بيان الكتب:في خطوة لافتة، قدّم المجمّع الثقافي بأبوظبي إصدارين متميّزين: أوّلهما كتاب «التحوّلات» لأوفيد بترجمة أنيقة من قبل الشاعر أدونيس، وثانيهما ملحمة «الإلياذة» للشاعر اليوناني الكبير هوميروس، بترجمة رائعة من قبل الشاعر ممدوح عدوان؛ الذي بذل جهوداً كبيرة لتقديم ترجمة متميزة، وجديدة للقارئ العربي، حاول من خلالها أن يضيف للمكتبة العربية نصّاً إبداعياً جديداً، ينضاف إلى جملة الترجمات المختلفة التي قام بها أدباء وشعراء إلى اللغة العربية سواء عبر اللغة الأم أو عبر لغة وسيط. ومما لا شكّ فيه أن كثرة الترجمات للعمل الواحد، إنما تأتي من رغبة المترجمين التوّاقة إلى تقديم نصّ أقرب إلى روح النصّ المترجم، ولكن استحالة ذلك ستدفع إلى مزيد من الترجمة، وهذا هو سرّ الترجمات العديدة التي شهدتها الإلياذة تحديداً على المستوى العربي أو العالمي، ويضاف إلى ذلك طبعاً القدرة المبدعة لدى هوميروس على إثارة حفيظة الشعراء والكتاب المتمكّنين من لغة ثانية على ترجمة نصّه الملهم. وبالإضافة إلى ذلك سنجد أن كثيراً من موضوعات الإلياذة أو بنائها القائم على المزج بين الخيال والواقع، كانت مصدر إلهام للكثير من الشعراء والمبدعين في القصّة والمسرح، وتركت أثراً بالغاً في الثقافة العالمية ما زلنا نلقى صداه حتى يومنا هذا. خلال معرض الكتاب بأبوظبي كنت سمعت وقرأت العديد من الآراء عن مقدار الفائدة التي سيجنيها القارئ بإضافة نسخة مترجمة جديدة لكتاب تعددت ترجماته منذ أوائل القرن، أو عن جدوى ترجمة كتاب عن لغة وسيطة، في وقت بات ممكناً فيه الترجمة عن اللغة الأم. وقد شغلني الأمر كثيراً، ولكن خشية الانسياق وراء الآراء المضلّلة هذه، واظبت على قراءة ثلاث ترجمات للكتاب كانت بحوزتي: ترجمة دريني خشبة الصادرة عن دار الهلال، ترجمة عنبرة سلام الخالدي الصادرة عن دار العلم للملايين، ثمّ ترجمة ممدوح عدوان الحديثة الصدور عن المجمّع الثقافي بأبوظبي، بادئاً القراءة بالترتيب نفسه، ولن أكتم هنا الإجهاد الكبير الذي طالني خلال عملية القراءة، إلاّ أن النتيجة أسفرت لصالح ترجمة الشاعر ممدوح عدوان، وقد أعجبت أشد الإعجاب بأسلوبه في الترجمة الجديدة، بل إنني شعرت لدى قراءتها أنني إزاء عمل إبداعي جديد شدّني منذ اللحظة الأولى إلى تلك العوالم السحرية المليئة بالتفاصيل والإيحاءات الخطيرة التي قدّمها هوميروس على شكل بانوراما واسعة لحياة الإغريق في ذلك الزمان، وعبر أسلوب بسيط وأخّاذ تمكّن من تقديم جملة البطولات الإنسانية والأساطير المعبرة خير تعبير عن ثقافة هؤلاء الناس في ذلك الزمن السحيق، وطرائق تعبيرهم عن ذواتهم والواقع المحيط بهم. وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على قدرة ممدوح عدوان كشاعر ومثقف على استكناه تفاصيل العمل الملحمي الدقيقة، وما تبعثه من إيحاءات وظلال تستقصي العمق الإنساني للشخصيات، والعمق التاريخي الذي يتطلّب فهماً دقيقاً لتلك المرحلة الغابرة من الزمن، ومن جانب ثان الأمانة في الترجمة والبحث والاستقصاء عن المفردة والمصطلح والتسمية، ومن ثمّ الصياغة البسيطة والمعبّرة في الآن ذاته. بينما سنجد أن في الترجمتين الأخريين كثيراً من الاختصار، أو إعادة ترتيب الأحداث كما لدى دريني خشبة، أو عدم الدقة في تسمية الأبطال والآلهة، كما لدى عنبرة سلام الخالدي تحديداً، وأنا في هذا المقام لا أسعى