بيان الكتب: ياسوناري كواباتا روائي ياباني حاز على جائزة نوبل في الأدب سنة 1968. ولد في اوساكا سنة 1899 ومات منتحرا باستنشاق الغاز سنة 1972 وهو في قمة مجده. تخرج من جامعة طوكيو سنة 1924 متخصصا في الأدب الكلاسيكي. ترجمت العديد من أعماله الى اللغة العربية. وفي مرحلة مبكرة من حياته فقد معظم افراد عائلته فعانى من الوحدة في صباه، كما عانى منها في شيخوخته وهو ما انعكس في نتاجه الأدبي خاصة في روايته الجميلات النائمات. وتعتبر كتاباته صدى للنماذج اليابانية القديمة في النثر. تأثر بالأداب الفرنسية المعاصرة بعد الحرب العالمية الاولى كالدادائية والتعبيرية كما شارك فيما يعرف بالحركة الحسية وتأثر بقوة لفترة بالسريالية. اثار انتباه الأدباء والنقاد منذ صدور مجموعته القصصية الاولى «راقصة اوزو سنة 1952»، أي بعد تخرجه من الجامعة بسنة واحدة، وهي المجموعة التي ترجمها الى العربية باسم حجار. ساهم في اصدار العديد من المجلات، وأشاد النقاد بنزعته الغنائية وشاعريته. ترك بصمة مميزة في الادب الياباني بعد أن ساهم في اثراء ذلك الادب. قال يوما: يكفي غصن شجرة إذا كان مرسوما باتقان لكي يسمع صوت الرياح. من أشهر اعماله بلد الثلوج سنة 1948، ألف لقلق وصوت الجبل سنة 1952، والبحيرة سنة 1959. والجميلات النائمات سنة 1960. كان شيمامورا المسافر بالقطار يرقب من زجاج النافذة منظر الفتاة يوكو وكأنه يتأمل لوحة فنية أسرته في فتنة خرافية وخارقة فظل مسحورا بالبهاء الغريب لذلك الوجه العابر في المنظر الليلي، حتى انه سها عن نفسه اذ تملكته فتنة تلك اللعبة حائرا فيما اذا كان يحلم ام لا وهو يرى في عينيها التماع البريق الجبلي البعيد. حدث كل ذلك في الوقت الذي كانت فيه الفتاة يوكو ترقب ذلك الكائن المتدثر من البرد المرافق لها والجالس امامها وترعاه بحرص وكأنها تخشى ان يصيبه مكروه في غفلة منها. وبعد وصول القطار الى المحطة فقدت النافذة سحرها كمرآة وزحف الليل محتلا مكانها. وسرعان ما أدرك شيمامورا ان الفتاة ورفيقها المريض ينزلان في محطته نفسها. ويبدو أن وصولهم تزامن مع موسم الثلوج. وربما كان شيمامورا بحساسية المتبطل الأقرب الى الأنانية، يتمتع بنوع خاص من الحدس يؤهله من دون سواه الى اكتشاف اعمق ما في طبيعة الأمكنة التي يحل فيها. ودون ان تغتره مظاهرها السطحية كان يهتدي الى طابعها الحميم والحقيقي الذي لا يعكسه المظهر الخارجي دائما. اذ أنه لم يلبث أن أدرك في النزل فور وصوله اليه أنها إحدى أكثر البلدات ازدهارا في كافة الأنحاء المجدبة لبلد الثلوج. وحتى تاريخ افتتاح خط السكة الحديد مؤخرا كانت منطقة الينابيع الحارة لا تستقبل، ولاسباب طبية سوى أناس من سكان الجوار. لذلك فإن كل ادارة تستخدم فتاة «جيشا» تحولت خلف يافطتها الحائلة الى صالة شاي او مطعم لا يرتاده الناس الا فيما ندر! وهناك تعرف شيمامورا على فتاة رقيقة تسمى كوماكو لم تبلغ عامها العشرين، عازفة على آلة الساميسن وتقيم في دار استاذة الموسيقى المشلولة والعاجزة عن النطق، كانت قد تحولت الى فتاة جيشا، وذلك يعني انها تقوم بما يطلبه منها الرجال، وفيما بعد علم ان سبب ذلك تضحية منها كي تساعد خطيبها المريض وتوفر له تكاليف العلاج، وهو امر جعله يردد مع نفسه: ان ذلك يشبه مشهد الميلودراما الأكثر ابتذالا، قال لها: سنبقى أصدقاء، وتمنى ذلك. غير أن نعمى الحياة الشهوانية النهمة غلبته. وسرعان ما غادر بعدها الى طوكيو. ظلّ شيمامورا يتردد لرؤية كوماكو او يدعوها الى طوكيو، وعلم