بيان 2: رغم الحروب والحصار شهدت الجراحة في العراق تطورات كبيرة في السنوات الأخيرة بفعل تراكم الخبرة في هذا المجال، اضافة الى تطور العلوم الطبية التي أصبح لها دور فاعل ومؤثر في اجراء العمليات، نجمت عنه نتائج موفقة حسمت الكثير من المشاكل والمعوقات التي كانت تواجه الطب،، ووفرت للمرضى فرصاً واسعة للعودة الى ممارسة نشاطهم الانساني كما كانوا في السابق. وتعد الجراحة التنظيرية فتحاً جديداً في عالم الطب، أفاد منها الاطباء والجراحون والمرضى على السواء، ذلك ان الثقافة الحديثة المستخدمة في هذا النوع من الجراحة جعلت الشفاء في متناول المريض، اضافة الى الفائدة النفسية للمريض الذي تجرى له العملية بهذا الأسلوب المتطور، واختصار وقت الجراحة وعدم شعوره بالألم بعد استيقاظه من «المخدر»، واستعادته صحته كاملة بعد ساعات معدودة من اجراء العملية، حيث يعود الى بيته من دون الاستعانة بأحد مرافقيه.. وهناك فوائد كثيرة اخرى يمكن تحقيقها من خلال هذا الأسلوب الجراحي. ـ قبل الحديث عن مشاريعك بشأن هذا النوع من الجراحة.. نود ان نسأل عن طبيعة هذه العمليات وما الفارق بينها وبين العمليات التقليدية؟ ـ تعتمد هذه الجراحة على ادخال المنظار في جوف المريض، حيث يقوم بنقل صورة كاملة على الشاشة. ويقوم الطبيب المختص بعمله وعيناه معلقتان بتلك الشاشة. هذا العمل يتطلب مهارة وخبرة ودقة متناهية، لأن أي خطأ يرتكبه الطبيب المعالج يمكن ان يودي بحياة المريض. وقد حصلت مثل هذه الحالات لدى أطباء متخصصين فأعطت نتائج معكوسة. ـ دعانا الدكتور عبدالسلام الى دخول صالة العمليات لمشاهدة واحدة من العمليات التشخيصية التي تجرى بالمنظار، وقد استغرقت حوالي 15 دقيقة، كنا شهود عيان عليها. عند دخولنا، وجدنا المريضة ممددة على سرير العمليات، وقد اكتملت اجراءات التخدير.. وقريباً من الرأس كان هناك حامل من عدة رفوف وضع على أحدها تلفاز وتحته جهاز فيديو لتصوير العملية، فيما لو أريد ذلك، وهناك جهاز آخر ناقل للصورة الى شاشة التلفاز، اضافة الى جهاز يرتبط به المنظار، وهو عبارة عن أنبوب اسطواني قطره 1 سم، غلافه مصنوع من معدن فضي ويحتوي في داخله على عدسات، فضلا عن ضوء ساطع يصدر منه، وفيه اجهزة أخرى (مسبار، آلات قطع دقيقة، قطع شاش وقطن.. وغير ذلك من لوازم الجراحة). ويوجد أيضا جهاز نفخ الغاية منه نفخ جوف المريض لكي يسهل تحريك المنظار بين الأحشاء. في البداية، استخدم جهاز النفخ، وبحدود معلومة وقياس مدروس، يدركه الطبيب، وكنا نشاهد مراقبته لذلك، ونسمع ضرباته على بطن المريض ليعرف مدى ما وصل اليه انتفاخ الجوف. وقد تمت هذه الرحلة من خلال انبوب نافخ لا يتجاوز قطره نصف سنتيمتر. الرحلة التالية، هي فتح ثقب لادخال المنظار، قطره بنفس قطر المنظار، تتم خياطته بعد الانتهاء من العمل، ولا يتطلب ذلك سوى خيط واحد أو إبرة واحدة ولا يسبب أي متاعب للمريض، إذ سرعان ما يلتئم. أحشاء نابضة ما ان ادخل المنظار في أحشاء المريض حتى ظهرت على الشاشة التلفازية بصورة واضحة جميع الاحشاء بصورة مكبرة 15 مرة.. الكبد والمرارة والحجاب الحاجز والمشيمة. وظهرت مناطق مصطبغة باللون الأحمر والوردي وأخرى باللون الابيض، حتى يكاد المرء أن يتحسسها. ولكن الدكتور الطائي لم يبد عليه أي انفعال سوى اهتمامه بالمراقبة والتفحص الدقيق. وغرس في جوف مريضته المسبار وراح يقلب الاحشاء باحثاً في كل شيء من أغشية وأوعية دموية وما الى ذلك. ولما لم يجد شيئا سحب المسبار وأعطى الاشارة لمساعده بسحب المنظار أيضا. فقد تأكد لديه عدم وجود أي ورم في أحشاء المريضة بعد ان كانت احدى المستشفيات قد نصحتها باجراء عملية جراحية لاستئصال ورم، وكانت النتيجة مفرحة للمريضة وذويها. ـ في العراق.. كيف تم استقبال هذا الانجاز الطبي؟ ـ على الرغم من توفر الاجهزة والآلات بشكل لا بأس به، إلا ان الملاكات غير مهيأة بعد لاستخدامها على النحو المطلوب. وهناك ما يقرب من خمسة أطباء يجرون عملياتهم بالمنظار، إلا ان النتائج التي حصلوا عليها غير مرضية، مما دفع وزارة الصحة الى نزع ثقتها بالجراحة المجهرية وأخذت تهتم بالجراحة التقليدية، بل انها أهملت الجهود الناشطة لتطوير مثل هذا النوع من الجراحة في العراق، وذهبت جهودي وجهود الآخرين أدراج الرياح لاقناع المسئولين في الوزارة باعتماد هذه الطريقة في معالجة المرضى. ـ وما العمل؟ ـ لم أيأس ومازلت ناشطاً لاقناع المسئولين بانشاء مركز بحثي تخصصي في الجراحة المجهرية أو التنظيرية، فمثل هذه المراكز منتشرة في الدول المتقدمة وتعمل الدول المعنية هناك على تطوير هذه المراكز ومد يد العون والمساعدة لتغطية جميع مستلزماتها، فالمستقبل ـ بلاشك ـ لهذا النوع من الجراحة. ـ ما وظيفة هذا المركز المقترح؟ ـ انه مركز تدريبي بحثي ينهض بالجراحة من خلال تدريب الملاكات الطبية وتزويدها بالخبرة العملية والنظرية لتصبح قادرة على اجراء الجراحة بالمنظار، والخروج بنتائج ناجحة 100% وذلك ان الجراحة على بساطتها تحتاج الى خبرة متراكمة، عملية ونظرية، كما تحتاج الى دقة متناهية ومهارة لا يمكن الوصول اليها إلا بالتحديث المتواصل والدرس والبحث والملاحظة العملية.. وتستغرق الدراسة والعمل 4 سنوات. وقد أبديت استعدادي لفتح مثل هذا المركز التخصصي والاشراف عليه وتدريب الملاكات الطبية وتزويدها بالخبرة. رتق الحجاب الحاجز ـ نعود الى الجراحة التنظيرية.. ما هي الأمراض التي تعالجها والعمليات التي تجرى بواسطتها؟ ـ ليس كل العمليات تجرى بالمنظار، فقط تلك الأجزاء العاطبة والتي يمكن رقعها أو كشطها بالآلة الكاشطة كالمرارة والأورام الصغيرة والزائدة الدودية، كما يمكن رتق الحاجب الحاجز من خلالها، وكذلك الفتوق المغينية ورفع الرحم وأكياس المبيض والكبد وعقد الأنابيب .. وبعض هذه الجراحات في غاية الصعوبة والدقة وتتطلب مهارة وتخصصاً مثل رتق الحجاب الحاجز، فلا يستطيع القيام برتقه إلا من امتلك الخبرة والدراية والتجربة والمهارة الكاملة. ـ هل أجريت مثل هذه الجراحة (رتق الحجاب الحاجز)؟ ـ نعم، عملت منها الكثير وقد تكللت جميعها بالنجاح، علماً ان هناك أطباء متخصصين في أمريكا لم يوفقوا في اجراء مثل هذه الجراحة، إلا ان المتخصصين في لندن قادرون على اجرائها بنجاح، ذلك ان الجراحة التنظيرية في بريطانيا متقدمة جداً، وهناك بحوث ودراسات متواصلة في هذا الحقل الطبي. وأشير الى انني أول من أجرى عمليات رتق الحجاب الحاجز بالمنظار في الوطن العربي. ثقافة متطورة ـ ماذا عن الجانب التثقيفي في مجال الجراحة التنظيرية؟ ـ كما هو معلوم ان في الغرب منشآت صناعية متطورة وتمتلك تكنولوجيا عالية وبامكان تلك المنشآت ان توفر الأجهزة المطلوبة والآلات الجراحية الدقيقة التي تحتاجها الجراحة التنظيرية، والخبرات الموظفة في تلك المنشآت مواكبة للتطورات الطبية الحاصلة هناك، ولذلك فإن كل ما تحتاجه صالة العمليات يمكن ان توفرها الملاكات الصناعية.. بمعنى آخر، ليست لديهم مشكلة في توفير الاجهزة، في حين ان العراق مستورد لتلك الاجهزة. ومع ذلك فقد تطورت لدينا خبرات هندسية قادرة على اصلاح الأعطاب الحاصلة في الأجهزة، ولو يتم الاهتمام بهذا الجانب لأمكن القول اننا وضعنا أقدامنا على أول الطريق، لاسيما وان في العراق مهارات هندسية وقابليات قادرة على التصنيع والابتكار. ـ لكن هنا في العراق توجد كلية للثقافة الطبية وتوجد أيضاً معاهد بهذا الخصوص؟ ـ هذه المؤسسات الجامعية تعمل على تدريب ملاكات عاملة على الأجهزة الطبية. وإذا ما توفرت فيها أقسام متخصصة بهذه الآلة الطبية، فإنها تستطيع ان تفعل شيئاً.. هذه الأقسام مازالت في بدايتها، وتحتاج الى دعم ورعاية كبيرين لكي تنهض بهذه الصناعة. ولا أدري إن كانت المواد الأولية لهذه الصناعة متوفرة في العراق أم انها تستورد. وفي كلتا الحالتين يتطلب الأمر تكنولوجيا متطورة ومنشآت متخصصة في صناعة المكننة الطبية، فضلا عن ان الكوادر والملاكات التي تحتاجها تلك المنشآت. وأتمنى ان يتم الاهتمام بهذا الجانب، فإنه فاعل وحيوي ومؤثر، فضلاً عن انه صورة حضارية للبلد، غير ان الواقع الذي نعمل فيه مازال بعيداً عن طموحاتنا في هذا الجانب، ونعتمد على الانجاز الصناعي للغرب في مجمل أعمالنا الطبية. وآمل ان يتغير الحال في المستقبل. بغداد ـ محمد الشمري