بالتأكيد إلى التبخيس من ترجمتي دريني خشبة وعنبرة سلام الخالدي، فهما بدورهما بذلا جهوداً كبيرة في ترجمة هذا العمل الضخم عن لغة وسيط أيضاً، وهما بالتالي قدّما رؤيتيهما للنصّ المترجم، علماً أن عدد الترجمات إلى العربية لا يتجاوز الخمس بينما كان عدد الترجمات الإنجليزية ربّما يزيد على خمس عشرة ترجمة، وكلّ ترجمة منها قدمت اجتهاداتها الخاصة، ولم يقل أحد أنه كان يمكن اعتماد الترجمة الصادرة في القرن السابع عشر، وإهمال الترجمات الأخر، أو اعتبارها نسخاً إضافية، وذلك لأن ترجمة نصّ من لغة إلى لغة ستعبر بالضرورة عن ثقافة العصر الذي ترجمت فيه، سيما وأن الزمن الثقافي العربي تطوّر تطوّراً خطيراً خلال القرن المنصرم، وشتّان ما بين ترجمة ممدوح عدوان وترجمة الشاعر سليمان البستاني التي صدرت في بداية القرن المنصرم؛ هذه الترجمة التي ذمّها طه حسين، في تقديمه لكتاب عنبرة سلام الخالدي، معتبراً أنها ليست بترجمة، وإنما نظم يصعب قراءته. تبدأ حوادث الإلياذة مع الأيام الأخيرة لحرب طروادة أو «إليوم»، ومن لحظة غضب آخيل وسجاله مع أغا ممنون قائد الجيوش حول الفتاة «خريستي»، التي تسبب سبيها بغضب أبولو، وإرساله الطاعون لجيش الآخيين، وكأننا بهوميروس في ذلك الزمان الموغل في القدم، كان يدرك أن بناء نصه الملحمي المليء بالحوادث والقصص، يستقضي بداية من منتصف الأحداث، بل آن احتدامها، ومن ثمّ سيطرته على قارئه، والذهاب به إلى الوراء أو إعادته إلى لحظة السرد، وبالتالي فإنه عبر الفصول الأربعة والعشرين، سوف يسرد وقائع هذه الحرب التاريخية من جانب، وسيعمل من جانب آخر وبالتوازي معه على استكمال بنائه المخيالي الكبير عبر استطرادات قصصية شائقة ومثيرة، تشكّل في مجموعها البنية الكلّية للنصّ الملحمي، وبالتالي فإنه بهذا الإبداع الخلاّق لن يمكّن سامعه أو قارئه من معرفة تتمة الأحداث إلاّ مع نهايتها، وأعتقد أن ذلك هو السرّ الذي جعل من الإلياذة عملاً إبداعياً ملهماً. الألياذة إذن نصّ شعري وملحمي ينبني على الحكاية، ومقدار علاقته بالتاريخ، هو مقدار اقتراب أيّ رواية جديدة من الواقع بما يمكّنها من بناء النصّ المبدع، سواء من حيث سير الأحداث، أو من خلال الشخوص سواء كانت واقعية أو متخيلة، وعلاقة هؤلاء الشخوص بالزمان والمكان، وبثقافة العصر، وكيفية التعبير عن كلّ ذلك فنياً لجذب السامع سيما وأن هوميروس كما أوردت بعض المصادر أنه كان ينشد ملحمته على جمهور من السامعين، تماماً كما كان يتمّ لدينا مع السّير والملاحم الشعبية، وبالتالي فإن ذلك يستقضي منه جذب اهتمام السامع عبر اجتراحه للكثير من الوسائل والتقنيات، كالاستطراد، والصدفة، أو العامل القدري، أو إقحام آلهة الأولمب في حياة الناس العاديين، تفعيلاً للأحداث ومزيداً من التشويق لجمهور متعطّش لسماع العجائب والخوارق التي كان يجترحها أبطاله المحبوبون، وبالتالي كان على الراوي أن يعزز هذين الجانبين في نصّه، فمن جهة كان يدأب على ذكر أسماء الأبطال وتعداد مناقبهم ومآثرهم، ومن جهة كان يدأب أيضاً على تفعيل العجائبي المبهر، بما ينسجم ورغبات جمهور فطريّ لم يتمكن بعد من الفصل بين عالم الواقع وعالم الخيال. وبالإضافة إلى ذلك فإنه مما يجدر التنويه إليه في ملحمة الإلياذة وفي أسلوبية هوميروس وهو الشاعر الأعمى، تلك القدرة الفائقة على الوصف، وعلى تركيب المشهد البصري، الذي وإن خلا من