كل دولارات العالم كوم ودولارنا العظيم في مصر كوم تاني.. فنحن شعبا وحكومة لا نحب ان نهين احدا في بلادنا، نحن قد نهين انفسنا ولكن لا يمكن ان نهين غريبا، وبما ان الجنيه منا وعلينا يعني بتاعنا فشيء طبيعي اننا نهينه وشيء طبيعي ايضا ان يتحملنا عندما نهينه ولكن الدولار ليس منا وغريب عن بلادنا لذا يصبح لزاما علينا ان نحترمه ونقدسه ونكبره ونجعله فوق كل كبير في البلد بدءا من الجنيه الغلبان وانتهاء بالمواطن المصري الأغلب.. زمان في الستينيات اذكر انني رأيت هذا المبجل العظيم المسمى دولارا لأول مرة عندما كنت صغيرا ولم يعجبني لونه او شكله وعندما امسكت به لأول مرة ظللت اقارن بينه وبين الجنيه فقد كان الجنيه ضخم الجثة عريض المنكبين مصنوعا من ورق له صوت جميل وكان يحلو في المرات القليلة التي امسكت فيها بالجنيه المصري القديم ان امسك به من طرفيه واحركه بطريقة تجعله اذا كان ورقة جديدة يصدر صوتا جميلا كان يطربني بشدة، ومازلت اذكر هذا الصوت حتى يومنا هذا بعد ان شاركنا جميعا في مصر بتشييعه الى مقبرة الخلود واستبدلناه الآن بورقة بنية كالحة لا وزن ولا صوت ولا طعم ولا قيمة لها.. اعود فاقول انه عندما امسكت بالدولار لأول مرة وكانت هذه مصادفة لم تتكرر الا بعد سنوات طويلة جدا كان يوم ان طلب مني ابي رحمه الله ان ارتدي افخر ثيابي لاننا سوف نذهب الى زيارة عمتي ناظرة المدرسة العائدة من الكويت بفيلتها في روكسي، وكانت عمتي التي لا ادري اذا ما كانت لاتزال حية ام توفيت فقد انقطعت اخبارها عنا فيما بعد نتيجة فروق الثروة وعلى كل فليرحمها الله حية وميتة من الدفعات الاولى للبعثات التعليمية التي ارسلها الزعيم الخالد جمال عبدالناصر للمساهمة في الحركة التعليمية بالكويت وبعض البلدان العربية الاخرى وعلى ما اذكر كان ذلك في مطلع الستينيات وغابت عمتي سنة وبعد ان عادت علم ابي من امه رحمها الله ان عمتي قد رجعت في اجازة من الكويت وكان لابد ان نشد الرحال من امبابة الى روكسي في اول مصر الجديدة وكانت بالفعل مصر الجديدة لاتزال جديدة وتختلف تماما عن مصر الجديدة الحالية، بينما بدأت انا بمعاونة امي ارتدي ملابسي الفاخرة والحذاء الذي اشتراه ابي لي من محلات زلط وكانت شهيرة جدا في الستينيات خرج ابي ليتسوق لزيارة عمتي من فاكهة المانجو والبطيخ والعنب وغيرها اضافة الى ذكر البط الذي كانت تشتهر امبابه آنذاك بانتاجه سمينا وضخما لدرجة التوحش وخلال رحلة ارتداء الملابس على طريقة امي بدأت الاخيرة في تلقيني بعض التعليمات، لا تمد يدك على شيء مما ستراه في بيت عمتك لان زوجها رجل بخيل وعنيف وممكن يضربها لو اخذت حاجة منهم واذا اعطتك نقودا فلا تأخذها ابدا منها واذا وضعت لكما طعاما فلا تمد يدك الا آخر واحد واذا أكلت تكون اول القائمين من على المنضدة لان هؤلاء ناس جوعانة وممكن يعايرونني بك.. حفظت كلام امي ومضيت مع ابي الى العالم الجديد على ذهني وبصري استوقف ابي تاكسيا ادار سائقه مقبضا اصفر في مقدمته يشبه صنبور المياه في بيتنا وبدأت الارقام تظهر ولكن كان اول رقم ظهر هو «6» قروش وذهلت كيف استهلكنا «6» قروش ونحن لم نتحرك بعد وتشائمت وقلت في سري مشوار خسران من اوله.. المهم سارت بنا سيارة التاكسي عبر امبابه وطريق النيل ثم كوبري الزمالك ومنه الى وسط القاهرة وعبر طريق طويل مضت بنا السيارة حتى وصلنا الى منطقة رائعة نظيفة يتوسطها قصر قال لي ابي ان جمال عبدالناصر يزور احيانا هذا القصر فظللت انظر نحوه باعجاب شديد واحسد الحراس الواقفين على بابه والذين يمكنهم رؤية جمال عبدالناصر شخصيا.. وتمنيت ان اكون واحدا منهم