بيان الكتب: في معرض رده على أحد الاسئلة التي وجهتها له مجلة «مانوا» الصادرة عن جامعة هاواي والمتخصصة في أدب المحيط الهادي، قال الاديب النيبالي الكبير رئيس الاكاديمية الملكية موهان كويرالا ربما للمرة الاولى «ان الفن، لا ينبغي ان يعيش تحت مسمى الفن من اجل الفن، بل انه يجب ان يكون من اجل المجتمع والواقع» ان هذا التصريح الصادر عن موهان كويرالا يبدو جديراً بالاهتمام، فأعمال الكتاب الناجحين ما هي الا مخطوطات يكتبونها بأيديهم عن العصر الذي يعيشون فيه واولئك الذين يشعرون بالمسئولية تجاه مجتمعاتهم ينتقدون بشدة جوانب الضعف والخلل التي تمر بها في مراحل معينة، كما لو أنهم اعداء تلك المرحلة، ومن جهة يحبون خصالها الطيبة فيها، كما لو انهم من اصدقائها المقربين وبينما يميل الكتاب الى الانفتاح فإن الشعراء من جهة اخرى يميلون الى وصف جوهر العصر الذي يعيشون فيه على نحو صريح، واحياناً على نحو يميل الى المنطق الرمزي، وفي الحالتين كلتيهما اذا لم يكن الوجه السلبي والوجه الايجابي للمجتمع حاضراً في اي عمل فني ابداعي، فإن جماليات هذا العمل لن تكون قوية وفاعلة وقد كان هذا هو الشيء الذي من اجله طرحت الاسئلة على كويرالا ايضاً عن هذا العصر الذي نعيش فيه وعن سعيه الحثيث الى تجسيد صورة هذا العصر بوضوح في قصائده. في اثناء مقابلته كانت آراء كويرالا مفاجئة في معظم الاحيان فهو لم يكن في يوم ما مهتماً بالجانب الذي يحقق المتعة في الشعر قدر اهتمامه بأن للشاعر دوراً تحريضياً، يعزز من خلاله الوعي والارتقاء. ان وجهات النظر هذه الصادرة عن مبدع مثل كويرالا معروف بتجريبيته وغموض هذه التجريبية ملفتة للانتباه، وعلى وجه الخصوص فهي شيء ضروري بالنسبة لكتاب بلد نام كنيبال. ويتواصل الحوار مع شاعر نيبال الكبير: ـ كيف بدأ اهتمامك بالشعر؟ ـ من الصعب علي ان احدد الكيفية التي يتوجه فيها الناس الى الشعر تماماً كما هو من الصعب ان تتحدث بشيء من الثقة عن الأسباب التي تجعل احدهم مكتسباً لنوع من الادمان، من الصعب ان تتحدث عن الكيفية التي يصبح من خلالها الانسان قريباً من الشعر، لم اجرب الشعر مطلقاً لأنني اريد الوصول الى نقطة معينة ولم اكتب الشعر لكي اسمى شاعراً. ـ مع ذلك، هلا خبرتني عن بداياتك؟ ـ اعتقد انني تأثرت بتجارب الشعراء الذين ظهروا في وقت مبكر في نيبال وخارجها كذلك كنت اشعر بوجود خلل وقد حرضني المناخ الادبي العام على محاولة اكتشافه وخلافاً للآخرين لم استثمر شيئا كرأس المال او احصل على وظيفة او ادير نشاطاً صناعياً او ادخل مجال الاعمال، وبدلاً من ذلك اتجهت الى الشعر. ـ ما الذي حرضك على كتابة الشعر؟ ـ في ذلك الحين، كانت مساحة النشاط الادبي محدودة لم يكن هناك سوى شاعرين او اربعة شعراء نعرفهم كشعراء وقتها كنت اشعر بحاجة البلاد الماسة الى اعمالهم. لقد ولدت في اللحظة التي كانت كتابات العديد من الشعراء الاسطوريين حاضرة. كما بدأت بكتابة الشعر في غمرة الاحتفاء بهذه العقول المبدعة، وكنت ابدو بينهم كالطفل. ـ من هم الشعراء النيباليون والاجانب الذين حرضوك على الدخول في عالم الأدب؟ ـ على الرغم من ايماني بأن الشاعر يجب ان يبقى قريبا من الواقع، الا انني لم اشعر قط ان الواقعية في حد ذاتها كانت شعرا. للبقاء قريبا من الواقعية، فإن المرء يحتاج الى اسلوب يجمع ما بين الاصالة والابداع والشاعر الامريكي وولت وايتمان والشاعر البريطاني ت. س. إليوت قد اعطيا الكتابة شكلا جديدا. ومن هذين الشاعرين تعلمت التقنيات التي اتاحت لي القدرة على تجسيد المشاهد المألوفة بأسلوب واقعي. ان موضوعاتي والمواقف التي اكتب عنها نيبالية لكنني أمتلك رؤية مختلفة، رؤيتي الخاصة وعلى الرغم من ان النقاد يطلقون على مصطلح تجريبي الا انني في اثناء كتابتي اسعى لاطلاع الآخرين على الكيفية التي تتحرك بها موهان كويرالا مع سيناريو معين ويجسده. ـ على أي نحو كانت اعمال وايتمان واليوت متوفرة في نيبال في ذلك الوقت؟ كيف قرأتها؟ ـ لقد ولدت في سنة 1934 في الوقت الذي لم نكن نقرأ فيه سوى صحيفة او مجلة واحدة او اثنتين لدى بعض الاصدقاء انا هنا اتكلم عن مرحلة كانت تنقل فيها الكتب في سلال عبر الممرات الجبلية. في مرحلة «الرانا» لم تكن لدينا مؤسسات للأدب والثقافة. لقد تعرفت على الشعراء الاجانب من خلال قراءتي للكتب التي كانت تأتي بها المكتبات او الكتب التي كنا نتبادلها مع الاصدقاء. ـ من هم الشعراء المهمون الذين كانوا في ذلك الوقت الاقرب الى قلبك؟ ـ في ذلك الوقت كان ديفكوتا احد الشعراء الاكثر تأثيرا، كنت اشاهده حتى وهو في الطريق في اثناء صعوده بأبنائه هضبة دلي بازار. الشاعر الآخر الذي نشر حسا اجتماعيا عبر قصائده، والذي استطاع ان ينشر الوعي هو سيد هيتشاران شريسنا. وتعجبني كذلك بعض الاشياء في كتابات بهيمنيدهي تيواري. في حين يرمز ريمال الى واقعية نيبال على الرغم من انه لم يتكلم كثيرا الا انه استطاع ان يقول الكثير اما ليخنات بودل فهو كالنهر النقي الذي لم يعكر صفوه الفيضان يعجبني هذا الشاعر، ويعجبني ايضا بالا كريشنا ساما. هؤلاء هم الذين تأثرت بهم. ـ لكن هناك اختلافا في التفكير والممارسة الابداعية بين ديفكوتا وسيد هيتشاران وريمال وساما وليخنات. ليخنات مثلا كان مفكرا روحيا وديفكوتا وسيدهيتشاران كانوا رومانتيكيان وريمال كان انسانيا ثوريا، اي من هؤلاء تجد انك اقرب اليه؟ ـ في البداية لم اكن قادرا على التمييز بين هؤلاء. كنت معجبا بهم كلهم. وبعد قليل، وجدت نفسي اقرب الى ريمال وسيدهيتشاران، حتى الآن، اشعر بهذا. ريمال قال الكثير في كلمات قليلة وسيدهيتشاران قال الكثير وعرف المجتمع النيبالي جيدا. وفيما يتعلق بالقصائد الثورية كان ديفكوتا نشطا جدا. وقصيدة ديفكوتا «مدام» لم تكن مجرد قصيدة، كانت ايضا دعوة للتغيير. وفي قصائد مثل سيدهيتشاران كان يعطي اشارة بصوته للبدء في مشروع للوعي الاجتماعي. ـ تحدثنا عن الكتاب الذين سبقوك لكن ما الذي يفصل بينك وبين الكتاب الآخرين المعاصرين؟ ـ كشاعر تجريبي حاولت ان اكتب القصائد بطريقة اخرى. شعراء كديفكوتا، وسيدهيتشاران، وساما، وريمال، وماداف براساد جيمير كل منهم كانت لديه عظمته الخاصة. ولكي اضع نفسي بين هؤلاء ولكي تكون لي هويتي المميزة جربت أن أكتب بشكل مختلف. ـ لكن القارئ النيبالي يفسر أصالتك وابداعك على انهما عدم وضوح. لماذا تبدو قصائدك غامضة الى هذا الحد؟ ـ هذا مجرد تلفيق. هناك قصائد واضحة وقصائد غير واضحة. ومن يستطيع الاشارة الى ذلك هم القراء والنقاد. لكن في الثلاثين عاما الماضية التي تولى فيها الحكم نظام الباتشايات كان هناك توجه نحو التعتيم على أعمالي وللقول: «ان احدا ليس بمقدوره ان يفهم قصائد كويرالا» لا لشيء الا لانني أحمل اسم كويرالا. وكان لهذا دوره في تشويه أعمالي. الشيء الآخر هو ان القصائد الأسهل من السهولة نفسها ما زالت تفهم على انها صعبة الفهم. وعندما نقول بأننا نفهم ليخنات فقد يعني ذلك أن هناك ليخناتا آخر يوجد بداخل ليخنات في قصائده. وحتى لو زعمنا بأننا نفهم ديفكوتا، فنحن نستطيع ان نعثر على ديفكوتا آخر جميل موجود بداخله. قصيدة «التذكر في غمار الانطلاق» هي أول قصيدة كتبتها. كتبتها وأنا أتصور ان الشعر الحر هو أسهل أنواع الشعر. وان الثرثرة العادية، الرسائل، اللغو هي في الواقع سهلة جدا. لقد بدأت بهذه القصيدة وأنا أريد استخدام هذه البساطة في الشعر. وعلى صعيد الشعر الحر فقد واجهتني مصاعب ومراحل يسيرة. وكانت تلك المرحلة على الصعيد الاجتماعي غاية في التعقيد ايضا. لقد كتبت الشعر الحر لانني كنت أسعى الى فهم بعض الامور، أسعى الى جعل بعض الاشياء مفهومة. ان الشعراء ما ان يبدأوا الكتابة حتى يعبروا عن مشاعرهم سواء أكانت المرحلة التي يمرون بها مرحلة معاناة أو فرح هذه هي دراما الشاعر او صفته الجوهرية. هذه الدراما هي التي اشعر بأنها قد تحققت لدي. ـ عندما اعيد قراءة قصائدك القديمة، اشعر بأن قصائد منها «مدخل للوطن» «عطلة» و«عن ايام بهمس تابا الاخيرة» سهلة للغاية. وعلى العكس من هذه القصائد فان قصائد مثل «قمة التل» و«جذور اليقطين» و«هبة الشمس» تبدو صعبة على الفهم. لماذا نجد مثل هذا التفاوت في أعمال مبدع واحد؟ ـ من وجهة نظري، فان الشاعر ليس آلة كاتبة، بمعنى انك لو ضغطت على أي حرف في هذه الالة ظهر لك على الورق. الشاعر غير ذلك، والاكثر من هذا انه ما ان يكتب الشاعر التجريبي شيئا، فانه لن يعيد كتابته مرة اخرى، ولهذا السبب فان قصائدي لا تتشابه فهي مختلفة في الاساس، وهذا هو اسلوبي في الكتابة، ان استمر في التحرك الى الامام من خلال التجريب واستخدام اساليب مختلفة. ـ قلت ان على الشعر ان يهيئ الظروف المناسبة لايجاد صحوة على صعيد التقدم الاجتماعي، واذا كان الامر كذلك فهل انت من الرافضين لمقولة الفن من اجل الفن؟ ـ بالنسبة لي، فان الفن يجب ان يكون من اجل المجتمع وانا اكتب انطلاقا من هذا المبدأ، وافضل ان اكون قريبا من المجتمع والارض التي نعيش عليها عوضا عن الافتتان بالفن، واتصور انه ليس الفن وحده الذي لا يمكنه ان يكون من اجل الفن، وانما من الافضل له ان يكون من اجل المجتمع. ـ منذ بدأت الكتابة وانت ترزح تحت وطأة الانظمة منذ فترة حكم «رانا» الى المرحلة البرلمانية الاولى الى مرحلة الباتشايات والآن المرحلة البرلمانية الحالية. ما هو تأثير هذه المراحل السياسية على انسان مبدع مثلك؟ ـ بالنسبة لكاتب مثلي ، تبدو هذه المراحل الثلاث شبيهة بالحبكات الروائية الثلاث، ففي احداها كنا نعاني من الحرمان، كنا محرومين حتى من الاقلام والحبر. وفي الثانية توفرت اجواء اكبر من الانفتاح، مما جعل مهمتنا تبدو أكثر سهولة. وفي بعضها الاخر كنا نلزم الحذر لاننا كنا نريد ان نصل الى مكان من دون ان يقف في طريقنا احد، ولهذا فان كتاباتنا كان لابد لها ان تكون سهلة في بعض الاحيان ومعقدة في أحيان اخرى من اجل ان تصل الى الاخرين، والواقع انه لا شيء يمنع الكاتب الجيد من الكتابة. ـ من وجهة نظرك، ما هي طبيعة العلاقة بين السياسة والادب؟ ـ العلاقة بين السياسة والادب علاقة جميلة جدا وعذبة، تشبه العلاقة بين الزعيم الديمقراطي المنشق ب.ب. كويرالا واعماله الادبية المعروف منها «سومينا والمنعطفات الثلاثة» بالنسبة للكتاب كان ب.ب. كويرالا كاتبا وبالنسبة للسياسيين كان سياسيا. اذا كانت هناك ضرورة فالادب لا بد له من التعامل مع السياسة، لابد له من حمل البندقية، والا فمن الجائز له ان يظل قانعا بنفسه متصالحا معها. ـ وما هي طبيعة السياسة التي يمارسها الادب؟ ما هو نوع البندقية التي تحملها؟ ـ أحيانا يكون قلم الكاتب هو البندقية، وعلى الكاتب ان يهيئ أوراقه ويأتمر حسبما تتطلبه المرحلة الزمنية التي يعيشها. ـ هل أعددت كوادرك والقادة التابعين لك؟ ـ (ضاحكا) لم يتسن لي القيام بذلك. لكن كانت لنا بعض المحاولات البسيطة في سنة 1990 من خلال «الحركة الشعبية للديمقراطية» وقبل ذلك في اثناء اندلاع احداث الحركة الطلابية سنة 1979 حاولنا ان نقدم الدعم السياسي من خلال قصائدنا التي كانت تسير الحركة في الشوارع، واستمر هذا شهرا كاملا. ـ ما هو موقع النقد في الادب النيبالي؟ ـ هناك بعض الاكاديميين الذين يقومون بتدريس الادب النيبالي، وبهذا الشكل فان لديهم الاهتمام بالنقد، لكن النقد لم يتمكن الى الآن من الاعتماد على نفسه. وبشكل عام، هناك افتقار الى النقد في الساحة الادبية النيبالية. ـ كيف تشرح الحركة الادبية النيبالية المعاصرة للعالم الخارجي؟ ـ يجب على القارئ الاجنبي ان يقول لنفسه عندما يطالع ادبنا: هذا هو ادب من يعيشون تحت سفوح جبال الهملايا. لقد امضينا قرنا واحدا او قرنين فقط في عملية انتاج هذا الكم من الادب. وبامكاننا ان نبحث مستقبلا عن طرق اخرى للدخول في منافسة مع الادب العالمي، لكن لدينا حتى الآن، بعض الشعراء وبعض الروائيين البارزين على مستوى العالم. مريم جمعة فرج