هي المعشوقة الأولى للجمهور في تونس، يحبونها «بجنونها الفني» الرائع، ولحضورها المسرحي الممتلئ بالصدق والفطرية ورهافة الاحساس ونبله. ولأنها كما تقول : «فنانة كل الناس بدون إستثناء» المعروف عنها أنها الاستثناء الذي يخالف القاعدة في الأغنية التونسية ... فنانة ترفض السائد وتبحث عن الجديد وترنو إلى كل لحن فيه إضافة وكلمة تهز الكيان. انها أمينة فاخت التي يتفق النقاد والمتابعون للساحة الفنية أنها أحد أفضل الأصوات في الوطن العربي. جاءت إلى الفن عبر مسيرة مليئة بالآمال والآلام، صبرت كثيرا وتحملت بؤس الأيام وضراوتها... وأصبحت الطفلة الفقيرة المجهولة، نموذجا تحلم به كل الفتيات في تونس، صارت مشهورة جدا ومحبوبة جدا ... إنها أفضل صوت عرفته تونس ومن احلى الاصوات العربية، لكن كسلها وأسبابا أخرى منعاها من الشهرة عربيا. هاهي تحلم الآن بان تهب إبنتها «ملكة» حياة أخرى بعيدا عن الأحزان... وقد تكون إبنتها هي الحلم الوحيد الذي حققته في حياتها، لذلك تخصص لها الأن كل وقتها ولو على حساب فنها. إلا ان أمينة ستظل دائما مسكونة بالفن، والفنانون الكبار علينا أن ننتظر منهم دائما مفاجآتهم التي لن تنتهي. وأمينة، عودتنا على مفاجآتها الرائعة دائما.. لذا كان هذا الحوار الخاص جدا معها لأنها تعشق الصمت ولا تتكلم إلا نادرا. ـ صمت أمينة فاخت هذه الأيام ... هل يعقبه انفجار كما تعود جمهورك على ذلك؟ ـ وهل تراني بركاناً حتى أنفجر في أي لحظة بدون سابق إعلام... ـ لكن صمتك يدفعنا دائما إلى التساؤل عن السر وراء ذلك؟ ـ قيل قديما الصمت أكبر درجات الغضب. ـ أنت غاضبة إذن؟ ـ نعم، أنا في قمة الغضب والألم والحيرة أمام هذا الصمت المريب للعالم الذي يشاهد ما يعيشه الشعب الفلسطيني من تقتيل وتدمير وهو لا زال يندد ولا يحرك ساكنا. إخترت العزوف عن الغناء والصمت حيال التظاهرات الفنية لفظاعة ما أشاهده يوميا. ـ لماذا لا تغنين لفلسطين؟ ـ وهل تراني أغني للعاطفة والحب فقط؟ ـ لكن الساحة الفنية تغص بأغان حول فلسطين وإنتفاضتها؟ ـ أرفض الابتزاز والمزايدة ... فانا لن أغني لفلسطين إلا الكلمة التي تمس وتؤثر في مشاعري. أما الغناء لمجرد الغناء فهذا غير موجود في قاموسي، هكذا تربيت ولن أحيد عن هذا التوجه... أغني ما أحس به بمشاعري. ـ يعني أن ما يقدم حاليا لم يرق إلى مستوى نضال الشعب الفلسطيني؟ ـ هناك أعمال حققت النجاح وكسبت أحقية الحضور كإنتاج يعبر بصدق عن نضال أطفال فلسطين وهناك أعمال لم تتجاوز مرحلة ترصيف الكلمات. ـ كان عليك أن تتحركي؟ ـ من قال لك إنني لم أتحرك ... إنني أبحث عن الكلمة الصادقة، الكلمة الخارجة عن المألوف، الكلمة التي تدفع بالإنسان العربي نحو الأعلى ونحو الأفضل ... نحو الشموخ. ـ ألم تعثري على مثيل هذه القصائد والكلمات؟ ـ أقرأ حاليا قصائد محمود درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان وعز الدين المناصرة، كما اكتشفت قصائد شاعر فلسطيني قضى مدة طويلة في تونس قبل أن يعود إلى أرضه اسمه أحمد دحبور ... سأختار مجموعة وسأقدمها لأكبر الملحنين لتكون شاهدا على النضال الفلسطيني وشاهدا على مدى تفاعل أمينة فاخت مع هذا الصمود البطولي. أعترف أنني في حالة إحباط.. وأرجو أن أتدارك ذلك قريبا. ـ كيف ترين التظاهرات الفنية العربية المساندة للثورة الفلسطينية؟ ـ أطلب المزيد منها ... وهنا لا بد من التنويه بتظاهرة «لأجلك يا فلسطين» التي نظمتها قناة أبو ظبي الفضائية، وكنت أتمنى لو نقلتها مختلف الفضائيات العربية. ـ لماذا لم تشاركي في هذه التظاهرة؟ ـ لو تلقيت دعوة رسمية لكنت من أوائل المشاركات وقد يحدث ذلك في تظاهرة مقبلة وهذا ما أرجوه واتمناه. ـ أمينة فاخت في تونس ... كيف تعيش حياتها؟ ـ كأي إمرأة عادية ... لها إلتزاماتها العائلية تجاه زوجها وإبنتها وأقاربها ولها إلتزاماتها الفنية التي تتابعها بدقة وإنضباط. ـ برزت في المدة الأخيرة بندرة الانتاج؟ ـ وأنا أسأل ... أين الانتاج الفني الجيد ... أين الكلمة المؤثرة ... إن أمينة فاخت لا تغني أي شيء لمجرد الظهور ... إني أعشق الجديد الذي يؤثر في انا قبل تأثيره على المتلقي ... وأقول بأعلى صوتي ... هاتو إنتاجكم وقصائدكم الصادقة... وسترون... ـ هل يعني هذا أن ما يقدم إليك لا يستحق أن تغنيه؟ ـ جل ما عرض علي من أغان لا يحمل المعاني ولا يخفي في طياته سر نجاحه وعديم التأثير في نفسي لذا فأنا أرفضه ... إنني أبحث عن الكلمة التي تهز كياني وتدفع بي إلى الجنوح نحو الأعلى لأقدمها بكل احساسي إلى المتلقي في الوطن العربي. ـ عدم توفر الانتاج الجيد دفع بك إلى أداء إنتاج غيرك. أليس كذلك؟ ـ عندما أؤدي إنتاج غيري فإني أقدمه برؤيتي الخاصة، فأنا أقدم الأغنية كما أعيشها بصدق وصفاء وحب، وهذا هو الفرق بيني وبين الآخرين. ـ لماذا لم تصوري إنتاجك الغنائي بطريقة الفيديو كليب؟ ـ في البداية أقول أنني ضد ظاهرة تصوير الأغاني القديمة بطريقة الفيديو كليب... فمثل هذه الأغاني وجدت في عصر غير العصر الذي نعيشه لذا فلا مجال للتشويه بدعوى التطوير ومواكبة العصر... ثم إن الأغنية المصورة بطريقة الفيديو كليب تتطلب شرطا أساسا يتمثل في توفر عنصر الحكاية وهذا مفقود في جل الأغاني العربية المصورة. ولإيماني بان نجاح الأغنية المصورة يكمن في توفر الجانب الحكائي الذي يساعد على تجسيم المشاهد فالعبرة ليست بالإبهار والأضواء والإعتماد على الغريب من المواقف والصور التي جعلت المتلقي العربي يسمع بعينيه ... لقد فقدت الكلمة معناها وتأثيرها في جل ما تم تصويره إلى حد الآن. ـ لكن هناك من لاحظ أن الأغنية الخليجية برزت بسمتها الخاصة عند تصويرها بطريقة الفيديو كليب؟ ـ أوافق على هذا الإستنتاج ... فالأغنية الخليجية ومن ورائها الأغنية الإماراتية لها سمتها البارزة كلمة ولحنا وهذه الكلمة ساهمت بشكل كبير في بروز الأغاني المصورة في شكل جيد يستسيغه كل من يستمع إليه، ولا أدل على ذلك من أغاني المطربة «احلام» الاماراتية التي أعتز بصداقتي لها فهي مثال الفنانة العربية المؤمنة بنبل وقداسة رسالتها الفنية، وهي أيضا رمز الفنانة المناضلة والمدافعة بقوة عن مكانة الكلمة في الأغنية العربية، زد على ذلك ما تتوفر عليه من حلاوة الصوت وصفاء ونقاء الأداء وإعتزازها بالهوية العربية وهو امر مسحوب على كل المطربين والمطربات في الإمارات العربية المتحدة بصفة خاصة والأصوات الخليجية بصفة عامة. ـ عودتنا على مفاجآتك الفنية، فهل من جديد؟ ـ أؤكد لك أنه هناك في الطريق مفاجآة فنية إماراتية سأكشف عنها عندما يحين موعدها. واسمح لي أن أتوجه بأحر تحياتي وأصدق محبتي عبر«البيان» إلى جمهوري العزيز في الإمارات العربية المتحدة وكل البلدان العربية. تونس ـ كارم الشريف