عندما وصف المؤرخ العظيم للحياة في العصر الفيكتوري تشارلز ديكنز انجلترا في القرن التاسع عشر كانت تلك البلاد مقسمة بفعل الثروة والمكانة الاجتماعية، كانت السوق الحرة هي المسيطرة والتجارة في اوجها بفضل شبكة جديدة من المواصلات هي السكك الحديدية، واستطاعت النخبة المحدودة من الاثرياء ان تعيش حياة مترفة من كد ملايين الفقراء. والآن وبعد مضي 150 عاماً على ذلك لاتزال السوق الحرة هي المهيمنة والتجارة مزدهرة على اكتاف شبكات الاتصال الجديدة والاثرياء يعيشون في الدول المتقدمة متنعمين بهذه التقنيات الحديثة، بينما غالبية الناس في الدول النامية تنشغل بكسب العيش وهمومه التي لا تعرف الانتهاء. وفي حين قد تكون هناك رغبة لدى الكثير من الاغنياء باقتلاع التفاوت الاجتماعي، إلا ان العمل باتجاه هذا الهدف لايزال محدوداً، وعلى العموم، فإن الفقراء انفسهم هم الذين يجدون طرقاً لتحسين حياتهم، حيث يبتكرون ادوات تخفف من العبء الذي يحمله ملايين الاشخاص الفقراء في العالم على كاهلهم. وهؤلاء يقبلون التقنية الحديثة التي يقدمها العالم الغربي ولكنهم يرفضون تأثيره الثقافي ويستغلون التقنيات الحديثة لتعزيز ثقافتهم. ومن هؤلاء الرواد الفقراء بهانوار جات، وهو مزارع هندي امي من بلدة تيلونيا، استطاع بمساعدة فريق من المعماريين «الحفاة» ان يصمم ويبني الحرم الجامعي الجديد «لكلية الحفاة» باستخدام مواد واساليب تقليدية وايد عاملة محلية وبدون مخططات رسمية. وقد فاز هذا المبنى الذي يعمل كلياً بالطاقة الشمسية ويضم المئات من الهياكل لجمع مياه الامطار فاز العام الماضي بجائزة اغاخان لفن العمارة. تقع بلدة تيلونيا على طريق ترابي يبعد عن خط سكة الحديد الرئيسي الذي يربط بين دلهي وأحمد آباد الى الغرب من جايبور، وفي هذا المكان الواقع بين خط لسكك الحديد وتلة حمراء قاحلة قررت مجموعة من خريجي الجامعات من مختلف انحاء الهند في عام 1972 اقامة كلية للحفاة اطلق عليها اسم «مركز بحوث العمل الاجتماعي». كان هدفهم هو تحسين حياة الفقراء في المناطق الريفية، بينما يعيشون هم انفسهم بالحد الادنى الممكن مقتدين بذلك بالمهاتما غاندي، واليوم يتعين على زوار هذه الكلية ان ينضموا الى وجبة العشاء النباتية البسيطة وان يجلسوا القرفصاء على سجادة رقيقة في غرفة الطعام الجماعية ثم عليهم ان يغسلوا صحونهم بعد ذلك بأنفسهم، وفي الهند يمكن ان تعتبر هذه الظروف متواضعة ان لم تكن مذلة بالنسبة لاولئك الذين يأخذون سلطتهم او مؤهلاتهم الاكاديمية بجدية. ان هذه الكلية ليست كغيرها من الكليات العادية، فلا وجود للصفوف ولا لقاعات المحاضرات .ومن المستحيل تمييز المدرسين من الطلاب، بل ان كلمة «خبراء» تعتبر بغيضة في هذا المكان، ونظراً لان التدريب يعتبر عملياً بالكامل، فإنه يجري اما في ورشات عمل صغيرة او مكاتب او في الخارج. واليوم يتألف طاقم الكلية البالغ 200 مدرس مفرغ و287 يعملون بدوام جزئي من السكان المحليين. وهناك مهندسون خبراء بالطاقة الشمسية واخصائيون في علم الامراض ومدرسون ومعماريون وميكانيكيون ومحاسبون ومبرمجو كمبيوتر معظمهم لا يملك من المواصلات الاكاديمية سوى سنوات قليلة من التعليم الاساسي او الثانوية في افضل الاحوال، ولا احد منهم يتقاضى اقل من الحد الادنى الوطني للاجور والبالغ 60 روبية في اليوم او اكثر من 90 روبية في اليوم، بما في ذلك مؤسس الكلية ومديرها سانجيت روي، لكن معظم نشاطات الكلية تجري في القرى المحيطة التي يبلغ عددها قرابة المئة وتتم في اطار مدارس مسائية لرعاة الماعز ولاعضاء لجان المياه والمنظمات النسائية ولاقامة مشروعات معينة تتعلق بالتعليم والصحة وجمع مياه الامطار والطاقة الشمسية. تقوم الكلية بمساعدة الفلاحين على استصلاح اراضيهم بالطرق المناسبة واستغلال مياه الامطار والينابيع عن طريق حفر الآبار ومد شبكات الانابيب لتوصيل الماء الى المنازل والاراضي الزراعية. وفي الواقع فإن الراحة النسبية التي يتمتع بها حرم الكلية اليوم والتدفق المضطرد للزوار الاجانب يخفي التاريخ الصعب الذي مرت به الكلية، الذي يشمل حصارها من قبل ملاك الاراضي المحليين. كما انها صمدت في وجه تدقيق ظالم للحسابات من قبل حكومة الولاية كرد فعل على قيامها بكشف فضيحة فساد تتعلق بعدم دفع اجور نساء فقيرات عملن في تعبيد الطرق في الولاية، ويقول روي ان المشكلة الاكبر تتمثل في اقناع امثالنا، اي المثقفين من الهنود. لكن البعض من هؤلاء المثقفين يبدي اقتناعاً الآن بهذا النهج فهناك حوالي 24 مركزاً شبيهاً بالكلية يمارس نشاطه في 14 ولاية هندية وهكذا استطاع هذا الفريق من المثقفين بالتعاون مع القرويين المحليين ان يجد حلولاً لكثير من المشكلات التي تواجه الفقراء في العالم الثالث عن طريق اختيار التقنيات التي تلائمهم من الغرب بدون تبني القيم الغربية على علاتها، وهم بذلك يحدثون تغييراً حقيقياً، وان كانت بطيئاً وهذا امر يبعث على الامل بالمستقبل لان مسافة الالف ميل تبدأ بخطوة واحدة. ضرار عمير