1ـ جذورها واسمها قصيدة النثر ـ شأنها شأن كل جديد ـ ما برحت منذ ظهرت مثار جدال حاد بين مشجّع ومقرع، ومظاهر ومنافر. وهو جدال لا ينتهي إلا بواحدة من اثنتين: أولاهما ان تتولاها أيد صناع تستطيع ان توفيها حقها من عمق الفكرة، وصدق الاحساس، وجمال الصورة، واشراق العبارة، حينئذ تستقرّ، ويُقر بها المعارضون راضين أو مضطرين. والثانية ان تبقى بين أيدي الشداة الذين لا يحسنون شعراً ولا نثراً، فيصوغونها بتفكير هزيل المباني، وتصوير ناصل الالوان، وتعبير مضطرب التراكيب، وحينئذ يئدها المدافعون عنها لا أعداؤها، وينتهي الجدال بلا قتال. وهل الناقد إلا بصر راصد، يراقب ويواكب، غير متحزب ولا متعصب، يتعقب تطوّر الظواهر الأدبية وفي ذهنه مبدأ واحد، وهو ان البقاء للأصلح، وان الزبد إلى جفاء. وانطلاقا من هذا المبدأ فقد لاحظ محك النقد ان مصدر الخلاف فيما يسمى «قصيدة النثر» موصول النسب بمفهوم الشعر، وبالكلام الذي يستحق ان يسمّى باسمه أيتضمن هذا المفهوم أو يخلو منه؟ ولاحظ كذلك ان الخلاف شكلي لا عقلي، وان مداره التسمية لا المضمون، واللقب لا القلب. أيسمى هذا النمط من القول قصيداً أم يُختار له اسم آخر، ولهذا فلابدّ من تحديد مفهوم الشعر بحدّ واضح قبل ان يحكم الدارس على المدروس. فما الشعر؟ أهو كلام موزون مقفى له معنى كما قال قدامة بن جعفر، أم «ان القول إذا كان مؤلفا مما يحاكي الشيء، ولم يكن موزونا بايقاع فهو قول شعري» كما قال الفارابي؟ وبعبارة أدقّ على الدارسين ان يحصروا خلافهم في بؤرة ضيقة، وهي الوزن والايقاع. أيقولون ـ كما تقول نازك الملائكة ـ: «إن في الشعر عنصرا جماليا يميزه من النثر، وهو الموسيقى، فالشعر ليس عاطفة وحسب، وإنما هو عاطفة ووزنها وموسيقاها»؟ أم يقولون ـ كما تقول مجلة شعر ـ: «إن الوزن ليس مشروطا في الشعر، وإنما يمكن ان يسمى النثر شعرا لمجرد ان يوجد بمضمون معين»؟ وإذا جاز لنا ان نأخذ بقول المجلة فما هذا المضمون الذي يجعل الكلام شعرا؟ المضمون هو مجموعة من المعاني الرفيعة الموحية، والمشاعر العميقة المؤثرة، والصور الجميلة المشخصة، والعبارات الفصيحة الانيقة. فمتى تضمن القول هذه العناصر كان قولا شعريا، ولو لم يكن ـ القول للفارابي والمجلة ـ مضبوطا ببحور الخليل أو على الاقل بتفعيلة من تفعيلاته. ولمن ذهب هذا المذهب حجج يتذرع بها، وجذور يستمد منها. اولى هذه الحجج ان الكلام الجميل غير الموزون قد يسمى شعرا والدليل على ذلك ان حسان بن ثابت سمع ابنه يصف الزنبور بقوله: كأنه اعرابي في حَبَرة (ملاءة من نسج اليمن) فقال: شَعَر والله الغلام! وكلام الغلام مصور غير موزون، ومن هذا القول استنبط اهل الشعر المنثور ان الشعر مضمون لا شكل، وتعبير مصور يوحي ويؤثر ولو لم يكن موزونا ولهذا سمحوا لانفسهم ان يسموا كلامهم قصيدا ولو لم يكن مضبوطا بأوزان الخليل. وثانية الحجج ـ والرأي لعبدالعزيز المقالح ـ ان العرب حينما اصغوا الى كتاب الله يتلى راعهم بيانه