فيما بعد ان كوماكو لم تكن خطيبة يوكيو الرجل المريض الذي تصادف وجوده في العربة نفسها عند أول رحلة له ويلقى العناية الفائقة من مرافقته يوكو والذي مات متأثرا بمرضه، تلك الفتاة الجميلة التي سحرته طوال الرحلة وأعجب بصوتها العذب النفاذ. كان شيمامورا برفقة كوماكو التي تمنت ان يربّي شاربيه ويشعر بثقل اسرها له عندما شب حريق في نزل استاذة الموسيقى، اندفع الناس لاحتواء النيران التي تلتهم المكان بسرعة وتسمع طقطقة سعيرها وسط مشاعر الخوف والهلع. انتحبت كوماكو في الوقت الذي طوقت ذراعا شيمامورا كتفيها محاولا تهدئة روعها. وفجأة تذكرت ان هناك عرضا سينمائيا يعرض في المخزن ذلك المساء فحررت جسمها وانطلقت باتجاه النيران التي أتت على النزل، تبعها شيمامورا، وهناك شاهدا كيف يلقون بالاولاد واحدا تلو الاخر من أعلى الرواق. لم يمض وقت طويل عندما علت صيحة من بين صفوف المحتشدين اذ رأت عيونهم الشاخصة جسم امرأة يهوي، ورغم أنه لم يستغرق في سقطته سوى بضعة أعشار من الثانية قبل أن يرتطم بالأرض الا أن جميع العيون الشاخصة سجلت السقطة القاتلة في أدق تفاصيلها. أطلقت كوماكو صرخة مدوّية وقد غطت وجهها براحتيها بعدما تزامنت صيحتها مع صرخات الجمع المحتشد، في الوقت الذي ادرك فيه شيمامورا ان الجسم الهاوي هو جسم يوكو!! لم يوقظ السكون في جسم يوكو أي صورة للموت في روع شيمامورا، هو نفسه لا يعرف لماذا؟! كان يتأملها كأنها في حالة تحول، او في مرحلة انتقال من شكل مألوف لحياة الجسم الى شكل آخر. ولكن شيمامورا لم يتمالك تأثره العميق عندما أعادته الذكرى الى الأنوار المدهشة المبعثرة هناك في اعلى الجبل وقد انعكس بريقها على ملامح يوكو المثيرة في مرآة النافذة الغسقية اثناء رحلة عودته للقاء كوماكو، هنا فقط انتابته مشاعر الأسى وأثقل الحزن صدره. حدث كل ذلك في الوقت الذي ادرك شيمامورا من قبل وهو يمسك يد كوماكو التي كانت ساخنة، ودون ان يدري لماذا، احس بفراق وشيك وبأن شيئا يحتم عليهما ذلك الفراق. اما كوماكو فقد خاطبته قائلة: عندما تغادر سأستعيد سلوكي اللائق.. والكاتب ياسوناري كواباتا اراد في روايته «بلد الثلوج» ان يقول ان يوكيو المريض لا يحيه سوى الفن الياباني الأصيل المتمثل في فتاة الجيشا، وليس مصادفة ان يكون اسم يوكيو القريب من اسم طوكيو عاصمة اليابان التي تمثل كل اليابانيين. ولذلك لا نجد اي استغراب عندما يذكر كواباتا على لسان بطل روايته شيمامورا جملة مثل: ان اهل طوكيو يكذبون دائما ولذلك لا أطيق رؤياهم. ولذا فقد جاء موت يوكيو كأمر حتمي، أعقبه حتمية فراق كوماكو وشيمامورا المتبّطل. وبعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية حدثت ظاهرة الانتحار الجماعي على شواطيء اليابان الصخرية وهو الأمر الذي يذكرنا بانتحار الحيتان. كما يمتاز رجال الساموراي اليابانيون بطريقة فريدة في الانتحار بدفع السيف الى عمق أجسادهم حتى الموت. ولعل الهجوم العنيف والمفاجيء على بيرل هاربر، وما قام به رجال الكاميكاز من هجمات انتحارية وما فيه من تضحية لدفع الهزيمة عن بلادهم خير دليل على صلابة اليابانيين، وفي حكاية الجندي الياباني الذي عثر عليه في غابات الفلبين بعد مرور أكثر من عشرين سنة على نهاية الحرب العالمية الثانية بعد موت رفيقيه حاملا سلاحه لمواصلة الحرب التي لم يعلم بنهايتها دليل آخر على الروح القتالية الخاصة التي يمتاز بها اليابانيون في مواجهتهم للحياة. الحياة التي أنهاها ياسوناري كواباتا بطريقته الخاصة!