عندما سافرت الى هولندا في مطلع هذا الشهر لم تكن كلمة «زلزال» في قاموسي، وبالطبع لم تكن تخطر على بالي. ومعرفتي بهولندا أنها بلد هادئ لا يحدث فيه شئ يستحق أن يكون ، «مانشيت» لصحيفة. وكنت ذاهبا للمشاركة في مهرجان سينمائي، ولا أظن أن في المهرجانات السينمائية مكانا للزلازل، سواء كانت هذه الزلازل بمعناها الحرفي أو بغيره، خاصة وأن مهرجان الفيلم العربي في روتردام هو مهرجان وليد، يبدأ عامه الثاني. ومع ذلك فعندما وصلت الى روتردام وجدت الجميع يتحدثون عن الزلزال السياسي، وربما كنت قد قرأت أو سمعت التعبير ذاته، لكني لم أصدق أن يكون هذا في بلد ساده الفتور السياسي عقودا. وتمثل الزلزال في فوز قائمة بيم فورتاون في انتخابات البلدية بنسبة كبيرة وغير متوقعة. وبيم فورتاون هو نموذج لزعامات أوروبية يمينية بدأت تتألق منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، وبعد 11 سبتمبر، وقد بدا أن المد اليساري الذي بدأ منذ الحرب العالمية الأولى قد بدأ ينحسر. وأنه قد آن الأوان لأن يكسب اليمين الشارع أيضا بعد أن كسب النفوذ والثروة. واليمين يشغل أوروبا لأن الكثيرين يعتقدون أن دعاواتهم هي بداية لأنظمة فاشية. وأوروبا لا تخاف شيئا قدر خوفها من النظام الفاشي. وتخشى أن يختل النظام الديمقراطي الذي تعتبره عقيدتها المقدسة. وأنا لست خبيرا في مجتمعات الغرب ولكنني أظن أن النظام الديمقراطي في أوروبا قادر أكثر بألف مرة من النظام الأمريكي على بناء مجتمع يعتمد على الديمقراطية، فالانتخابات في غالب الأمر تعبير عن الشارع. وهنا في هولندا. وكانت هناك انتخابات في الشهر الماضي، وكان من المتوقع أن يفوز فيها المسلمون والعرب بنسبة لا بأس بها، واستطاعت فعلا أن تحصل على هذا لكن أحلامها توقفت بسبب الزحف اليميني العارم. واليمين في أوروبا من لوبان الى فورتاون يستهدف سرا وعلنا الجاليات المسلمة الكبيرة. ولقد وصف فورتاون الاسلام بأنه يمثل ثقافة متخلفة، مما دفع الجالية الاسلامية في روتردام الى رفع قضية ضده. وفورتاون زعيم سياسي له كاريزما وسط ساسة أشبه بالموظفين، غير قادرين على قيادة الشارع. إنه رجل مهووس يصل في خلافاته الى النهاية. يستطيع تجميع الناس حتى ولو لم يكن لديه قضية حقيقية. وفورتاون ليس لديه حزب سياسي بالمعنى المفهوم، وليس لديه أيضا برنامج. إنه زوبعة تثير ضجة تصم الآذان وتستهدف أكثر ما تستهدف الأجانب. وقسم كبير من الأجانب في هولندا هم المسلمون وجزء كبير من المسلمين هم العرب. وكانت انتخابات البلدية في 6 مارس الماضي، وإذ بهذا الزلزال، وإن كانت مجرد الزلزال الأول. فقد نالت قائمة فورتاون المسماة باسم حزب هولندا ملائمة للعيش 333 مقعدا بعد أن كانت مقاعدها في عام 1998 لا تزيد عن 82 مقعدا أي بزيادة 251 مقعدا وهي زيادة كبيرة في بلد تحدث فيه الأمور بهدوء شديد. وكان هذا النجاح على حساب الكثيرين