بيان الكتب: يشكل هذا الكتاب تحديا مهما للخطاب الوطني المصري عند تناوله لفترة من أهم وأخصب الحقب في تاريخ مصر الحديث ألا وهي فترة حكم محمد علي باشا 1805-1948 فالكتاب ـ كل رجال الباشا.. محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة ـ للمؤلف الدكتور خالد فهمي والصادر عن دار الشروق بالقاهرة، بترجمة لشريف يونس يحاول أن يتعرض بالنقد للطريقة التقليدية في كتابة تاريخ محمد علي وتاريخ مصر أثناء فترة حكمه الطويلة، كما يحاول أن يقدم نقدا لمدرسة التأريخ القومية المصرية وأن يطرح ـ تحديدا ـ نظرة مغايرة لمفهوم مصر ذلك المفهوم الذي ألفناه في الكتب المدرسية والجامعية والكتابات التاريخية والروايات والأغاني الوطنية، فالدراسة محاولة متفردة لكتابة تاريخ مصر خلال تلك الفترة من خلال المحكومين وليس الحكام وهو ما لم نألفه في قراءة التاريخ لذلك نجده يمنح الحق للفرد في أن يروي ما كان مثلما أحس وعاشه وأيضا نجده يمنحنا الحق في أن نتعرف على التاريخ الاجتماعي وليس السياسي والاقتصادي لمصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر. الكتاب رغم جديته وأهميته شديد الجاذبية حتى لمن لم يتخصص في الفكر أو التاريخ لأنه يعني بتاريخ البشر®. بسطاء الناس فالعمل عبر فصوله السبعة يقدم صورة لحياة الجندي المصري في جيش محمد علي ويوظف كل الحشد الوثائقي لجمع هذه الملامح المتناثرة والتائهة لحياة هذا الفرد من كان فلاحا ممسكا بالفأس حتى صار جنديا نظاميا يخرج الى خارج الحدود®. كيف كان يعيش، ماذا كان يأكل، ما راتبه، خطوط ضبطه وربطه، غربته، مشاعره®. كيف أحس، أمراضه®. لم يهتم أحد بأن يكتب عن كل ذلك، لذا لنا أن نتصور كم طاقة امتلكها الباحث لجمع كل هذه المعلومات ليستطيع في النهاية أن يكون صورة واضحة لجندي مصري في جيش محمد علي. يبدأ الفصل الأول بعرض لحملة الشام 1840-1831 نظرا لأنها كانت أهم الحملات التي خاضها جيش محمد علي النظامي فيحاول المؤلف في هذا الفصل أن يربط بين هذه الحملة وغيرها من حملاته بل يحاول ـ على العكس ـ أن يثبت أن هذه الحملة تختلف تماما عن الحملات الأخرى سواء من حيث أهدافها أو طريقة ادارتها فخصص ما يزيد على ثلاثين صفحة لعرض بداية هذه الحملة وأهم معاركها وتحليل صلح كوثاهية المبهم الذي أنهى الجولة الأولى من المواجهة العسكرية بين محمد علي والسلطان محمود الثاني. في مقدمة الفصل الثاني الذي يحمل عنوان مولد جيش صورة تتصدر وتلخص ما سوف يليها من أفكار، في زيارة الى سوق قروي في بني سويف عام 1842 وصف رحالة انجليزي مشهد الفلاحين الفقراء رجالا ونساء وهم يجلسون القرفصاء ويبيعون منتجاتهم المتواضعة يقول: وسط هذه الأشياء لاحظنا عددا من ضباط الفرسان كأنما يريدون أن يشعروا الفلاحين بحقارة ملابسهم المتواضعة، ظهروا في بذلهم الفاخرة المبرقشة على ظهور خيول مطهمة يعدون بها فوق الأكوام العالية ويهبطون ثانية وهم يكبحون جماح خيولهم المندفعة بحيوية في منتصف القفزة ويرتدي قائدهم عباءة قرمزية ورداء مطرزا وشالا ثمينا مع حصان وسيف معقوف فبدا بشواربه المنمقة الشقراء المحمرة كما لو كان فارسا جرماثيا. الأمر