الألوان والظلال نتيجة لعاهته، إلاّ أنه كان يستمد جزئياته من ذات مبدعة وذاكرة مستفيضة، شأنه في ذلك شأن المبدعين الآخرين الذين سطّرت أعمالهم الشعرية أو النثرية أعمالاً خالدة في التاريخ الأدبي، وذلك ما ذكّرني على الدوام بشاعرين ضريرين كبيرين من تاريخنا هما أبو العلاء المعرّي، وبشار بن برد. واللافت في المشهد البصري لدى هوميروس هو دمج الصورة مع الحكاية عبر التشبيه التمثيلي، وذلك لأجل تشبيه حالة بحالة؛ فهو عندما يريد تصوير ضراوة بطل ما سيقول: «وكما يمسك الأسد بالوعول الصغيرة البريئة السريعة، فيقضم عظامها بسهولة، ويحطمها بأنيابه القوية، حين يفاجئها في وجارها، فينزع قلوبها الصغيرة منها، وحتى لو كانت الأم قريبة، فهي لا تملك أن تفعل شيئاً لمساعدتها، فرعشات الخوف الرهيبة تعتريها هي أيضاً، بل تندفع بسرعة في الغابة بين الأشجار، وهي تتصبب عرقاً في هروبها السريع خوفاً من انقضاض الوحش القوي®. هكذا لم يكن هناك بين الطرواديين من يستطيع إنقاذ هذين الاثنين من الموت، بل هم أنفسهم كانوا يهربون مذعورين من الأرجيفيين». كما إن فن الوصف عزز من جماليات المشهد البصري، فهو غالباً لدى وصفه كان ينتزع لقطات خطيرة من الطبيعة، ثمّ يعمل على مشابهتها بالحالة المراد وصفها، وعلى سبيل المثال، نورد هنا ما قدّمه من صورة وصفية لحالة نزول المقاتلين من السفن: «كان البريق من الأسلحة البرونزية يعمي الأبصار وهو يتصاعد عبر الفضاء نحو السماء، وكما تنطلق سحائب الطير المختلفة، من أوز وكراكي وبجع طويل العنق في السهول الآسيوية قرب المياه الكاوسترية، وهي تتماوج في طيرانها مزهوّة بقوّة اجنحتها، ثمّ تحطّ موجات متصادمة فتردد المروج أصداءها®. كذلك كانت القبائل العديدة تتدفّق من السفن والمقرات إلى سهل سكاماندروس». ومما لا شكّ فيه أن هوميروس كان في ملحمته هذه متحيّزاً للأبطال الإغريق، وكثير من القصص أو المعارك التي أوردها تؤكّد ذلك، إلاّ أنه في الوقت نفسه ما بخّس من قوّة أو من أخلاق الطرواديين، وإنما كان يعتبرهم أنداداً جديرين بالبطولة ومواجهة الإغريق، وقد أعطانا صورة وافية عن طروادة وشعبها وحياتهم تحت الحصار المرير، وما كان يسود بينهم من روح قتالية وتصميم على المواجهة حتى الرمق الأخير، وهو ما ذكرني حقيقة ببطولات الشعب الفلسطيني وهو يواجه حصاراً أشد فتكاً ودماراً من حصار طروادة، ومع ذلك فهو ما انفكّ يستبسل بوجه الطغاة الجدد، مع إدراكه التام الفارق الكبير في ميزان القوى، وأنه إذا كانت الآلهة التي لا يمكن تحدّيها قد وقفت إلى جانب الآخيين، وكتبت الهزيمة على الطرواديين الذين آلوا إلاّ الموت بشرف، فإن «الآلهة» الكونية الجديدة تدعم الإسرائيليين اليوم بلا حدود، وحتى وإن كتبت الهزيمة للفلسطينيين، إلا أنهم أيضاً آلوا ألاّ يموتوا إلاّ بشرف. وأعتقد أن تلك هي مأثرة ترجمة نصّ غني بالأحداث والمواقف مثل الإلياذة، حيث يصبح بإمكان القارئ أن يعقد مثل هذه المقارنات، ويستخلص العبر من حياة الشعوب السابقة، هذا بالإضافة إلى الرصيد الجمالي الذي أضافه شاعرنا ممدوح عدوان الذي آلى بدوره ألا تكون ترجمته مجرد نسخة إضافية، وإنما ملحمة إبداعية جديدة تنضاف إلى المكتبة العربية، ستكون خير عون للكتاب والشعراء والباحثين والدارسين، وبذلك فإنني أعتقد أن إدارة المجمّع كانت موفّقة إلى حدّ كبير بالتعاون مع شاعر مترجم مثله. عزت عمر