حقا ما الذي يفعله اليسار في هذه الايام المعتكرة؟ انه يقدم اقتراحات حول كيفية الوصول الى وضع آخر. وهذا يعتبر بمثابة قفز الى المستقبل في وقت لا يزال فيه الناس يغوصون في الحاضر. انها مخططات تفتقد الى وسائل تنفيذها. هناك جهات يسارية تقترح الفصل من جانب واحد. واذا افترضنا بشكل ضعيف، انه يمكن تحقيق هذا الأمر، فإن تنفيذ هذه الفكرة يحتم اخلاء عدد كبير من المستوطنات ويتطلب استبدال الحكومة في الانتخابات. ومن دون تحقيق هذين الأمرين، تصبح فكرة الفصل مجرد فكرة جوفاء. هل يستطيع حزب العمل، في وضعه الحالي، اقناع غالبية الإسرائيليين بمنحه انتصارًا في الانتخابات؟ هل تملك ميرتس لوحدها، فرصة بلورة غالبية تدعم تفكيك المستوطنات؟ هناك، في اليسار، من يقترح التدخل الدولي. انا اريد ذلك أيضًا. لكن امريكا ليست مستعدة لوضع يدها داخل النار، ولن يتحرك اي شيء دونها. واذا تدخلت امريكا؟ لقد بات ارييل شارون وايفي ايتام جاهزين لمواجهة ذلك، ويقومان باعداد القوة السياسية التي ستحاول افشال كل تدخل دولي. انهما يقترحان منذ الآن، مؤتمرًا دوليًا خالي المضمون في سبيل التهرب من مؤتمر يحدد خطة تقسيم جديدة ويرسل جيشا دوليا لتطبيقها. فهل يقوم اليسار باعداد قوة مضادة، او اي تكتيك مضاد؟ اشعر احيانا ان كل اصحاب الاقتراحات من رجال اليسار، يتجاوزون عبوة التشاؤم الثقيلة التي تعشش في قلوب الكثير من الاسرائيليين خاصة من هم على استعداد للاصغاء لليسار. لقد استبدل الدم والانتقام السياسة. ويصر شارون وعرفات على حسم القضية بالقوة في ظروف لا يمكن للقوة ان تحسمها. ان ارهاب الانتحاريين واجتياح المدن الفلسطينية هي مجرد احلام بالضربة القوية التي ستدمر الجانب الاخر. لا مفر من القول: ان من يسفك الدماء بعد ان سفك الجانب الثاني الدماء، يوفر ردا فوريا، ملموسا، للمخاوف الاكثر عمقا. هل يسمح لليسار، في مثل هذه الساعات، تقديم الرد البعيد والنظري والفضفاض فقط؟ يقولون: هذه هي الديمقراطية. الحكومة تنفذ الاعمال والمعارضة تحتج وتحلم بعالم آخر، هذه الصيغة المريحة، هي التي تجعل حزب العمل يتمسك بهذه الحكومة الكارثية. لقد توقف قادتها عن الايمان بأنه يمكن للمعارضة ان تكون عملية، ولذلك فانهم يقومون بتصفية انفسهم ويتحولون الى ذنب شارون المهتز. انا لا اقترح الدلال الطفولي الذي يستهين باخلاص القيادة المتواجدة في اسرائيل ويحلم في اليقظة بقيادة تكون كلها جديدة. لكنه يتحتم على القيادة القائمة ان تفهم بأنه تولد واقعًا اخر يسحقها ويسحق انماط تنظيمها القديمة. لقد حان وقت بشائر التنظيم الجديد في صفوف اليسار، وكذلك بشائر القيادة الجديدة. ليست لدي اي افكار ساحرة لمثل هذه البشائر، ولكن لو تم استثمار نصف الطاقة التي تبذل في سبيل البحث عن حلول مستقبلية في التنظيم الحالي، لظهرت بشائر لم تظهر حتى الآن. لقد ظهرت، مؤخرا، الكثير من المجموعات اليانعة خارج الاحزاب، سيكون من السييء جدا اذا واصل ابداعهم الحذر من الاحزاب وسيكون من السييء، اذا لم تفتح الاحزاب ابوابها امامهم. كي يشكل اليسار معارضة ملموسة يتحتم عليه قول شيء بهذه الروح: يمكن لتقسيم البلاد بين الشعبين اللذين يعيشان فيها، فقط، ان يؤدي الى وقف حمام الدماء. هناك الكثير من الطرق لتقسيم البلاد، وتوجد لدينا الكثير من الافكار حول سبل تحقيق ذلك، وعندما نصل الى جسر سنقوم باجتيازه، وربما يتمكن الواقع من خلق المزج بين افكار مختلفة، ان اليأس في اسرائيل ينبع، ايضا، عن الشعور بأنه لا بديل لسياسة القوة التي ينتهجها شارون. هناك بديل، لكنه لا يقوم على الافكار فقط، وانما على التنظيم والقيادة، ايضا. نسيم كلدرون عن «يديعوت أحرونوت»