تسلسل الاحداث الذي أدى، مؤخراً، الى سحب خطة عملية اجتياح غزة بالحجم الذي كان مخططا له يحتوي على أسس الفضيحة الواضحة، وهذا هو الجانب الايجابي فيها: من الافضل ان تكون هناك فضيحة من ان تحدث مأساة تراجيدية. حكومة شارون حاولت تخريج مشهد مسرحي، وذهلت عندما اكتشفت ان المسدس الذي سيعلق على الجدار سيدفع الممثلين المرهقين الى تشويش المسرحية قبل المعركة الثالثة. هذه القضية تعزز من الشكوك بشأن نوعية وجودة رجاحة عقل واتزان الشخصيات المركزية الاربع في عملية صنع القرار: شارون وبن اليعازر وبيرز وموفاز. فهؤلاء لم ينجحوا في تفسير هدف العملية وانخراطها في السياق الأوسع نطاقا. كما تورطوا في سلسلة تناقضات داخلية اذ كانت العملية مبررة وضرورية لان غزة تحتوي على الارهاب الذي يغمرها حتى ضفافها وجدرانها، فلماذا ننتظر الذريعة؟. واذا كنا ننتظر حدوث عملية على شاكلة عملية ريشون لتسيون فلماذا لا ننجح من الناحية الاستخبارية في الربط بينها وبين قطاع غزة؟ وكيف من الممكن ان نتوقع توفر عنصر المفاجأة اذا كان المنفذون يسارعون الى الاختفاء بعد حدوث العملية وبعد صدور تصريحات شارون وبن اليعازر حول الرد والاجتماع للتشاور في الامر؟. السر ليس في كيفية تحقيق الجيش لاهدافه من الباب أو من النافذة، مشيا أم على ظهر مؤللة عسكرية، وانما هل ستأمر الحكومة حقا هذا الجيش بالقيام بذلك؟، هذا السر كشف في حدوث عملية والرد عليها ومن ثم استكمال الامر بشكل متأخر من خلال عملية الضفة الغربية. منطق الكفاح ضد «الارهاب» يتطلب احيانا الاستعدادات المكشوفة للعملية لان ذلك قد يدفع الطرف الآخر لتغيير مواقعه ومكانه حتى يقع في أيدي من ينتظرونه على الطريق. تطبيق هذه الأفكار مشروط بتوفر القوات واستعدادها الدائم على كافة أنواعها. الوقت هو عدو المفاجأة. وعندما تتضمن القوات الاحتياط في اطار الاستدعاء الطاريء الفزع فان هذا الوقت يكون عدو الاجماع الواسع الذي لا يوجد للحكومة صلاحية لشن عملية من دونه. كتيبة الاحتياط لم تعد طائرة أو دبابة. يتوجب الآن اقناعهم بالامتثال والتدرب والقتال. هذا الاقناع كان سهلا جدا في مارس في اطار عملية «السور الواقي» في الضفة وفي غزة ايضا لو تم دخولها في حينه ولكنه صعب في مايو «سور وبيت» في غزة. القرار الاداري بابقاء القوات النظامية حول المدن في الضفة وارسال الاحتياط الى غزة أثار حفيظة الاحتياط وغضبهم. ذكرى جنين وقتلاها ما زالت حية في أذهانهم ولا يتوجب ان نتوقع ممن يذهبون للموت ان يؤدوا التحية لمن أرسلوهم بشكل أعمى خصوصا اذا كان الموقف الرسمي من غزة مزدوج: اذا كان تركيز الارهاب فيها مسألة سيئة فلماذا أرسلوا الستة وعشرين مطلوبا من كنيسة المهد اليها؟. الامر الأكثر اثارة للاشكال هو كيفية أداء شاؤول موفاز لعمله، في قضية التحقيق في مخيم جنين تصرفت الحكومة في ظل تهديد موفاز الخاضع لامرتها أصلا بالاستقالة اذا أمروه بأن يحضر الجنود للادلاء بشهاداتهم. القضية انتهت من قبل ان يصل الامر الى محك الاختبار، الا ان موفاز لم يبدد هذا الانطباع حتى بعد ذلك. وبذلك يعطي اباحة لكل مقاتل وضابط احتياط بأن يكفر بالانضباط العسكري اذا لم ترق له الأوامر القانونية. عن «هآرتس»