فتوهموا انه شعر وهو غير موزون وهذا التوهم يعني عند المقالح ان مفهوم الشعر يتحدد بما في الكلام من جمال وتصوير وبيان لا بما فيه من طنطنة ورنين. وعلى هذا الاساس لا يرى المقالح ضيرا في تسمية النثر المكتوب وفق المفهوم الذي رشحته (مجلة شعر) شعرا، لان جماله وخياله يغنيان عن تفعيلاته وقوافيه، وعن وزنه ولحنه، ان الجوهر عنده اهم من المظهر والمضمون فوق الشكل. وثالثة الحجج ـ وهي مقتبسة من كلام لميخائيل نعيمة ـ ان الوزن لم يكن قيدا يلتزمه الشاعر الجاهلي وانه اصبح قيدا بعد ان صنع الخليل العروض وماز البحور بعضها من بعض، كأن العروض من اختراع الخليل لا العرب. وفي هذه الحجج نظر. فكلام حسان لا يعني ان ابنه نظم الشعر، وانما يعني انه وضع يده على مفتاح من مفاتيح الشعر وهو التخييل الجميل. اذ لو فهمنا من كلامه ان الغلام صار شاعرا لكان علينا ان نطالبه بالمعنى الرفيع، والعاطفة المؤثرة وتشبيه الزنبور بالبدوي ليس اكثر من عنصر واحد من عناصر كثيرة. ان قول حسان لا يعني اكثر من التبشير بما سيكون، ولا يعني اكثر من ان الغلام تهدى بالفطرة الى عنصر من عناصر الشعر، ولم يتهد الى الشعر نفسه. وحجة عبدالعزيز المقالح رد عليها العرب الجاهليون انفسهم فالوليد بن المغيرة حينما اصغى الى القرآن الكريم يتلى وتذوق بيانه قال: «والله ان له لحلاوة، وان عليه لطلاوة، وان اعلاه لمثمر، وان اسفله لمغدق» فلما حاوره ابو جهل قال له الوليد: «تزعمون أنه (أي النبي) شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قال اللهم لا». ان اقصى ما يمكن استنباطه من كلام الوليد وامثاله هو اعجابهم ببيان القرآن المعجز، وهذا الاعجاب لا يرتبط بشعر ولا نثر ولا يبنى عليه رأي في النقد والادب. وربما كانت حجة ميخائيل نعيمة اضعف واسخف لانها تفترض ان الشعر في العصر الجاهلي كان اكتسابا لا فطرة، وان الشعر قسمان: موزون ومرسل، وهو ادعاء لا يستند الى حقيقة. ان رواة الشعر الجاهلي وحفظته نقلوا الينا القصيد والرجز والمطولات والمقطعات والابيات المفردة، وكل ذلك كان موزوناً مقفى، واستحق ان يسمى عندهم شعراً أما ما نقلوه من أمثال وخطب ووصايا وقصص فلم يسموه شعراً، بل كانوا يسمون هذه الفنون بأسمائها، ولا يعدون اصحابها في الشعراء. واذا كان ميخائيل نعيمة او من تأولوا كلامه يدعون ان العرب لم يعرفوا الوزن فإن ابن فارس ادعى انهم كانوا يعرفون العروض والنحو والصرف وعلوم اللغة الاخرى وانه مر بهم زمان من الانحطاط والغفلة، نسوا فيه ما كان يعلمون، ثم جاء علماء اللغة فجددوا هذه العلوم، واعادوا اليها الحياة بعد ان رثت وفنيت، وتراكم فوقها غبار النسيان، اي انهم كانوا يعرفون الاوزان بأسمائها وتفعيلاتها قبل ان يعرفها الخليل. ومحك النقد لا يذكر رأي ابن فارس ليأخذ به، بل ليرد به على الكلام السابق، وهو يدرك ان الرأيين كليهما يجانبان طبيعة الاشياء، وسنة التطور، وان الرأي السليم هو ان العرب كانوا يعرفون الأوزان