وفي بدايتهم حزب العمل الحاكم الذي فقد 231 مقعدا. وهو الحزب الذي يحتضن الأجانب ويعتقد أنهم مصدر قوة لهولندا لأنهم قوة عاملة، ولأنهم يمثلون ثقافات أخرى ثرية. وحتى مهرجان روتردام للفيلم العربي مدعوم من بلديات روتردام رغم أنه لا يعرض فيه فيلم هولندي واحد. وهناك أيضا أيام ثقافية عربية تساهم فيها الدولة الهولندية وكذلك مهرجان للمسرح العربي، وملتقى للشعراء. فضلا عن مؤسسات هامة مثل جامعة ليدن التي تحتضن الدراسات الاسلامية من قرون طويلة. فأوروبا تحتفي بالثقافات الأجنبية وبينها الثقافة الاسلامية. ولا يستطيع اليمينيون أن يقولوا غير هذا. لكنهم يقولون أن المسلمين لا يندمجون في التجمع الأوروبي، معظمهم أتى ليعمل ثم يعود الى بلاده، وأثناء بقائه يرفض الاندماج في المجتمع الأوروبي. سمعت أحد قادة اليمين يقول في التلفزيون أن المغربي - وربما كان يقصد المسلم - يأتي ليعمل في هولندا، ويعيش عدة سنوات يعود بعدها الى بلاده لينتقي زوجة له، وغالبا ما تكون من الريف أو من الجبال. ومعنى هذا أنه يختار بناء على عقلية قومية أو دينية، أي أنه لم يندمج في المجتمع، فلو كان فعل لاختار هولندية مثلا. ولما قالت الفتاة الفلسطينية التي كانت تناقشه أن الاختيار محدود حتى في هولندا إذ لابد لامراء البيت المالك من أخذ موافقة كل أفراد البيت، قال لها ساخرا: ومن قال لك أنني أوافق على أن يستشير الأمير 225 فردا في صلاحية عروسه! عندما وصلت الى هولندا لم يكن للعرب من حديث إلا والقلق الشديد لفوز اليمين. وكانوا يستعدون في هلع لانتخابات 15 مايو، فلقد هددهم فورتاون بقلع جذورهم من هولندا وأصبح العداء صريحا. فلقد أصبح فورتاون هو العدو رقم واحد في هولندا، ولذلك ندرك ما حدث بعد ذلك وما يمكن تسميته بالزلزال الثاني. فلقد جاءنا الخبر ونحن في المهرجان باغتيال بيم فورتاون وأن قاتله مجهول! مجهول؟ كيف والعرب والمسلمون ناصبوه العداء وأعلنوا أنهم لن يهدأوا حتى يخلصوا منه. وفجأة أعلن قائد الشرطة أن قاتل بيم فورتاون ليس مسلما ولا عربيا. فكان الخبر الذي أثلج صدور الجميع، وهدأ من القلق العنيف الى حد أن بعض العرب هموا بأن يحملوا باقات الورد ليضعوها على قبر فورتاون وإن عارض البعض بشدة، لا شماتة في الموت ولكن لن يصل الأمر أبدا الى أن نبكي على رجل كان يريد القضاء علينا كما بكى بعضنا على اسحق رابين ذات يوم! وبكت هولندا على فورتاون كما لم تبك على أحد من قبل الأمر الذي أصاب العرب بالخوف، إذ يتوجس الكثيرون من نتائج انتخابات 15 مايو، فالشارع يبدو أنه انحاز الى القتيل. عشت أيام القلق مع العرب، وعشت معهم أيام المهرجان. وانتهيت الى مدينة «لاهاي» جالسا في بهو فندق أنديس أجول ببصري في المكان أتذكر ماتا هاري أشهر جاسوسة في تاريخ العالم. حدث فريد في تاريخ هذه البلاد، لا علاقة له بما يحدث الآن. لكنني أميل الى التاريخ، فماذا أفعل؟!