بيان 2:إذا كان هناك احد يعرف مدى خطورة العالم، فهو برنارد لويس، فهذا الرجل ولد في لندن خلال الحرب العالمية الاولى وخدم في الاستخبارات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، وكان يضع اللمسات الاخيرة على كتاب اكاديمي مثير عن تاريخ الشرق الاوسط، عندما هوجمت امريكا الخريف الماضي وفي حين انه صدم بالطيارين الانتحاريين اليابانيين المعروفين باسم الكاميكازي لكنه كان من بين القلة الذين لم يدهشوا تماماً بما حدث. لويس يفهم موضع الخطأ في الشرق الاوسط ليس فقط في العقد الماضي، او نصف القرن المنصرم، بل على مدار التاريخ، مع انه ناهز الخامسة والثمانين، لكنه لا يزال يجد اذاناً صاغية من قبل كبار مستشاري السياسات الخارجية في البيت الابيض، ويحضر المؤتمرات الى جانب رؤساء الدول ويكتب مقالات لمطبوعات مثل «وول ستريت جورنال» و«نيويوركر». يستقبلني لويس بحفاوة في بيته ويقدم لي الشاي والبسكويت قبل ان نبدأ حوارنا. يقيم لويس في الولايات المتحدة منذ ربع قرن، لكن بيته المؤلف من طابق واحد في برنستون بولاية نيوجرسي بعيد كل البعد عن الاجواء الامريكية. فالسجاجيد الايرانية والمخطوطات العربية القديمة التي تعود لسلاطين عهود خلت تبوح بافتتانه بالشرق. وعن قصة شغفه بالشرق يقول لويس: «بدأت هذه القصة عندما اصبحت مكلفاً بواجبات وتعاليم الديانة اليهودية في سن الثالثة عشرة، حيث وجدت نفسي فجأة مطالباً بقراءة نص شرق اوسطي صعب في مخطوطة غريبة»، ومضى لويس في العبرية ليتعلم الآرامية والعربية ويدرس التاريخ في كلية الدراسات الشرقية. في تلك الايام، كان بوسع المرء ان يصبح خبيراً بشئون بلدان اجنبية من دون ان يغادر بريطانيا.. لقد انغمس لويس طيلة سنوات في دراسة تاريخ الشرق الاوسط قبل أن يقدم له استاذه منحة للسفر الى هناك ويسترجع لويس احساسه قبل ذلك الحدث السار قائلا: «كانت سنوات كئيبة، شعرت بأن صعودي الى القمر اسهل من سفري الى الشرق الاوسط». وكان لقاؤه الأول بالشرق بمثابة الهام كشف له الأسرار. ويقتطف لويس من المؤرخ ادوارد لين قوله: «شعرت كأنني عريس يكشف النقاب لأول مرة عن محيا عروسه». لايزال الشغف بالشرق حاضرا بنفس لويس، ومع ذلك فهذا اليهودي العلماني الذي غاص في أعماق الثقافة الاسلامية يتحول الى صقر، عندما يتعلق الأمر بالصراع الحالي. لويس مقتنع بأن هناك «محور شر» كما سماه الرئيس جورج بوش وبأن العراق وايران لن يتورعا عن استخدام الأسلحة البيولوجية والكيماوية والنووية التي يطورانها، ويعتقد ان الرئيس العراقي يشكل تهديداً «خطيراً جداً». كما انه يراقب بشيء من القلق كيف تغوص امريكا في مستنقع الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي. ومع انه يعتقد بأن من حق الفلسطينيين ان تكون لهم دولتهم المستقلة، إلا انه يخشى من ان تذبذب البيت الأبيض يتم تأويله في العالم الاسلامي كمؤشر جديد على الضعف بعد هزيمة طالبان. ويقول لويس: «عندما تسافر الى البلدان العربية تسمع الطروحات ذاتها تتكرر، الامريكيون ضعفاء، لقد خرجوا من فيتنام والصومال، ونحن سنهزمهم أيضاً، ومن الخطورة بمكان أن نبدو ضعفاء وخائفين في أعين الآخرين». في عام 1979 كان لويس حاضرا في حفل عشاء مميز مع المؤرخ بول كنيدي دار فيه النقاش حول الاطاحة بشاه ايران. وكان لويس وحيداً في المجادلة بأن النظام الجديد في طهران لن يفضي الى «تحسن الأوضاع الاجتماعية وايجاد جو من الديمقراطية». ويجادل لويس بأنه على الغرب ان ينتبه الى ما يقوله ويفكر به العرب. ومع انه لا يعتقد ان اليهود سيرمون في البحر، فإنه لا يقلل من أهمية مشاعر الكراهية لأمريكا واسرائيل والغرب التي أستثيرت في الشرق. وهو ينظر بازدراء لأولئك الذين يعتقدون انه بالامكان تفسير العالم الاسلامي الى حد ما بمحطات