المثير في وصف الرحالة لدخول قوات الفرسان الجديدة الى هذه القرية الآمنة هو طريقته في جمع هذين العالمين المدني والعسكري فمظهر البذلة الفاخرة المبرقشة التي يرتديها الضباط تتناقض بحدة مع تواضع وبساطة الفلاحين وملابسهم ومنتجاتهم ويؤدي وضع العالمين جنبا الى جنب بهذه الطريقة الى ظهور فارق هائل بينهما، حيث يبدو الوضع القديم فجأة تقليديا ومتخلفا وعاديا بينما يبدو الجديد ديناميكيا ونابضا بالحياة والقوة، بحيث لا يجد المرء رابطة تذكر بين الفلاحين البسطاء في قريتهم الصغيرة الآمنة وضباط الفرسان المسرعين في عباءاتهم القرمزية وتصبح الطريقة الوحيدة لظهورهما معا في نفس المشهد هو فرض أحدهما على الآخر. في هذا الفصل يكشف الكتاب عن أصول فكرة اقامة جيش نظامي حديث والمؤشرات التي حفزت محمد علي على ذلك مفسرا الارتباط بين الجيش والدولة الحديثة التي أنشئت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وما هي المرجعية التي أسس محمد علي الجيش وفقها والنظرة التي وفقها كان المصري ينتفع من أرضه بعد فشل محاولة استخدام الألبان والعبيد المستجلبين من السودان، لذلك نجد محمد علي عمل على تجنيد المصريين من الصعيد واحلالهم محل الجنود الأتراك الذين احتجوا لسبب أو لآخر على ارسالهم الى السودان! وقد تقرر أن يجند الجدد لمدة ثلاث سنوات فقط يحصلون في نهايتها على تذكرة مختومة يسمح لهم بالعودة الى قراهم. وبدأ الجنود الجدد التدريب في معسكرات في أسوان بقيادة محمد بك لاظ أوغلي وكتخدا نائب الباشا®. خطوة خطوة يسير الكتاب مع المجندين الشبان الجدد الذين بدأوا بألفين وخمسمئة ثم أربعة آلاف وتجاوزوا الثلاثين ألفا في أقل من عام ووصلوا الى 130 ألف جندي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر والطرق التي كانت تتبعها السلطة في تجنيدهم وتوظيف مشايخ القرى والعربان في هذا الجلب للسلطة ومحاولات النفر المصري المقاومة والتي كانت تصل الى قطع الأعضاء أو تعمد الاصابة بالعمى أو احداث درجات من تشويه الجسد أو ترك الأفراد لديارهم لتجنب التجنيد وهذه هي أصعب مشكلة واجهت محمد علي وأجهزته العسكرية فالباشا لم ينجح مطلقا في اقناع الفلاحين بالالتحاق بالجيش بارادتهم الحرة عن طريق توظيف الحجج الايديولوجية أو الدينية. لم يتحمل محمد علي ذلك لأن الفارين بالاضافة الى تهربهم من التجنيد سيتركون بفرارهم الارض بائرة بلا رعاية®. فأمر الباشا مشايخ الحارات بالعثور على الفارين الريفيين والامساك بهم واعادتهم لقراهم إلا أن عدداً كبيراً من مشايخ القرى تواطؤا مع الفلاحين بقبولهم الرشاوي مقابل عدم تسليمهم. وكان لابد من ايجاد حل لهذا الوضع الذي وجدت فيه السلطات نفسها تحت رحمة مشايخ القرى والنظار وعرضة لمؤامراتهم فأدخلت تقنيات مراقبة جديدة لتتمكن من احكام السيطرة على السكان في كل من المدن والريف. فمثلا أصدرت السلطات قرارا بالزام كل قروي يحمل تذكرة «شهادة مختومة أو جواز مرور» تبين اسمه واسم أبيه وصفاته الجسمانية وقريته. وذلك محاولة منها للحد من هجر الفلاحين لقراهم والهرب الى قرى أخرى مجاورة حيث يمسك بهم مشايخ تلك القرى. فإذا وجد الفلاح