استطاع عازف البيانو الشهير وليد حوراني ان يحلق بعيداً عن سرب الموسيقى النشاز الذي انتشرت فوضاه في العالم، وارسى لنفسه مكانتها انطلاقا من موهبته التي برزت في مرحلة مبكرة، فقد عزز هذا من خلال جولاته الموسيقية اللاحقة التي قام بها في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة، شرقاً وغرباً وأوروبا، والشرق الاوسط علاوة على كندا والولايات المتحدة. وليد حوراني المولود في مدينة نيويورك الامريكية عام 1948، نشأ وترعرع في بيروت حيث درس البيانو مع سونيا أهارونيان، وزفارت سركسيان، الذي كان وراء حصوله على منحة دراسية في موسكو وبعد تخرجه بتقدير امتياز من مدرسة الموسيقى المركزية تحت اشراف اوليج ايفانوف، درس في معهد موسيقى تشايكوفسكي لمدة سبع سنوات، وله العديد من المؤلفات الموسيقية الفريدة من الناحية الثقافية، كما انه حاز على العديد من الجوائز والاوسمة منها وسام الارز« من درجة فارس» من الرئيس اللبناني السابق الياس الهراوي. اثناء وجوده في ابوظبي لاحياء حفل كونشرتر بيانو بدعوة من مجموعة ابوظبي للموسيقى كان لنا معه هذا الحوار: ـ برأيك لماذا لم تلق الموسيقى الشرقية رواجاً وانتشاراً عالمياً كما هو الحال بالنسبة للموسيقى الغربية؟ ـ على الرغم من ان المقام الشرقي يعتبر من اغنى المقامات الموسيقية في العالم وله القدرة على الابداع اكثر من غيره لكن ثمة دور لوسائل الاعلام المختلفة في بلادنا بالترويج لهذا النمط الموسيقى أو المقام، فالغرب يفرض على العالم ثقافته الفنية كما يفرض اموراً اخرى كونه الاقوى، ونحن لم نتمكن من فرض ثقافتنا وتراثنا الفني حتى على ابنائنا فكيف لنا ان نفرضه على غيرنا؟ ومثال على ذلك، فأنا شخصيا لم اتلق دروسا في الموسيقى اثناء المرحلة الدراسية الاولى، كما ان كل ما يبث حولك من موسيقى ليس سوى تقليد اعمى للغرب وعديم القيمة.. ولكن يمكنني القول انني مدين بالشيء الكثير في هذا المجال الى الشعب الروسي الذي احتضنني وعلمني اكثر من عشر سنوات دون مقابل ومع ذلك فعندما أدخل بعض المعزوفات الشرقية في الحاني واقدمها للغرب فإنها تلقى استحسانا، كما ان هناك مسئولية تقع على عاتق الحكومات والمؤسسات الاعلامية في الدولة العربية التي يجب عليها ان تضطلع بدور فاعل في هذا المجال. ـ لماذا اخترت العزف «على البيانو» او بمعنى آخر لماذا توجهت الى الموسيقى «الكلاسيكية» بالذات؟ ـ من خلال ما لمسته من مستوى الانحطاط الذي وصلت اليه الموسيقى لدى الغرب، حيث لمست ذلك من الصغر، بل وصلت التفاهة الفنية الى درجة ان مختلف وسائل الاعلام اخذت تلاحقك، وكأنها تريد ان تعمل عملية غسل دماغ جماعي للقضاء على الموسيقى ذات القيمة الجمالية والتي تزرع في النشأ حب القيم والعدول الى موسيقى اخرى، لا تحمل أي بعد اخلاقي او تربوي سلوكي ان لم نقل العكس تماماً.. اي انها تدعو الى الشذوذ والجنون في احسن الاحوال.. والذين يقومون بالعزف هم مجموعات من المراهقين الذين لايجيدون ابسط القواعد العلمية للموسيقى ومع هذا فإنهم يتلقون دعما غير محدود من مؤسسات تجارية هدفها الربح فحسب دون مراعاة لادنى الحدود الاخلاقية. ـ يقال ان الموسيقى الكلاسيكية هي نخبوية بحد ذاتها ولم تستطع النزول عن عرشها الى الانسان حيث يكون؟ ـ صحيح ان بداية النشأة لهذه الموسيقى قد تم برعاية من الامراء وبلاط الملوك والاثرياء غير ان مؤلفي هذه المرحلة اي القرن السابع عشر كانوا يتناولون الفلكلور السائد وينقحونه اي عمل ذات قيمة ومعنى وليس ترفاً فحسب ومن المعروف ايضا ان آلة «البيانو» نظراَ لطبيعتها وضخامتها وغلاء ثمنها بقيت تلعب دوراً رئيسياً في هذه الصورة، حيث لا يمكن اقامة «كونشرتو بيانو» في اي مكان شأن باقي الآلات الموسيقية بل يحتاج الى قاعة او صالة كبيرة تكون مهيأة لذلك، ولا يمكن للعازف ان يحمل البيانو ويتجول به شأنه في ذلك شأن الآلات الموسيقية الاخرى، كما ان آلة البيانو الموسيقية لها خاصية فريدة لاتشاركها آي آلة موسيقية اخرى فهو يعطي اللحن او النغمة بالاضافة الى الهارموني بالوقت نفسه. ـ ما الذي يمكن ان تفعله لتغيير هذا الواقع ولتجعل هذا النوع من الموسيقى اكثر انتشاراً وليس مقتصرا على النخبة؟ ـ احاول قدر الامكان مزج التأليف الموسيقى القديم بالاسلوب الحديث مع مراعاة القواعد الفنية وعدم الاخلال بسياق وقيمة العمل الموسيقى، كما انني لا اعزف لفئة من الناس دون اخرى، واعلم علم اليقين بأن كثيرا من الناس العاديين الذين يحضرون حفلاتي اجدهم يتذوقون ما اقدمه اكثر بكثير من بعض الفئات الذين لا هم لهم سوى الاستعراض.. وربما يغرقون في النوم اثناء العزف، ويزعمون انهم جاؤا لسماح بيتهوفن او شوبان، ولهذا بالذات انا احاول دوما الخروج عن المألوف فأحاول ان احدث مزجا في الموسيقى التي اقدمها لاتخلص من هذا النمط الكلاسيكي السائد. ـ من خلال جولاتك الموسيقية حول العالم كيف يمكن لك ان تصف لنا الذوق الموسيقى العربي مقارنة مع الغرب؟ ـ في الحقيقة على الرغم مما نعانيه من عدم الاهتمام في هذا المجال من الناحية التربوية وغياب التخطيط السليم لرفع مستوى التثقيف الموسيقي في عالمنا العربي، إلا اننا افضل حالاً من غيرنا على سبيل المثال فإن عامة الشعب في امريكا يجهلون الكثير عن رموز ومؤلفات الموسيقى العالمية، وليس هذا حال رجل الشارع فحسب بل والقائمين هناك على هذه الاعمال. تجد عدداً محدوداً منهم يمتلك ثقافة موسيقية، اذكر على سبيل المثال انني في احدى المدن الامريكية شكوت الى مدير الصالة من ان البيانوا في احد «مفاتيحه» الاخيرة يوجد خلل في الصوت الناتج عن شواكيش هذه المفاتيح فقال لي بالحرف الواحد «ان مساحة مفاتيح البيانو كبيرة وواسعة فاعزف عليها واترك هذه المفاتيح المعطلة!! ـ لماذا لم نعد نسمع عن وجود كبار او عمالقة في التأليف الموسيقى عند الغرب كما هو الحال لدى الشرق؟ ـ لا اتفق وهذا الطرح فنحن بطبعنا نجنح دوماً لتضخيم الماضي وتعظيمه، فعندما نسمع لعازف حديث بلباسه وملامحه التي تنتمي لعالمنا المعاصر لا نقيم له وزنا، وسرعان ما نقارنه بالشكل التقليدي لعازفي القرن السادس والسابع عشر الميلادي، والعالم لا يقدر المبدع في مختلف العلوم إلا بعد وفاته، كما ان العازفين في الماضي كانوا من حيث العدد قلة وعلى الذي يريد الاستماع للموسيقى ان يبذل مجهوداً كي يستمع اليهم، اما اليوم فالموسيقى الصاخبة تلاحقك اينما كنت ودون ان يكلفك ذلك جهداً وعناء. ابوظبي ـ عبدالرزاق المعاني