومن المكتبة التي تحتوي آلاف الكتب بكتاب واحد.. وهكذا دواليك ويكون الدش هو العنصر الاهم في التثقيف وليس الكتاب والحوار والبحث في الاعماق. السبب الثالث: يواصل الشاعر حسين حموي حديثه قائلاً: يشكل خطورة على الاجيال القادمة ويؤدي الى خلق ازمة ثقافية على مستوى الامة هو ان تكون الثقافة بكليتها تابعة للسياسة وان تتبع خطى سياسة الحكام في طروحاتها وموضوعاتها وهذا مع الزمن يكرس القطرية ويكرس أمراضاً اخرى لا تجلب الا الخراب والدمار والتفكك والضعف لهذه الامة.. وهذه النقاط يتفرع عنها نقاط ثانوية اخرى كثيرة. ـ الغزو الثقافي الغربي هل هو حقيقة؟ واذا كان كذلك فكيف نتصدى له؟ ـ الغزو الثقافي قديم جديد لا يتوقف ولم يتوقف منذ ان ارست هذه الامة ركائزها الثقافية الحضارية بين امم وشعوب الارض. والغزو الثقافي الراهن يشكل خطورة كبيرة على هذه الامة لأن الذين يرجون ويمهدون لهذا الغزو يتكاثرون على امتداد الوطن العربي ومعظمهم اصبحوا يدورون في فلك الدولار واللهاث خلف الجوائز العالمية والالقاب او ما شابه ذلك.. فالغزو الخارجي مهما كان قوياً يفشل اذا كان الداخل صلباً ومقاوماً والعكس هو الصحيح عندما يكون الداخل هشاً ومتواطئاً مع الخارج.. بكل اسف الادب المقاوم والثقافة المقاومة والشعر الملتزم بقضايا الوطن والامة يتراجع ويتضاءل ليحل محله الادب السخيف والثقافة الاستهلاكية الرائجة، ثقافة العولمة الامريكية ذات الاتجاه الواحد والغايات الواحدة وارجو ان لا يفهم من كلامي بأنني ضد العلمنة والتعلم والحوار بين الثقافات والحضارات بل الذي اعنيه تعميم هذه الثقافة العالمية الامريكية المحشوة بالافكار الصهيونية على مجموع البشرية ومن ضمنها الامة العربية وتهديم الركائز والأسس التي تقوم عليها الثقافة القومية التي تشكل في مجموعها وترابطها وحدة هذه الامة واصالتها وهويتها في الماضي والحاضر والمستقبل.