بغير هذه التذكرة يعاد فورا الى قريته. كذلك لجأت السلطات لطريقة أكثر راديكالية وهي وشم أجساد بعض الجنود لتسهيل القبض عليهم في حالة الهرب، كذلك اتجهت السلطات تعزيزا للمراقبة وإحكاما للسيطرة الى تعيين حراس مخصوصين لمنع المجندين الجدد من الهرب وهم في طريقهم الى مراكز التجنيد، كما طلب من العربان أن يسلموا أي هارب الى السلطات وفي نهاية الأمر عهد بهذه المهمة بالذات الى قوات خاصة هي أورط البلطجية «أي القائمة بأعمال الهندسة العسكرية» التي كانت مهمتها الأصلية حراسة أعمال السخرة في عملية تطهير ترعة المحمودية. وفي الفصل الثالث من الكتاب يقوم المؤلف بتحليل نظام العزل والمراقبة الذي كان يقصد به أن يكون حدا يفصل الحياة في معسكرات التدريب عن الحياة المدنية خارج المعسكرات فتم عزل الجنود عن التأثيرات الخارجية باعتقالهم في معسكرات تدريب معزولة تماما. فعزل الجنود في ثكنات ومعسكرات تدريب ومدارس عسكرية هو الخطوة الأولى الأساسية في خلق جندي محترف منضبط. وكان لعملية الاعتقال عدة أهداف أخرى أحدها بل أهمها هو تقليل احتمال النزاع مع السكان المدنيين لأن المشكلات مع المدنيين تزداد خطورة أثناء زحف الجيش أو حين يقيم في مقاطعات مفتوحة. وقد اعتقدت السلطات أنه يمكن التغلب على هذه المشكلة اذا تم اعتقال الجنود بدقة في ثكناتهم في هذا الصدد ظل العربان يلعبون دورا حاسما في حراسة المجندين بعد جلبهم الى معسكرات التدريب لكن الأمر لم يختلف عن حالة مشايخ القرى التي أشرنا اليها فقد أثبت العربان أنهم غالبا ما يشكلون خطرا على السلطات فكان عليها في أوقات متقاربة أن تستخدم الجيش ذاته ضد مختلف القبائل لتخضعها لسيطرتها لأن الاعتماد على أورط البلطجية لم يلق نجاحا كبيرا لأن هذه الأورط كغيرها كانت تعاني من تزايد حالات الهرب. يقوم المؤلف بعد ذلك بعرض سريع لكتيبات التدريب التي تقدم بطريقة أصولية رمزا للصورة شبه الآلية للجيش والتي تعكس الأنماط الحديثة للتحكم والمراقبة المتصلة بالسلوك والسيطرة المدققة في كل حركات المتدربين وايماءاتهم وطريقة العقاب فقد كان استخدام جسم المذنب كموضع للعقوبة شائعا في معسكرات الجيش مثلما كان شائعا خارجها. ففي الجيش كان الاستخدام المتكرر على نطاق واسع للفلقة والكرباج أحد وسائل تنفيذ العقوبات البدنية وكان العقاب أمام زملائهم®. منطق العقاب العلني لم تمله فقط الحاجة الى اخضاع المشاهدين بارهابهم ولا الحاجة الى تحقيق رابطة بين الجريمة والعقاب ولكن أملاه أيضا هدف تذكيرهم بالهوة التي تفصل جسم المذنب الهامشي المعرض للتدمير عن الجسد المقدس المركزي للعاهل. لم تكتف السلطات بالعقوبات الجسدية والسجن والسيطرة على تحركات المجندين بل شعرت بالحاجة الى التفتيش على سكونهم وتحليله عن قرب فأقيم نظام صارم لخلق حضورهم والتفتيش عليه وبالمثل كان لابد من معرفة الغياب واثباته وتفسيره. وقد اتضح أن أقوى اداة في السيطرة على الرجال وأنشطتهم وأجسامهم لا تزيد على قطعة من الورق كشف التمام وكشف الجرد فعن طريق هذه الكشوف توصلت السلطات الى ملاحظة حضور الجنود وغيابهم فوفقا لكشف الجرد تجري المحاسبة على المعدات وتوزيعها