اثناء جولته الاخيرة في الشرق الاوسط والتي استمرت لعشرة ايام والتي حاول خلالها مناقشة سبل احلال السلام بالمنطقة، التقى كولن باول وزير الخارجية الامريكي، مع الرئيس اللبناني اميل لحود في بيروت في الخامس عشر من ابريل الماضي ليطلب منه العمل لكي توقف كل من سوريا ولبنان الهجمات المتصاعدة على طول الحدود مع اسرائيل والتي تشنها الذراع المسلحة لحزب الله. وتصر الحكومة اللبنانية على ان تصعيد الصراع على الحدود يعد مقاومة مشروعة لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي لمنطقة مزارع شبعا المتنازع عليها، الامر الذي بدوره يثير تساؤلات خطيرة بشأن هوية من يتحكم في دفة الامور ويديرها على حدود لبنان الجنوبية مع اسرائيل. وقد جاءت عملية الانتشار الاخيرة التي قامت بها قوات الجيش السوري في لبنان وانسحابها من بيروت وتراجعها حتى نقطة تتجاوز بلدة راشيا على الطرف الجنوبي لسهل البقاع لتترك جنوب لبنان عملياً تحت السيطرة الكاملة لحزب الله. وجاءت خطوة اعادة الانتشار، التي اشارت سوريا الى انها تأتي رغبة منها في تطبيق اتفاقية الطائف الموقعة 1989، لتلقي الضوء على تراجع القدرات العسكرية السورية خلال العقد الماضي في اعقاب سقوط راعيها على مدى سنوات طويلة، أي الاتحاد السوفييتي السابق، فالقوات المسلحة السورية تقادمت اسلحتها ونال العطب جانبا من معداتها. ويقول احد كبار الضباط في الجيش اللبناني: يقدم السوريون رسالة واضحة كل الوضوح «عن طريق عملية اعادة الانتشار تلك»، فهم يقولون انهم لن يشاركوا في اي صراع يدور على هذه الارض الآن، ومن الواضح ان لديهم من القوة ما يكفي للمحافظة على الأمن والنظام على حدودهم والى حد ما على الاراضي اللبنانية، ولكنهم لا يملكون من عناصر القوة ما يمكنهم من محاربة الاسرائيليين. على الوجه الآخر تجد سوريا نفسها مشغولة بالحفاظ على توازنها الداخلي، فالقوات التي تنتمي الى جوهر النظام قوامها الاساسي الفرقة الثالثة وهي الفرقة التي تتمركز بشكل دائم حول دمشق. أما التوأم الاساسي للقوات التي تخدم في لبنان، والتي يبلغ تعدادها تقريباَ 20 الف جندي، فهي ليست بالضرورة محسوبة على هذا الجوهر الداخلي، وهو أمر يجب الاشارة اليه، حسبما يشير المراقبون والمحللون العسكريون المتابعون لشئون الشرق الاوسط. وليس من شأن عملية اعادة الانتشار السوري في لبنان تلك ان تغير من أو تؤثر على القوة العسكرية الموجودة بالجنوب اللبناني، فلم تتم المطالبة بتفكيك قوات حزب الله بعد انهاء الاحتلال الاسرائيلي عام 2000، بل ان هناك ترحيباً بوجود تلك القوات لتكون بمثابة خط دفاع أول لكل من سوريا ولبنان. ومنذ انشائه عمل حزب الله خلال العقدين الماضيين بالمنهج عينه الذي تتبناه الجماعات المناظرة في التوجه العام، وهو المنهج المتمثل في الاندماج السياسي، حيث اصبح الحزب قوة سياسية نامية في جنوب لبنان تحظى بأعضاء منتخبين في مجلس النواب اللبناني، وتملك المستشفيات ولها شركات ناشطة في مجال الاعمار والبناء، كما ان الحزب هو آلية التحكم القائمة فعلا والمسيطرة على مخيم اللاجئين الفلسطينيين الرئيسي في لبنان وهو مخيم عين الحلوة الواقع قرب مدينة صيدا. ويقوم الحزب بتطوير نفسه بشكل متنام. ويعمل على بناء القرى المهدمة في الجنوب اللبناني، وله محطة تلفزيونية تابعة له ويمنح ابناء الجنوب المحرومين بصورة عملية من العديد من الخدمات التي تقدمها الدولة لغيرهم أول صوت منظم له في الشئون العامة اللبنانية وينظر لحزب الله في لبنان على ان له الفضل الاول في طرد الاسرائيليين من لبنان، وينظر له ايضاً سواء من المسلمين أو المسيحيين على انه يمثل عامل ردع عسكرياً قوياً يقف في وجه اي محاولة غزو اسرائيلية اخرى، قد لا يمكن صدها من قبل الحكومة اللبنانية. ويأتي الجانب الأكبر من التمويل الذي يحصل عليه حزب الله حسب اعتقاد المراقبين من ايران وهناك انشطة جمع تبرعات اخرى تصب في جهة تمويل الحزب. وبسبب تخوفه من النفوذ المتزايد لميليشيات مسلحة من دولة لاتزال تعاني من النزاعات الدينية يدعو الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان بشكل متكرر الحكومة اللبناني الى ان تعمل على توفير وجود عسكري يعتد به في الجنوب لمساعدة القوات التابعة للامم المتحدة هناك المعروفة اختصارا باسم «يونيفيل» غير ان الحكومة غير قادرة أو لا تريد ان تقوم بذلك. ويقول الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا: لايزال الموقف اللبناني واضحاً