بالفطرة كما كانوا يعربون الكلام بالفطرة، وانهم كانوا يرجحون الوزن على الاعراب، ولهذا ارتكب شعراؤهم ضرائر الشعر، فتلقوا جرائرهم بالغفران، وقالوا: يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره. ان منطق التطور يقضي بالتحول من الحس العفوي الى العلم العقلي، ومن الألحان المنقولة بالألسن عن طريق الاذان الى الالحان المكتوبة بالرموز على الورق، والخليل نهض بهذه التبعة، اي: حول العروض من أنغام متوارثة كأنغام الأغاني الشعبية الى علم موسيقي مدون، له مقاييسه ومصطلحاته ورموزه. لقد رسم الانسان القديم على الحجر، ونحت من الصخر التماثيل، وبعد قرون ظهر من يدرس الرسم والنحت. فالفنون الفطرية تسبق الدراسة العلمية، وهذا شأن الشعر في تحول موسيقاه من الحس الفطري الى العلم العقلي. والحق ان الخلاف لا يدور حول المضمون، وانما يدور حول الاسم فخصوم الشعر المنثور لا ينكرون على هذا النمط من القول جماله وخياله وابداعه وامتاعه، بل ينكرون عليه انتحال الاسم. لقد حفل أدبنا القديم بنثر جميل يفوق بعضه الشعر لكنه لم يتسم بغيره اسمه، ولم ينتسب الى غير ابيه، وبقي يحفظ ويروى، واحيط جيده بالاجلال، ولم يسم النقاد هذا النثر شعراً منثوراً ولا نثراً مشعوراً، بل أبقوا الأشياء في اماكنها، وفصلوا بينها بحدود لا يمكن تجاوزها. وههنا نتساءل: لماذا يلح اصحاب هذا النمط من القول على تسمية نثرهم شعراً، ولماذا لا يشتقون لما يسمونه (قصيدة النثر) اسماً من النون والثاء والراء كأن يسموها (نثيرة) ليوازنوا بها (القصيدة) او (منثورة) ليجعلوها نداً للمنظومة؟ غالب الظن ان لاصرارهم على هذه التسمية دافعين: اولهما توهمهم أن الشعر فوق النثر، وأنهم يريدون أن يساووا الشعراء، فأرادوا أن ينتحلوا أسماءهم، ويرتدوا ثيابهم، فأخذوا الأسماء والثياب، فلما خطوا بها عثروا، ولكنهم ظلوا يزعمون انهم نظموا بما نثروا. وثانيهما أنهم أرادوا أن يكسروا حاجزاً من حواجز التراث ظل يستعصي عليهم، وهذا الحاجز هو الجدار الفاصل بين الشعر والنثر، فمتى أمكنهم أن يكسروه أعملوا معاولهم في حواجز اخرى تكنف التراث، وتحوطه بالحماية. ومحك النقد لا يرى فيما يعثرون ويكسرون إلا معركة خاسرة من معارك دون كيشوت، لان الادب العربي أمنع من أن تعمل فيه رماح مصنوعة من طين أو عجين، وارفع من أن يطاوله مقرزمون يزعمون أنهم منتصرون وهم منهزمون. والدليل على ما ندعي أن العباسيين ابتكروا فن التوقيعات، ولم يشتقوا لها اسماً من الشعر، وابتكروا فن المقامة، ولم ينتحلوا لها اسماً من الشعر مع أن في التوقيعات من التخييل والايجاز، وفي المقامة من الموسيقا والتصوير والامتاع والابداع ما يفوق قصيدة النثر. والخلاصة أن الجذور التي ارادت قصيدة النثر الانتماء إليها نثرية لا شعرية، فلتبحث لها عن جذور أخرى، أو عن اسم آخر، وليختر لها اربابها ماشاؤوا من الاسماء الا هذا الاسم الملفق من نقيضين لا يمكن تزاوجهما إلا اذا تزوّج سهيل الثريا.