وعن طريق دفتر يومية الاسبتالية يتم توزيع المرضى على الاسبتاليات وعزلهم عن بعضهم البعض وتصنيف أمراضهم بشكل منظم. يبدأ الفصل الرابع بوصف للمعركة الرئيسية التي خاضها جيش محمد علي ضد الجيش العثماني وهي معركة قونيه 1832 فبرغم أن الجيش المصري حقق نصرا حاسما في تلك المعركة فقد تبين أن ثمة قائدا كبيرا برتبة ميرلوا قد ارتكب أخطاء عظيمة وهو أداء يثير الدهشة بعد قراءة القوانين واللوائح وكتيبات التدريب التي بينتها الفصول السابقة ويبرز المؤلف التعارض بين الطريقة المتماسكة الشبيهة بالألية التي كان يفترض أنها تشكل طريقة عمل الجيش وروايات مختلفة عن الاداء الواقعي للجيش ويفيد ابراز هذا التعارض في تقديم تيمة وهي الهوة التي تفصل القوانين العسكرية المختلفة عن الطريقة التي تطبع بها في الواقع!! ويواصل المؤلف الطريق فيحاول أن يقدم رؤية شاملة للجندي المصري ليس في ميدان المعركة فقط بل في المعسكرات والثكنات حيث يحيا ليستعيد عافيته من آثار المعارك الماضية أو ليستعد للمعارك الجديدة وقد سلط المؤلف الضوء على جانب واحد بعينه من جوانب الحياة اليومية للجنود في المعسكرات فرسم صورة لأسلوب السلطات في محاولة للتأكد من سلامة الجنود من الأمراض والسيطرة على صحتهم العامة. فإلى جانب التغذية والكسوة والتدريب أولت السلطات اهتماما كبيرا لحالة الجنود الصحية والجسمانية. غير أن الأمر أو المرض الذي لم يستطع محمد علي أن يتغلب عليه هو تفشي وباء «مرض الحنين الى الوطن» بين الجنود. فالاشتياق الى الوطن مرض يصيب في الغالب الجنود الجدد بسبب مفارقة أوطانهم وعيالهم والأشياء المألوفة عندهم وذلك ما يوقعهم في غم شديد وسقم وذبول وأحيانا يؤدي الى الموت. لذا عمل كلوت بك كبير أطباء الجيش على تسلية الجنود حسب الامكان بالوعد بالرجوع الى الوطن قريبا وبتطليق الاشغال والخدمة المطلوبة منهم. وتناول المؤلف بالتفصيل بعض المشكلات التي واجهت السلطات وهي تحاول أن تعالج الجنود وتحديدا الحالة المزرية للمستشفيات وعدم كفاءة الأطباء ومقاومة الجنود أنفسهم فعملت على فهم الأسباب وراء الفشل الواضح في منع انتشار الأمراض بين الجنود فأيا كان مدى نجاح الأطباء في علاج الزهري فإن الأمر كان يتطلب نظام سيطرة محكماً على حياة الجنود الجنسية وحظرا صارما على دخول النساء الى الثكنات وكلاهما فشلت فيه السلطات. ويثير الفصل السادس السؤال المركزي عن الدور الذي لعبه الجيش في خلق النزعة القومية المصرية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر فعن طريق تحليل رؤية الباشا وضباطه وجنود للجيش وللمعارك التي قاتلوا فيها®. يعيد المؤلف اختبار الادعاء الشائع بأن سكان مصر قد توصلوا ـ حين يسمح لهم بحمل السلاح للمرة الأولى منذ قرون ـ الى اعتبار أنفسهم يشكلون شعبا محددا له هوية منفصلة وشخصية جماعية. بعد ذلك يختم الفصل قصة الارتباط الافتراضي للجندي بالجيش بالهرب طبعا ثم يحاول أن يجيب على السؤال المحرج وهو: كيف كان بمقدور جيش كان جنوده كارهين لتجنيدهم سحبوا اليه ضد ارادتهم أن ينجح في تحقيق تلك الانتصارات المشهودة التي حققها جيش الباشا؟! القاهرة ـ اسلام الشيخ