عندما اكبر كي أرى عبدالناصر عن قرب ولكن لا عبدالناصر عاش ولا انا عملت في الحرس الجمهوري.. المهم وصلنا بيت عمتي وبالفعل حدثت مراسم الاستقبال لي ولوالدي كما وصفتها امي لي بالضبط، ونفذت انا تعليماتها كما حددتها لي وفي نهاية الزيارة اخرجت عمتي ورقة خضراء الوانها متناسقة وكلها كتابة باللغة الانجليزية وفي منتصفها صورة لرأس رجل ذي شعر طويل وشكله غريب ويبتسم ابتسامة غريبة ومكتوب على اطرافها ووسطها رقم «10» وقال لي ابي خذها من عمتك ورغم اني كنت مصمما على تنفيذ تعليمات امي حتى النهاية الا ان شكل هذه الورقة اثار فضولي فقررت اخذها في خجل مصطنع ودسستها في جيبي لحين خروجنا من بيت عمتي فأكتشف امرها بيني وبين نفسي مع الاستعانة بالطبع بوالدي. عندما خرجنا اخبرني والدي ان هذه فلوس امريكية وان اسمها دولار وقيمة الورقة «10» دولارات، سألته بلهفة يعني كم جنيها قال على حد علمي «4» جنيهات. عندما عدت لامي رويت لها قصة هذه الفلوس الغريبة فردت قائلة اخس عليها «وليه» بخيلة بدل ما تعطيك «5» جنيهات تعطيك ورقة ملونة لا تودي ولا تجيب.. انا كنت عارفة دول عالم «دون» ودون هذه في عرف امي وبلهجتها الشعبية تعني البخل او الاشد بخلا. لم يعجب امي بالطبع ان آخذ مبلغا لا يودي ولا يجيب بدلا من إعطائي جنيهات مصرية بالوانها الجميلة واحجامها الفخمة واعطتني ورقة واحدة مسخوطة ولا نعرف ماذا نفعل بها..! لم تهتم امي كثيرا بهذه العملة ولم تسألني عنها فقد رمت طوبتها فهي علي أي حال لن يتم صرفها بسهولة واذا صرفت فانها لن تكمل «5» جنيهات وبالتالي لا تستحق مغامرة البحث عن تاجر سوق سوداء لصرفها من عنده حيث كانت أمريكا وعملتها وأي شيء له علاقة بها في القائمة السوداء المصرية الناصرية وطبعا كان هذا أفضل وها نحن جربنا الآن الاقتراب من أمريكا فماذا كسبنا..! ترك ابي وامي أمر الدولارات العشر ولم يفتحا موضوعها معي وفي أول يوم جمعة قررت ان اسأل اولاد الذوات من اصدقائي كيف يمكن التصرف في هذه الدولارات اللعينة وتحويلها الى جنيهات جميلة من التي اراها مع ابي او كل شهر عندما يقبض راتبه، واشار ابن احدهم وكان والده ممثلا سينمائيا ومن سكان الزمالك الذين اضطرتهم ظروفهم الدراسية الى دخول مدرستنا الثانوية في امبابه وقال لي ان هناك متجرا صغيرا يتعامل في التحف والانتيكات مع السياح هو الوحيد الذي يمكن ان يصرفها لي.. وبالفعل سيرا على الأقدام وصلت الى الزمالك وحدي وتوجهت من فوري الى المحل المذكور واخبرت الرجل ان معي عشر دولارات وما ان سمع هذه الكلمة شخط في بصوت عالٍ وطلب مني ان العب بعيد وقال لي «هو انت واهلك لاقين تاكلوا علشان تغير دولارات.. روح العب بعيد يا بني احسن لك» لكني لم العب بعيدا وعاودت الكرة هذه المرة وانا الوح له بالدولارات فوضع الرجل يده على فمه رعبا ودفع بي داخل المحل وسألني من اين حصلت عليها فاخبرته بالقصة وظل يقلبها في يده ويسمع صوتها واخيرا دس يده في درج النقود واخرج «3» جنيهات وقال لي والله واقعة علينا بالخسارة لكني سألته بالحاح.. لماذا هو الدولار بكام..؟ فقال لي بـ «25» قرشا وانا حسبته لك باكثر من ذلك علشان انت ولد كويس.. هيا انصرف.. وعندما اخبرت امي بما حدث قالت لي اهم احسن من المخفية «الدورارات» انصرفت ولم أعد له ثانية، وحينما اكرمني الله وعملت بالامارات بدأت اعتاد على الدولار وفي آخر زيارة لمصر كنت اسير في الشارع بوسط القاهرة بالقرب من محلات الصرافة التي اغلقها الدكتور عاطف عبيد لاجد بعض السماسرة يهمسون لي عن بعد تغير يا بيه.. الدولار بـ «5.5» جنيه.. فقلت لهم.. آخذ رأي امي الأول..