ما أكثر ما يحتويه دماغ الانسان من خواطر وذكريات وهذا الدماغ أو المخ كما يسميه البعض بحجمه الصغير في جمجمة الكائن البشري يفوق جميع انواع الكمبيوتر في العالم، واذكر ان كتاباً كان قد صدر في اوائل السبعينيات للباحث الانجليزي الشهير السير آرثر سي.كلارك، وتحدث عن مجتمع الكمبيوتر وتنبأ بكثير مما نراه منه اليوم من اعاجيب واكثر ما لفت نظري في ذلك الكتاب هو ان المؤلف قال انه لو نجح العلماء في صناعة كمبيوتر يقوم بكل وظائف العقل البشري لاحتاجوا الى كمبيوتر في حجم مبنى ناطحة السحاب الامريكية المعروفة باسم «امباير ستيت». ولا ادري لماذا يطلق الاخوة اللبنانيون اسماً آخر على المخ الذي يؤكل هو (نخاعات) وحتى لو تجاوزنا عن صيغة الجمع الغريبة هذه، فإنني اكتشفت ان النخاع ليس هو المخ، اذ يقول لسان العرب، وهو معجم لغوي يعتد به، ان النخاع هو عرق ابيض في داخل العنق، وكما يقول ابن الاعرابي: هو خيط ابيض يكون داخل عظم الرقبة ويكون ممتداً عبر الفقار المتصلة بالدماغ. ما علينا.. راودتني هذه الخواطر وانا جالس الى جانب واحد من اصدقاء العمر مغرم اشد الغرام بأكل «المخ» مقلياً ومسلوقاً وشرائح وكاملاً، كيف يجرؤ الانسان على التهام ذلك الجهاز الهلامي المليء بالمعلومات حتى ولو كان مخ حيوان؟! ولماذا نستخف بمخ الحيوان ومن انواعه فصائل تتمتع بالذكاء وتختزن عقولها تجارب تعرضت لها في حياتها. وانظروا كيف تتوالى الخواطر في ذهن الانسان (او مخه لا ادري)، اذ تقودني الآن الى سنوات الشباب وكنت آنذاك اقتني كلباً جميلاً شديد الذكاء ولكن أمي الطيبة المتدينة رحمها الله، كانت تكن له عداء شديداً رغم اعجابها بجماله وذكائه فقد كانت ـ مثل جميع المسلمين ـ تعتقد انه نجس ولذلك كانت كلما قامت للصلاة تلدغه بلسعات شديدة من خيزرانة الى جانبها فيصرخ مولولاً ويولي الادبار ومع تكرار لدغات الخيزرانة على جلد كلبي الجميل العزيز، كان الكلب يسرع مهرولاً الى ركن من ساحة البيت بمجرد ان تسحب امي سجادتها وتبسطها على الارض.. ومؤكد ان مخ كلبي العزيز كان قد اختزن عشرات اللسعات من خيزرانة الوالدة الطيبة. نعود الى مخ البشر.. وقد فاجأني الصديق العزيز ظاعن شاهين بالدخول الى مكتبي وانا مثقل بأعمال مركز التدريب، وفي لهجة تلغرافية (تقترب من الكمبيوترية) قال لي: مطلوب منك ان تكتب شيئاً عن.. وسمعت كلمة: «البيان» وسألته: اي بيان.. بيان شرم الشيخ؟ ام هناك بيانات اخرى خرجت من وراء ظهورنا؟! قال ظاعن: لا .. وسحب صحيفة «البيان» من أمامي واشار الى «البيان 2» فإذا بعمود طويل يمتد من اعلى الصفحة الى ما يقارب نهايتها ومعنونا باسم «خواطر» واحترت ازاء هذه المفاجأة.. اذ فهمت انه لابد من كتابتها فوراً لتسلم الى المطبعة مبكراً.. واخذت اهرش في رأسي ـ اقصد مخي ـ واغوص في مخزون الخواطر في عقلي.. ولذلك سامحوني لو تنقلت بكم من خاطرة الى اخرى دون رابط بينها وفق «تسهيل» ربنا في هذا الوقت الضيق. لا ادري لماذا قفزت الخاطرة التالية الى عقلي، وهي تعود الى اوائل عام 1957، وكانت تونس الخضراء تحتفل بأول عيد استقلال لها بعد جلاء القوات الفرنسية وقرر الزعيم الخالد جمال عبدالناصر ارسال وفد رسمي على متن طائرة خاصة لتهنئة الرئيس الحبيب بورقيبة وكان لا يزال آنذاك رئيساً للوزراء، ويرأس الدولة شخص غير عربي ـ وأظنه بلقانياً ـ ويسمى «الباي». كان الوفد يتشكل من حسين الشافعي رئيساً وكان الشافعي نائباً لرئيس الجمهورية، وعضوية انور السادات (ولم يكن قد وضع اسم محمد قبل اسمه في ذلك الحين)، وعن الاعلام المفكر السياسي الكبير الصديق محمد عودة، وعن الصحافة محسن محمد، وشخصي عن اذاعة صوت العرب، وفوجئت عندما ركبنا الطائرة بوجود الشيخ مصطفى اسماعيل والشيخ ابو العينين شعيشع وهما من نجوم قراء القرآن الكريم في ذلك الاوان، وجلست بجوار السادات ـ رحمة الله عليه ـ وسألته لماذا يصطحب هذين الشيخين معه؟ فأجابني بصوته الغليظ قائلاً: «دول هدية لتونس» ولعله ادرك دهشتي من اخذ هدية بشرية معه وقد انتهينا منذ زمن من عصر الرقيق، فبادرني بقوله: «دول حايقرأوا في جامع الزيتونة».