ويدور حول انه لا يوجد تغيير في الحكومة، وما لاحظناه في الايام القليلة الماضية هو نشاط اكبر في دوريات الجيش والشرطة اللبنانيين للعمل على رصد وردع ما يمكن رصده من هجمات على طول الخط الازرق. وهو الخط الحدودي مع اسرائيل بحسب الامم المتحدة، وعلى الرغم من انني متفائل على المدى المتوسط، فإنه يساورني القلق مما قد يحدث على المدى القصير. فالخط الازرق هو افضل الحلول في الوقت الحالي، وما من شيء يمكن ان يحل محله. وهناك أمر واحد قام به الجيش اللبناني، وهو اعادة رسم حدود منطقة الجنوب التي من المزمع العمل على رفع الالغام منها برعاية دولة الامارات العربية المتحدة وباشراف فرق الامم المتحدة الانسانية لرفع الالغام في حين ان المناطق التي كان من المزمع رفع الالغام عنها في الماضي تمتد بشكل مباشر نحو الخط الازرق، وتم اخذ قرار بانقاص المساحة التي يتم نزع الالغام عنها كي يتم الابقاء على قطاع ملغم متفاوت العرض على طول الحدود مع اسرائيل. بيد ان دي ميستورا انتقد بشدة الاصطدام الاخير الذي وقع بين ميليشيات حزب الله وفريق تابع لليونيفيل في منطقة مزارع شبعا المتنازع عليها، وهو الحادث الذي تصدت فيه الميليشيات لأربعة مراقبين دوليين هم فرنسي وايرلندي ونرويجيان واصابتهم اصابات بالغة. يذكر ان المراقبين كانوا يحاولون القيام بعملية توثيق للانشطة العسكرية بموجب انتداب الامم المتحدة، وقد منعوا من قبل حزب الله من الوصول الى منطقة مزارع شبعا. وفي المقابل تلقى ممثل الامين العام للامم المتحدة اعتذارات شخصية من الامين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله. يقول احد كبار الضباط في الجيش اللبناني: «ايران هي الرأس العقيدية لحزب الله، ولكن هناك تنسيقاً بشأن العمليات العسكرية يتم مع الجيش السوري، وهناك اتفاق «ضمني» يقبله حزب الله، مفاده ان الحزب لا يقوم بأي هجمات عسكرية خارج منطقة مزارع شبعا من دون موافقة الجيش اللبناني، وما يقومون به في مزارع شبعا امر يرجع لهم». وعلى خلاف القيادات العسكرية التقليدية، لا يتبع الجناح العسكري لحزب الله نمطاً نظامياً للمعركة ويتم تنظيم قواته في شكل خلايا مستقلة، ولا احد يدري شيئاً مؤكداً بشأن طبيعة الاسلحة التي يحتفظ بها الحزب وكذلك عددها، وتفيد مصادر امنية اقليمية ان الحزب لم ينجح في محاولته لشراء اسلحة مضادة للدبابات من روسيا العام الماضي، ولكن يعتقد انه حصل عليها من خلال وسيط. ويحتفظ حزب الله بقيادته ووسائل القيادة والسيطرة الخاصة به في مناطق مدنية مزدحمة لايمكن استهدافها من دون الحاق ضرر كبير بهذه المناطق، ولهذا السبب فإن اسرائيل تفضل استهداف مراكز الاتصالات والمرافق العامة في بيروت. وربما يكون توقع شن هجمات كهذه هو السبب الذي دفع الى انسحاب القوات السورية من مراكزها المدنية الاعتيادية في بيروت. وتشير احدث المؤشرات في الجنوب اللبناني الى عملية تعبئة تقوم بها قوات حزب الله، وتشك مصادر امنية اقليمية في ان قوات الحزب تساعد احمد جبريل والقيادة العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في محاولة لفتح خط مواجهة مع الاسرائيليين على حدود لبنان. كما ان حزب الله عمل على تصعيد هجماته على مراكز الجيش الاسرائيلي والمدن الواقعة شمال اسرائيل بشكل من الجلي انه يصب لصالح الفلسطينيين. بيد ان هناك دليلاً قوياً يثبت العكس ويفيد بأن حزب الله من الواقع قد اخذ على عاتقه عهداً بدعم القوى الفلسطينية من اجل تحرير القدس من قبضة الاسرائيليين. وفي الواقع فقد عرض الشيخ نصر الله تسليم ضابط احتياط في الجيش الاسرائيلي هو الكولونيل تانين باوم الذي اختطفه حزب الله في اكتوبر 2000 مقابل الانسحاب من الضفة الغربية، وقد اختطف تانين باوم الذي يتردد بأنه أحد افراد طاقم جهاز «الموساد» الاسرائيلي الذي ذهب للتحري عن انشطة لحزب الله، في لبنان في نطاق خطة اعدها حزب الله، وأغرى خلالها الكولونيل الاسرائيلي بالقدوم الى الاراضي اللبنانية حيث قبض عليه. وقد سبق ان عرض حزب الله تقديم تانين باوم في اطار تبادل للسجناء ولكن اسرائيل لم ترد على هذا العرض. وفضلاً عن ذلك ونتيجة للاتفاق غير المكتوب مع حزب الله على ان أي هجماته في مزارع شبعا تعد اعمال مقاومة فإن لدى الجيش اللبناني وايضا حكومة لبنان عذراً لتجاهل اي عنف متصاعد، وفي الواقع فإنهما لا يملكان من القوة ما يمكنهما من التصدي له، الامر الذي يعد حقيقة يعلمها حزب الله جيداً. حاتم حسين عن سو لاسكي في «جينز دفنس ويكلي»