بيان 2:اكثر من نصف نساء العالم اللاتي اجبن على أسئلة منظمة الصحة العالمية حول خبرتهن النفسية والجسدية بشأن مرحلة سن اليأس أشرن إلى أنها تجربة بلا جدال محبطة، فقد اتفق على ذلك ثلثا نساء فرنسا وبريطانيا، في حين إن الألمانيات كن اقل معاناة من هذه المشاعر. اما النساء في بلادنا فهن يعانين من صعوبات عدة ويتحملن من مسئوليات ويعانين من تجاهل طبي واجتماعي وخاصة في مثل هذه السن فضلا عن أعبائهن من بعض مهملات العادات والتقاليد، يقعن في براثن توقعاتنا الصماء منهن بان يتحملن في صمت وبلا ادنى إيماءة للمعاناة. ففي الحقيقة ليس لديهن ما يستطعن إن يعبرن به عن أنفسهم فيما يخص خبراتهن في هذه السن الحرجة التي كثيرا ما تتغير فيها نظرتهن لأنفسهن وللحياة وبشكل يكاد يكون راديكالي فلا يستطعن مساعدة أنفسهن آو الاستعانة بمن حولهن لكي يتكيفن بشكل صحي دونما توقف او تدهور في مسيرة حياتهن. وهنا تأتى مسئولية المجتمع والأسرة، ومسئوليتنا نحن كمتخصصين في المساعدة والإرشاد والعلاج في قليل من الأحيان فللأسرة والمجتمع دور هام في تدعيم المرأة في مثل هذه السن الحرجة وقد لا يتأتى هذا بدون وعي واستيعاب لأبعاد التغير المحتمل وخلفياته البيولوجية الجسدية والنفسية، بهدف الوصول بالمرأة إلى نقطة التوازن الصحية والتأقلم مع الواقع و إعادة الانسجام مع نفسها ومع محيطها العائلي والاجتماعي والعلمي. فواقع الامر إن هذا التغيير الجلل الذي يحدث للمرأة له انعكاسات حادة على أسرتها ومن يحيطون بها، فضلا عن استقبالها هي له في كثير من الأحيان على انه صدمة أو مفاجأة، هذا وهناك الكثير من النساء من هن اكثر قدرة على التكيف مع هذا الواقع بتفاؤل ومقدرة ومرونة بحكم تركيبتهن الشخصية ومواكبتهن لكل مراحل حياتهن في توازن وإيجابية دونما إفراط في الاعتماد على جوانب دون أخرى في حياتهن وان كانت الحياة مختلفة عما كانت عليه وليست على غرار الماضي. اما عن طبيعة الأعراض التي تعاني منها النساء فيما بعد سن منتصف العمر والتي تتراوح بين السن 45 إلى 55، والتي تواجه 85% منهن فهي أعراض نفسجسمانية مثل:الصداع والقلق والتوتر النفسي عموما والاكتئاب والتقلبات المزاجية وردود الأفعال السلوكية الحادة غير المتوقعة وضعف بعض القدرات الذهنية كالتركيز والذاكرة فضلا عن آلام الظهر والوهن العام وزيادة ضربات القلب وعدم تحمل الجو الحار وغيرها. ولكن لماذا تحدث هذه التغييرات في مشاعر وأحاسيس المرأة وردود أفعالها ؟ وماذا وراء الأعراض الجسمانية ؟ ولماذا تعاني امرأة بين كل خمسة من أعراض اكتئابية في مثل هذه السن ؟ ولفهم هذه الظاهرة يهمنا ان نطرح بعض الحقائق العلمية الهامة: أولا: ليست كل النساء يعانين من أعراض انقطاع الطمث بنفس الحدة، فمنهن من تضطرب بسبب عرض بعينه دون الآخر وتبدو الانعكاسات السلبية على حياتها نتيجة هذا العرض، وتضعه في الصدارة عند طلب العلاج وهناك ظاهرة إكلينيكية نلاحظها في كثير من النساء البدينات حيث وجد أنهن محظوظات عند بلوغهن هذه السن إذ تقل أعراض انقطاع الطمث عندهن بدرجة واضحة عن غيرهن من النساء، إما التفسير البيولوجي لهذا فقد وجد إن الخلايا الدهنية تصنع وتفرز صورة من صور هرمون الاستروجين تسمى الاسترون حيث تعوض الكثير من النقص الذي يحدث في الاستروجين وتقوم بوظائف بيولوجية مشابهة لما يقوم به الهرمون الأصلي، هناك أيضا المحظوظات من النساء غير البدينات اللاتي تفرز أجسامهن مزيدا من الاسترون بمجرد توقف المبيضين عن إفراز الاستروجين حول سن اليأس. ثانيا: قصة الاستروجين تبدأ مع المرأة منذ زمن بعيد قبل البلوغ وحتى قبل الولادة، فانه يترك بصماته الواضحة على جسدها وعقلها منذ ان يتحدد جنسها داخل رحم أمها بمجرد اندماج البويضة والحيوان المنوي، فهرمون الاستروجين لا يساعد المخ على النمو في مراحله