بيان 2: في أعماق الاراضي الاسترالية، ترسم اليس كيلي، وهي امرأة مسنة، ذات شعر أشيب، من قبيلة موثي ـ موثي بأقلام من اللباد على لوح ابيض. وقد تبدو رسوماتها وكأنها خربشات ملونة، لكنها تقول انها حلمها، وهو عبارة عن رؤية من زمن يعود الى ما وراء الذاكرة، ومع ذلك لا يزال مستمرا، زمن كان يتنقل فيه الاجداد من بقعة لاخرى عبر الارض الجرداء، قبل ان تتشكل تلك المظاهر الحياتية المتنوعة التي نراها الآن، وهو زمن حافل بالارواح الاسطورية والاماكن المقدسة، والرموز الحيوانية. وهذا الحلم الذي يراود كيلي يختلف من قبيلة لاخرى، ولكن جذوره تعود الى الناس الذين قدموا لاستراليا خلال العصر الجليدي. يبدو ان جزءا من اليس كيلي لا يزال يعيش في عالم الاحلام، فهي تقول: «جميع سكان استراليا الاصليين ولدوا فنانين» لكن من حق المرء ان يتساءل: متى تطور العقل البشري، واصبح قادرا على حل المشكلات وابداع الفن واختراع الطقوس والتقنيات؟ يعتقد معظم علماء الانثربولوجيا ان الانسان حقق هذه القفزة خلال المرحلة الاخيرة من العصر الجليدي، اي في وقت ما بين 130000 و 10000 عام خلت. ولا يستطيع أحد ان يحدد بالضبط مكان وزمان حدوث هذا التحول العقلي لدى الانسان. غير ان اليس كيلي لديها ما تطرحه بقوة في هذا الصدد حيث تقول ان: «الاشخاص المبدعين الاوائل كانوا سكان استراليا الاصليين. فالابداع بدأ من هنا، في هذه الارض» وتقوم كيلي بانتظام بزيارة امتداد من الكثبان الرملية، حيث تم في عام 1968 اكتشاف بقايا احد اجدادها، وهي لسيدة اطلقوا عليها اسم «مونجو ليدي». ويقول الآن ثورن، وهو عالم انثربولوجيا استرالي كان قد اجرى دراسة على مدفن هذه السيدة: «لقد كانت في عمر يتراوح بين 20 و25 عاما عندما توفيت. وقام اهلها بوضع جثتها على محرقة جنائزية، وبعد ان اتت النار على لحمها، قاموا بتحطيم عظامها بهراوة كبيرة، ثم وضعوا العظام المتكسرة في حفرة امام الكثب الرملي. واليوم تقبع عظام السيدة مونجو المحترقة في خزانة بمقر حديقة مونجو الوطنية، حيث يقوم موظفون من السكان الاصليين بالاعتناء بها. وتقول كيلي بهذا الخصوص: «انها تمثل رمزا كبيرا بالنسبة لشعبنا، فهي تخبر الشعب الاسترالي الاصلي بأصوله، وقد خرجت من تحت الارض لترشدنا. طوال سنوات طويلة، جاءت اولى المؤشرات الاثرية على السلوك المعاصر من اوروبا. وكانت تعزى الى شعب سمي من قبل علماء الاثار في القرن التاسع عشر على اسم كرو ـ ماجنون، وهو المأوى الصخري الفرنسي، الذي شهد اكتشاف بقاياهم في عام 1868، ويعتقد بعض الاختصاصيين ان مظهر البشر المعاصرين الذين حلوا محل ابناء عمومتنا المقربين وهم «النياندرتاليين» اي سكان أوروبا قبل حوالي 230000 الى 30000 سنة، اشارت الى وجود تغيير في الدماغ البشري. وهذا التغيير كان من شأنه ان يمكن البشر من اختراع تقنيات من قبل بناء القوارب والسفن التي ساعدتهم على الانتشار في العالم. واذا كان تقدير عمر المستحاثات التي وجدت السيدة مونجو واشخاص آخرين من الفترة نفسها والذي يضعها عند 24000 سنة خلت صحيحا فان سيناريو الهجرة من اوروبا يكون صحيحا ايضا. لكن فريقا من الباحثين الاستراليين تولى رئاسته ثورن في عام 1999، اعاد تقدير عمر البقايا التي وجدت في استراليا، واستخدم الفريق ثلاثة أساليب متبعة في تقدير العمر اشارت جميعها الى ان عمر البقايا يبلغ حوالي 62000 عام. اما اقدم بقايا اكتشفت في اوروبا للانسان الحديث فيبلغ عمرها حوالي 32000 عام، وهذا ما يعني اذا صحت التقديرات ان الانسان الحديث ظهر في استراليا قبل 30000 عام من ظهوره في اوروبا. لكن هذا الجدل القائم حول المكان الاصلي الذي انطلق منه الانسان ليعمر كل ارجاء المعمورة، لا يبدو انه سيهدأ أو يتوقف في يوم من الايام، لأن العلماء لا يتوقفون عند اكتشاف معين، وانما هم يواصلون البحث والتنقيب الذي يغير فرضياتهم التي يضعونها بناء على اكتشافات اثرية سابقة. الامر الذي يجمع عليه العديد من علماء الاثار والانثربولوجيا هو ان العصر الجليدي فرض ظروفا ما كان من الممكن للانسان ان يتحملها في الجزء الشمالي من الكرة الارضية الذي يشمل اوروبا برمتها، وان الانسان الحديث ربما ظهر في افريقيا في البداية ومنها هاجر بعد انحسار العصر الجليدي الى اوروبا وآسيا بحثا عن مصادر الغذاء بعد ان تمكن من تطوير بعض التقنيات والاختراعات التي ساعدته على ذلك. ضرار عمير