اليمين واليسار التقليدية. وتجاهل التهديد الذي تشكله النزعة الكفاحية. وفي كتابه «موضع الخطأ: التأثير الغربي والاستجابة الشرق أوسطية» الصادر عن دار نشر جامعة اكسفورد يشير لويس الى ان قلب العالم الاسلامي تاريخياً لم يظهر اهتماماً يذكر بالغرب ولم يعبأ بفهمه. في القرن السادس عشر أدت العداوة الاسلامية لاسبانيا الى اضطراب وجيز في النشاطات الدبلوماسية بين انجلترا وتركيا وكتب سلطان تركيا الى الملكة اليزابيث الاولى بأنه يتوقع منها ان تكون «موالية وثابتة على طريق الخضوع والطاعة وان تظهر الولاء والتبعية للعرش العثماني». وترجم هذا الكلام في الايطالية التي كانت لغة التواصل ايامها بعبارة «سنسيرا اميشيزيا» اي «صداقة حقيقية» ويقول لويس ان تحريف الترجمة الدبلوماسية بقي هو المعيار. وفي حين الفضول حول الارض المقدسة جذب الحجاج الغربيين الى الشرق لم تكن هناك حركة مماثلة في الاتجاه الآخر ولم يستيقظ العالم الاسلامي على حقيقة ان الغرب يتقدم عليه بالقوة والتقنية والثروة الا في عام 1798، عندما قام نابليون بونابرت، الذي كان مجرد جنرال في حملة عسكرية خارجية بغزو مصر واحتلالها وحكمها. والاسوأ من ذلك ان الاسطول البريطاني بقيادة هوراشيونلسون طرد الفرنسيين من مصر ويقول لويس: «كان ذلك درساً واضحاً اذ لم يقتصر الأمر على ان قوة اوروبية استطاعت ان تحتل البلد وتتصرف به كما تشاء، بل ايضاً انه لم يكن بالامكان اخراج الفرنسيين الا بقوة اوروبية اخرى» كانت الصدمة كبيرة حتى ان العالم العربي، حتى اليوم، ينزع الى القاء اللوم على الامبريالية في محنه وعثراته واذ يسأل العرب انفسهم كما يقول لويس: «من فعل بنا هذا؟» بدلاً من ان يسألوا: «ما هي اخطاؤنا؟». واليوم تشكل امريكا، الشيطان الاكبر، مصدراً رئيسياً للغيظ والاستياء في الشرق، ويشير لويس الى انه «عندما تشكو الناس من الامبريالية الامريكية فإن شكواهم الحقيقية هي ان امريكا لا تنهض بأعباء مسئولياتها وانها تطبق معايير مزدوجة وتبتعد عن الانصاف وهذه كلها اتهامات ذات معنى في مخاطبة دولة متسلطة تفرض سلطانها على الشئون الخارجية للدول التابعة». ولا يعتقد لويس ان الاسلام يعد مسئولاً عن تدهور الشرق الاوسط اذ يقول: «اذا كان الاسلام عقبة في طريق الحرية، والعلم والتطور الاقتصادي، اذن كيف كان العالم الاسلامي في الماضي رائداً في هذه المجالات الثلاثة؟». ويعتقد لويس ان الناس في بريطانيا وبقية اوروبا يخطئون في قراءة الوضع في الشرق الاوسط. فإذا كان الامريكيون يتسمون بالسذاجة احياناً في فهمهم للصراع الاسرائيلي ـ العربي على انه صراع بين الحضارة والبربرية، فإن الاوروبيين، باعتقاده، يظهرون احياناً بلادة خطرة. ويقول لويس: «ربما اكون صقراً. لكن الاوروبيين نعامات. فلنكن صريحين، الشعور الاساسي في اوروبا هو الشعور بالحسد والخوف من التفوق الامريكي. لذلك هناك تعاطف اوروبي مع المشاعر العربية. وما لا يفهمه الاوروبيون هو ان هذه هي رؤية العالم الاسلامي للحضارة الغربية عامة». انتهى حوارنا، وادركت وانا اهم بتوديع لويس ان وداعته النبيلة خادعة. فوراء العينين الوامضتين واكواب الشاي، وحسن الضيافة، تحول هذا الاكاديمي البريطاني الى ابن اصلي لارض اخرى ـ ليست الشرق الاوسط ميدان منحته الدراسية ـ بل امريكا. ومع ذلك، فإذا كان مصيباً فإن العالم الان يقف على مفترق طرق مروّع، اذ يقول لويس في موضع من كتاباته: «اذا بقيت الشعوب في الشرق الاوسط على مسارها الحالي، فإن المهاجم الانتحاري ربما يصبح صورة مجازية عن المنطقة كلها، ولن يكون هناك مهرب من دوامة الكراهية والضغينة والضغط والرثاء للذات والفقر والقمع، والتي ستتوج عاجلاً ام آجلاً ببزوغ هيمنة اجنبية أخرى على المنطقة». ترجمة: علي محمد عن سارة باكستر في «صنداي تايمز»