بيان 2: نظمت ثلاثة متاحف عالمية، هي اللوفر الباريسي والفن والتاريخ في بروسيلاس وتورين الايطالي، معرضاً غير عادي من الممكن مشاهدته حتى 22 من يونيو المقبل في العاصمة الفرنسية. وجاء المعرض الذي نظم حول اربعة موضوعات أساسية هي: العيش والابداع والاعتقاد والموت، ثمرة لاكثر من ثمانين عاماً من البحث الاثري في دير المدينة الاسم الحالي لمنطقة مجاورة لطيبة كان يقيم فيها الحرفيون الذين شيدوا وزينوا المقابر الفرعونية في وادي الملوك ما بين عامي 1550 و1069 قبل الميلاد. في هذه المنطقة، حيث يوجد نحو 60 منزلاً، عاش وعمل حرفيو السلطة والعائلات التي قامت ببناء القصور والقبور لجميع فراعنة «الامبراطورية الحديثة» من احمس محرر الوادي وحتى رمسيس التاسع اي ملوك الاسر الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين. وظلت هذه المنطقة مطمورة تحت الرمال منذ ان هزم آخر الرعامسة وحتى عام 1811 حين عثر القنصل الفرنسي في مصر، بيرناردينا دروفيت، على المكان وبدأ يزوره وفي عام 1917 تولى المعهد الفرنسي للآثار الشرقية المسألة، وأطلق سلسلة تنقيبات منتظمة تأخرت لسنوات عدة في اكتشاف السر الأصلي للبلدة وصفتها كمكان متخصص. والاثر الاول لتفرد هذه المنطقة يوحي به تزايد قطع الجير والصلصال المطبوخ التي تظهر فيها تعليقات شخصية ورسوم تخطيطية ومسودات وتصميمات اولية لما تحول لاحقاً الى عمل مهيب، حيث يمكننا رؤية رسم لفأر مترف يخدمه قط متواضع. (ربما كانت منحوتة رمزية سياسية بقصد الهجاء) او انها قصيدة حب تريد ان تقول: «رغبت بوضع نفسي في الماء وانا استحم امامك كي ترى جمالي يتدفق عبر جلباب كتاني شفاف ومشرب بخلاصات العطر وشعري متوج بالأسل». ويظهر في حالات اخرى رسم منقح مرات عدة ورسم هزلي لناسخ او تفسير بسيط لمادة مقارنة. وفي بردية ادارية تعود الى عام 1189 قبل الميلاد يبدو انها كانت معروفة جيداً خصوصاً بالنسبة لناسخ يدعى اميناخت، يشرح لسيدة رمسيس الثالث ان بناء جبانته سيتأخر لان العمال «اما اوقفوا عملهم او غادروا مكان الاقامة المخصص لهم بشكل اداري». لكن لماذا؟ يوضح اميناخت الامر بقوله لان «التأخير في تسليم حصص الطعام المقررة تجاوز الثمانية عشر يوماً» وهذا يعني اضراباً وهو الاول من نوعه في تاريخ العالم برمته. اعرب الفنانون، عن اسفهم لحالهم قائلين: «اما وقد وصلنا الى هنا، فليس امامنا سوى الجوع والعطش. فنحن لا نملك لا ملابس ولا عطوراً ولا سمكاً ولا خضاراً». ويطلب المتمردون من الناسخ الاتصال بـ «الفرعون، سيدنا الصالح، لتبليغه بما يجري». بذلك يقدم لنا هذا التاريخ الاخباري عن العمل فرصة متابعة الصراع والتوقفات المتقطعة عن العمل ووساطات التهدئة للمعيام «تو»، مقدماً جانباً من الصورة، لكنه يسمح لنا أيضاً ان نتعلم انه اذا كان الاجر هزيلاً، فإن مستوى المطالبة بمعونة العمل كان متراضياً، اذ ان البرديات تكشف النقاب لنا عن الاسباب التي تبرر الكثير من الخسارات المؤقتة للعمال: السكر او ضرورة بناء المنزل الخاص او رد الجميل لزعيم آخر او لدغة عقرب والعقارب موجودة في المنطقة، او مرض او لأن الزوجة لديها متاعب صحية او ان الام مريضة او الابن في السرير، بالاضافة الى دوافع دينية ومأتمية اخرى. لكن الاشياء الفنية لا تخلو من الدلالات ايضاً، حيث لا يقتصر كل شيء على تلك المفكرة للحياة قبل 3500 عام. فالتابوت المرسوم بامرأة تدعى مادجا ـ تضمنت بلدة الحرفيين جبانة كبيرة خاصة بهم اكتشف فيها قبور ذات زينة جميلة جداً ـ والمنحوت من جذع شجرة والمزين، بأسلوب متقن، برسم ذي الوان حية جداً وبالأكواب والتماثيل والجرار.. كل ذلك يتحدث عن حضور لا يقتصر على العمل الوظيفي وانما يعرف تماماً ما معنى الحلم ورضى الروتين. اكثر من 300 موضوع مقدمة في اربع قاعات في متحف اللوفر ومحاطة بحيز من الفراغ في محاولة للايحاء بما هو اعتيادي في عالم الاثار في وسط مجموع من الصور التي تظهر دير المدينة في بداية العشرينيات والخمسينيات من القرن العشرين والوقت الراهن. الى ذلك تعد فكرة مدينة الفنانين مبالغاً فيها بعض الشيء، لأنه في مصر القديمة وحتى مجيء عصر النهضة، لم يكن معترفاً بالمهارة اليدوية والابداعية كشيء ساحر وخاص، وانما كانت تعتبر موهبة اضافية بحيث يجد الفنان نفسه في مواجهة اغواء فكرة التعبير عن نفسه كفنان وفكرة الانضمام الى السلطة حيث يطالبه الفرعون بأن تكون اعماله على شرف ومجد «ماعت»، تلك الحقيقة المرمّزة في آلهة مع ريشة للكتابة التي كانت تستخدم كمعيار في الحياة الاجتماعية والتي انتصبت على مبدأ كوني من خلال الارادة الصارمة للسلطة السياسية. فجميع الكهنة والموظفين والفنانين كانوا في خدمة «ماعت»، الفنانون وحدهم هم من جعلنا نرى، من خلال اعمالهم، ان وادي الموتى الخاص بالملوك المصريين قد ابدعه سجناء، وان هؤلاء لم يصفقوا كثيراً لسيدهم. باسل ابو حمدة