الأولى فحسب، بل يستمر يهيمن على القدرات الذهنية والنفسية للمرأة على مدار مراحل العمر بأكملها. ثالثا: الكثير من الأبحاث السريرية والدراسات المعملية ألقت الضوء على بعض الفروق بين الرجل والمرأة كتفوق الرجال في العلوم الحسابية وتفوق المرأة في دراسة اللغات، فضلا عن بعض الميزات في القدرة السمعية والإدراك والتجاوب للغة تعبيرات الوجه والجسد فكلها فروق وليدة السيطرة الهرمونية على المخ في مراحل نموه الأولى وتتابعاتها خلال الحياة بالدرجة الأولى. رابعا: أثبتت التجارب والأبحاث أيضا ان هرمون الاستروجين يزيد ويثري الاتصالات بين الخلايا العصبية في مناطق معينة بالمخ وهي المناطق التي تسيطر على الوظائف العقلية كالذاكرة وغيرها، كما يزيد هذا الهرمون من إنتاج مادة الاستيل كولين وهي المادة الكيميائية التي ثبت نقصانها في حالات فقدان الذاكرة او العته المسماة بالألزهيمر. خامسا: إما عن أهمية هذا الهرمون في علاج الأعراض الناجمة عن إزالة المبيضين والرحم جراحيا عند النساء اللاتي يبلغن سن اليأس لأسباب لها علاقة بالنزيف الشديد او الأورام الخبيثة، فقد ثبتت فائدته في إعادة التوازن النفسجسدي عندهن وتحسن حالتهن المزاجية ووظائفهن العقلية. سادسا: وعلى الجانب الآخر هناك بالطبع اضطرابات نفسجسدية أيضا تنجم عن ارتفاع نسبة هذا الهرمون بشكل غير طبيعي أو مفاجئ أو غير متوازن مع الهرمونات الأخرى الأنثوية وغيرها، فهناك الكثير من الحالات التي تعاني من اضطرابات أثناء الحمل أو بسبب تعاطي أقراص منع الحمل التي تسبب زيادة نسبة هذه الهرمونات بالدم، وهناك من النساء من يكن شديدات الحساسية لأي نسبة ارتفاع ولو طفيفة وفضلا عن هذا اضطرابات نفسية حادة تعاني منها النساء بعد الولادة بسبب النقص الحاد لهذه الهرمونات وقد يصل الأمر إلى الاكتئاب الذهني وغيره من الأمراض النفسية والعقلية الأخرى، فالتوازن الهرموني هام جدا للتوازن النفسي والجسدي للمرأة. فالمرأة فيما بعد منتصف العمر لديها العديد من الأسباب التي تجعلها فريسة سهلة للقلق والتوتر والاكتئاب بكل أعراضه النفسية والجسدية فهي أولا وأخيرا كائن بشري يحيا ويتنفس ويتأثر بكل من يحيا ويتنفس حولها سلبا وإيجابا فالمرأة في مثل هذه السن تتأثر بشكل مبالغ فيه بتفاعلات زوجها وردود أفعاله تجاهها، فبينما هي تحيا وتغوص في مخاوفها والتغيرات التي تطرأ عليها ربما يكون هو غارق في مسئولياته العملية وتطلعاته وطموحاته المختلفة مما يشعرها بالتجاهل وربما اللا قيمة والوحدة مما يزيد من مخاوفها، فقد وجد في دراسة ميدانية ان اكثر من 25% من الأزواج كانوا غير مدركين معاناة زوجاتهم الخاصة بهذه المرحلة من العمر، وبالتالي لا يستطيع استيعابها واحتواء عناصر القلق والتوتر المحيطة بها وهى فى أمس الحاجة لذلك، هذا فضلا عن موقف الأبناء الذين يبدؤون التطلع لحياتهم بشكل استقلالي بعيدا عن الأم، وبينما يكبرون ويتطلعون يثيرون قضايا مختلفة ويمثلون مشكلات تربوية وعلاقات جديدة بالنسبة للآباء والأمهات. أما فى نطاق العمل والأصدقاء والحياة العامة فالمسئولية تكبر والتحدى يصعب والتهديد بعدم القدرة على الاستمرار بنفس الكفاءة يلوح فى الأفق بشكل مؤرق ومع تزايد المسئوليات يتزايد الإرهاق، والإرهاق والتعب هما ألد أعداء الاستقرار النفسي، مما يجعل الأعباء غير محتملة والمعارك محتدة. أن التغييرات التي تطرأ على المرأة في مثل هذه السن تكون بمثابة صرخة استنجاد بمن حولها وما حولها بل هى صرخة استنجاد لها هى ذاتها لكي تشحذ كل ما لديها من إمكانات وطاقات، ونجاحات سابقة وحالية ومتوقعة مستقبليا، وذكريات وعلاقات لتدعم وضعها الحالى الوهن فتخلق مجالات حياتية عاطفية وعملية أكثر ملائمة لتستطيع أن تكمل المسيرة فى توازن وأمان. د. مها وصفي مباشر مدرس الطب النفسي ـ كلية طب القصر العيني