بيان 2: محمد صبحى أحد نجوم الكوميديا الكبار الذين يستطيعون انتزاع الدمعة من عين الجمهور فى لحظة سعادته الكبرى.. تفرحه وتؤلمه الضحكات فى الوقت نفسه. اتخذ من الفن البناء هدفاً له وبرع فى تقديم صورة المواطن العادى والأب العصرى، وأعاد تراث المسرح.. وتحولت عروضه الى منشور إجتماعى يحرض الانسان على نفسه ويجعله يعيد النظر فيما حوله. ليس ممثلا بارعاً فقط، ولكنه ايضا صاحب فكر خاص جداً. فهو يشارك فى كتابة أعماله ويرتدى قناع التاريخ ليكون فارسا يملك جواده كما عهدناه. حول آخر أعماله ورؤاه المسرحية الجريئة وموقفه من سينما اليوم كان هذا الحوار: عرف محمد صبحى نفسه لنا فى البداية على أنه فنان يسعى دائما لتقديم عمل هادف سواء كان على خشبة المسرح أو على الشاشة وفى سبيل تحقيق هذا الهدف لا يمكن الانخراط فى أى عمل يكون غير راض عنه، ويقول: أنا لا أعتبر نفسى فنانا فقط، بل مريباً هذا هو الهدف الحقيقى للفن الأصيل. والأعمال التى تقوم على هذا الأساس هى التى تبقى لأنها تحمل معانى وقيما أسمى من ان تزول. ـ كانت السمة المميزة لأعمالك الأخيرة طرح قضايا معاصرة من واقع المجتمع والأسرة..فلماذا تلجأ الآن للتاريخ؟. ـ ولماذا لا ألجأ اليه..فهو يحمل لنا العديد من المواقف والحكايات التى تدور فى إطار إجتماعى يمكن طرحه من خلال عشرات الأعمال، ولكن بعملى الجديد «فارس بلا جواد» أحاول تقديم التاريخ بأسلوب مخالف لما عهده ومله الجمهور على الشاشة مستغلا الإمكانيات الحديثة وتكنولوجيا المعالجة. وحلم «فارس بلا جواد» يطاردنى منذ ثمانية عشر عاما، عندما عثرت على المذكرات الشخصية لبطل شعبى كتبها بخط يده.. وظلت هذه الفكرة تراودنى منذ ذلك الوقت الى ان استطعت البدء فى تنفيذها. ـ وهل تستطيع تقديم التاريخ فى قالب كوميدى؟ ـ خدعونا فقالوا ان التاريخ «ثقيل الظل» وعلى العكس فالمحك الرئيسى هو كيف تنظر للعمل؟ المسألة وهذا ما اجهدنى فى فترة الإعداد الطويلة التى استمرت حوالى ثمانى سنوات وحاولت فيها تقديم هذا العمل الوطنى بشكل كوميدى. وأعتقد ان «فارس بلا جواد» اول مسلسل فى الشرق الأوسط يتعرض لكيفية بداية الفكر الصهيوني، حيث يتناول الفترة التاريخية من 1855 حتى 1917 أى منذ تولى الخديوي سعيد حكم مصر وحتى وعد بلفور الذى وضع حجر الأساس لدولة اسرائيل. وأعتبر هذا العمل وجبة ثقافية سياسية كبيرة للشباب الذى أهمل القراءة..فهو يشرح لهم الفكر الصهيونى ومعاداته للجنس البشرى بشكل عام، ويوضح لهم طبيعة الصراع الحالى. فالشعب الفلسطينى فعلا «فارس بلا جواد» حيث يواجه عدوا متطوراً بأبسط الاسلحة فى يديه.. والحقيقة أننى أرصد الواقع من خلال شخصية س حافظ س الذى عايش أكثر من فترة تاريخية ومواقفه أثناء هذه الفترة من خلال تنكره فى 14 شخصية مختلفة ـ وماهى أهم ملامح هذه الشخصيات التى تقدمها فى مسلسل «فارس بلا جواد» ؟ ـ بطل المسلسل شخصية لم تتطرق لها كتب التاريخ. فحافظ مواطن عادى جداً عاش فى إحدى الحارات المصرية وعاصر الخلافة العثمانية ومن بعدها الاحتلال البريطانى وعرف الفكر الصهيونى وحقيقة أهدافه المسمومة. من هنا بدأ يخاف على فلسطين قبل استيلاء اليهود عليها. أما باقى الشخصيات الأخرى التى أقوم بها فتعتمد على تقنية حديثة جدا،خاصة بالتنكر، حيث يحاول حافظ - بطل العمل - التنكر للهروب من الكولونيل الانجليزى الذى يطارده بشراسه بسبب مقاومته للإحتلال. واستعنت بشركة أمريكية متخصصة فى صناعة الأقنعة وهى الشركة نفسها التى انتجت أقنعة فيلم «ماسك» لجيم كارى. واستضفت خمسة عشر خبيرا فى التنكر لمساعدتنا فى إعداد وكيفية إرتداء هذه الأقنعة حتى أن المشاهد فى بعض الأحيان لن يصدق أن من يراه هو محمد صبحى. ـ فى ظل الصعوبات والمفاوضات التى دخلت فيها من أجل انتاج هذا العمل الضخم هل ترى نفسك فارساً بلا جواد؟ ـ أنا لا استطيع ان اقول عن نفسى فارساً وكالعادة ذهبت للتليفزيون المصرى أولا لانتاج هذا العمل ولكن بعد مفاوضات طويلة فشلت معه. وإتفقت مع الجهة المنتجة حاليا - قناة دريم - ولكن بعد الاتفاق اتصل بى وزير الاعلام واستنكر موقف التليفزيون منى وعرض على ان يكون انتاج مشترك وكان ذلك صعبا لكن لأنى أهدى هذا العمل للجمهور المصرى فإن نسختى المجانية قد إشترطت على الجهة المنتجة ان تكون هدية منى للتليفزيون المصرى. ـ ألا تشعر أنك تسبح ضد التيار؟. ـ أنا أستمتع جدا بالسباحة ضد التيار، ولا اترك نفسى ابدا لأحد، خاصة الذين تتلخص مهمتهم فى إحباط الآخرين. وعندما أدخل فى عملى أعزل نفسى تماما عن العالم وعن أى مشكلة وأعيش العمل وأجعله مسيطرا على تفكيرى. ـ لماذا تصر على تقديم عمل واحد فى العام؟ ـ لا استطيع ان اكون مثل قطعة القماش «المهلهلة..» فكيف اقدم اكثر من عمل فى العام.. أنا فنان أعمل بدمى ولا يهمنى الكم قدر إهتمامى بالكيف، فها هى بعض الاسر المصرية والعربية تلتف اليوم حول مسلسل «ونيس» وتعلو ضحكاتها ويغير الكثير من الآباء والأمهات أسلوب تعاملهم مع أبنائهم. ـ بمناسبة « يوميات ونيس » هل تم إسدال الستار عليها أم ان هناك جزءاً جديداً؟ ـ لا مانع عندى من استغلال نجاح هذا العمل وتقديم جزء جديد، لكن ذلك لن يحدث الا اذا اختمرت فى ذهنى فكرة جديدة وغير مكررة لتعود بـ «ونيس» الى الشاشة. ـ هل كان نجاح المطربة والممثلة سيمون معك فى المسرح سبباً لاختيارها لمشاركتك البطولة التلفزيونية؟. ـ سيمون فنانة مسرحية من الطراز الأول، فهى تجيد التمثيل والاستعراض والغناء أيضا وأعتبر (فارس بلا جواد) فرصة حقيقية لها حيث تستطيع من خلاله ان تقدم نفسها بشكل جيد للجمهور أمام الكاميرا، فهى حساسة وبارعة ولا أنكر ان نجاحنا سوياً فى المسرح كان سبباً لهذا التعاون كما أن هناك بعض الشخصيات التى أرتبط بها وأجد نفسى اختارها فى أعمال اخرى مثل جميل راتب الذى قدمت معه سنبل فى الجزأين وونيس ايضا. ـ أثير الكثير من ردود الأفعال من خلال تقديمك لأكثر من عمل مسرحى من التراث فهل ننتظر تكرار التجربة؟ ـ إعادة التراث ومهرجان المسرح للجميع كانا تجربة ناجحة بكل المقاييس، حيث استطعت ان أعيد جمهور المسرح إليه وسأقدم فى المهرجان القادم ست مسرحيات فى الاسبوع بدلا من ثلاثة، وليشجعنى المحبون وليقف اللائمون بعيدا، لأنى لن أكترث بهم وسأعرض المسرحيات على مسرح قصر النيل بالقاهرة وأقدم مفاجآت كبرى للجمهور فى مقدمتها مسرحية «بحبك يا وطنى» التى أقوم بتأليفها. ـ ولماذا قررت ان يكون عرضك الجديد من تأليفك؟ ـ تعيش فكرة هذا العرض معى منذ مسرحية «ماما أمريكا» وأنا اعترف ان مهنتى ليست هى التأليف لكنى أحب ان افكر وأن أكون قادرا على خلق فكرة مثيرة وأسأل نفسى فى كل شئ وأتناقش فيه مع الآخرين، وهناك بعض المواقف التى لا أستطيع تركها للمؤلف، بل يجب ان أعيشها على الورق وفى عملى الجديد لن اطرح مجرد قضايا أو نقد بل سأقدم حلولا وأسباباً لما نحن عليه اليوم. على الجانب الآخر لا أنكر أن هناك مؤلفين كثيرين على مستوى عال من النضج لا يمكن أن أرفض التعامل معهم وأترك الباب مفتوحا ولكن حتى الان لم يقدم لى أحداً فكرة تستهوينى. ـ وماذا تطرح مسرحيتك الجديدة؟ ـ الشخصية الأساسية فى هذه المسرحية تدور فى إطار صراع بين البنت التى يحبها وتحبه منذ سنوات ولم يتزوجها لأن منطقها غريب جداً.. يقول لها حتى لو تزوجتك أخاف نسيانك، فأنا سعيد بهذه الحالة من الحب بلا زواج..وهى تقول له انت تزوجت بمن لا تحبك.. ويرد عليها كل زيجاتى كانت بمن لا يحبونى.. والمعنى معروف طبعا فالبطل هو «وطنى» وحبيبته هى الرعية.. والعمل يجسد الانتماء والتحريض عليه وبدأت فى التحضير للمسرحية ويشاركنى البطولة أفراد فرقتى. ـ ألا تشعر ان التجديد افضل من وجود فرقة عمل ثابتة حتى لا يمل الجمهور؟ ـ بالعكس كل عمل يقدم روحا جديدة للفريق، فأعظم شئ فى العالم ان يكون لك فرقة متدربة على منهج تحاول ان تبحث فيه، أما ما يسمى بممثلى الشقق المفروشة فلا يثرون الحركة المسرحية وهم الممثلون الذين ينتقلون بين الأدوار والفرق وأرى ان الفرق التى دعمت نفسها وبقيت سنوات تخلق «حالة» ولكن بشرط ان تجدد فكرها فى كل عام بآخرين جدد يتحملون المسئولية، وأنا حريص على هذا فى فرقتى التى تتسع عاما بعد آخر. ـ كيف ترى المكسب والخسارة على خشبه المسرح؟ ـ المسرح لا يخسر الا اذا كان مسفا، لذا يموت ولا يستطيع البقاء وهذا ما حدث بالفعل عندها أغلقت الكثير من المسرحيات أبوابها بعد موسم واحد فاشل، ثم ان الخسارة القليلة فى المسرح تعوض بالاستمرار..وأنا مسرحى اشتراكى فإذا نظرت مثلا الى الجمهور الذى يدخل بعشرة وخمسة عشر وثلاثين جنيها فهذا المبلغ لا يوازى حقه فى الفرجة لأن هناك ممثلين ودعاية ومؤثرات وعمالاً ومصاريف نوزعها على عدد الكراسى، ولكن تذكرة المائة جنيه تعوض العشرة وهكذا.. ـ الى متى ستظل تفوح رائحة السياسة من مسرحك؟ ـ مسرحياتى فى اساسها اجتماعية لكن الحياة الاجتماعية والسياسية وجهان لعملة واحدة يتداولهما الجمهور يومياً، فأنا لا ألبس طربوشا لكى أشير الى العهد الماضى، ولكنى اتحدث بشكل مباشر لأنى أتعامل مع عصر سريع ولابد ان تتوجه مباشرة فالجمهور لا يصفق لى مجاملة ولكن يصفق لأننى أشحنه. ـ هل تتابع مسرحيات الآخرين؟ ـ لدى حساباتى الخاصة، على الرغم من ذلك أتابع جيداً، لكن المتابعة نوعان، سلبى وايجابى، وأنا لا استغنى عن النمطين، حيث أتابع الافيشات والأخبار المسرحية وهذه هى المتابعة السلبية، وهناك متابعة أخرى ايجابية انظر فيها للعمل بعمق وأرصد رد فعل الجمهور. فالقطاع الخاص يحاول ان يجعل من المسرح سندوتشات هامبورجر وشاورمة، أى مسرح س التيك أواى س. صبحي والسينما ـ بعد خمسة عشر عاما من الغياب عن الشاشة الفضية ألم يأت الوقت لإنهاء هذا الانقطاع؟ ـ أنا أعشق السينما جدا، وأتمنى تقديم أعمال ولكنى أحلم بلغة سينمائية تخلب عقل المشاهد، كالأفلام الغربية التى نندهش امام قوة انتاجها وعبقرية أفكارها، فإذا وجد هذا النمط عند أحد اتمنى ان يرشحنى له، وهذا لا يعد تقليلا من قيمة الأعمال الحالية، ولكن لا أستطيع ان ارى نفسى فى العمل السينمائى بعيدا عن الحركة العالمية..وأحلم ان انزل فى السباق.. والى الآن لم أجد ما يحفزنى للمشاركة، وأتساءل كثيرا ألا يرى العاملون بالسينما ما يحدث حولهم وما وصلت اليه السينما العالمية من إعجاز. ـ حاولت من خلال أعمالك أن تزرع الأمل فى القلوب فهل نجحت فى ذلك الهدف؟. ـ أنا أؤمن بلسعة الفن وأن الفنان يجب ان يشحن الجمهور ويزرع فيه الأمل وأنا أؤمن بهذا فى كل أعمالى، وقد كان سنبل دعوة للخروج من القاهرة وغزو الصحراء وفى ونيس دعوة لتغير سلوك المواطن وعملى الجديد «فارس بلا جواد» دعوة لأن نعرف تاريخنا على حقيقته وأن نثأر من عدونا، وهذه هى القيمة الحقيقية للفن. القاهرة ـ خالد محمود