بيان الكتب: مبحث هذا الكتاب يرتكز على «التفكير في المابين»، من خلال تبني نظرية للنصية تتخذ التفكيكية والهرمنيوطيقا مرتكزاً لها، او بتعبير «جيل دولوز»، حقلا للمحايثة، فتشيد بينهما نصية المحايثة، دون ان يعني ذلك الجمع بينهما، لأن ما يهمها هو «مكان المابين» بوصفه موضع النصيات المتعددة. وهذا يستلزم فحص النصوص الفلسفية المتنوعة، كي تظهر دلالة «مكان المابين»، وتغدو نصيته ممارسة للتفكير في بنى المعنى المتنوعة للنص، بصرف النظر عن هوية النص او مطابقاته. وبالتالي تتكشف النصية من خلال قراءة «تفكيكية قرانية» للنصوص الادبية والمناهج الفلسفية. وترتكز اطروحة «سلفرمان» في هذا الكتاب على انه «سيكون من الممكن اقامة المكان (او في الاقل مكان ما) الذي تعمل من خلاله التفكيكية فقط من خلال البحث خارج الظاهراتية عن ممارسة نظرية موازية، ومختلفة مع ذلك، وهذا المكان هو مكان الاختلاف، حيث يواجه الاختلاف الانطولوجي الهيدجري وجماليات جادامير غير التمييزية نظام الاختلافات لـ «دي سوسير»، وعليه يقدم قراءة تنهض على التمييز بين الظاهراتية الوصفية والظاهراتية الهرمنيوطيقية، حيث يعني الوصف الظاهراتي بمضامين الخبرة، سواء اكانت خبرة متعالية حسب وجهة نظر «هوسرل» ام وجودية حسب «سارتر» و«ميرلوبونتي»، بينما يشدد التأويل الظاهراتي او الهرمنيوطيقا على فعل التوسط بين المؤول والمؤول، ليتخذ التأويل مكانا في المابين، ويعرف التأويل بأنه «فعل ينتج فهما في حال نجاحه»، فيما يعني انتاج التأويل الوصول الى فهم المؤول. ويؤكد «سيلفرمان» على ان التأويل لا يمكنه التعامل مع الافتراضات المسبقة المتعالية التي تضعها الظاهراتية الوصفية في نسختها «الهوسرلية»، اذ لابد من فسحة حرية بين المؤول والمؤول يعمل من خلالها التأويل. غير ان ما يريد الوصول اليه هو الافتراق بين الوصف والتأويل، حيث تعنى الظاهراتية الهرمنيوطيقية بفعل التأويل اكثر مما تعنى بوصف، وعندها يصبح واضحا ان تأويل نص ادبي او قصيدة مثلا سوف ينتج فهما. وبعد هذا التمييز ينتقل «سلفرمان» الى الافتراق بين الهرمنيوطيقا والسيمياء، ليدرس هذا الافتراق انطلاقاً من تعيين مناسب لمكان التفكيكية في علاقتها بالهرمنيوطيقا، فيقيم تأملاً في وظيفة السيميولوجيا أو السيمياء كما وردت لـ «دي سوسير» و«هوسرل» و«بارت» ويرى ان المدلول هو مجرد مفهوم مرتبط بكلمة محددة في لغة معينة، لكنه يخلو من أية دلالة عند عزله عن سلسلة دلالاته. وبالرغم من ان التأويل الهرمنيوطيقي والتكوين الظاهراتي يستعينان بآفاق المعنى، فإن الاختلاف المهم هو التمييز بين المؤول والمؤول، حيث ينتج المعنى او يوجد في الاختلاف، فالاختلاف بمقتضى السيميولوجيا هو إرجاء، أو انزلاق، او انتقال من علاقة الى اخرى، سابقة أو لاحقة. لكنه بمقتضى الهرمنيوطيقا هو اختلاف مكاني وعامودي نظرياً، حيث يتموضع في المابين، اي حيث يحدث التأويل، اما الاختلاف الانطولوجي فهو المكان الذي تحدث فيه الحقيقة حسب «هيدجر»، على اعتبار ان الحقيقة عند الاخير هي حدث، تكشف، واظهار من الاحتجاب ويرجع «جادامير» فكرة الاختلاف الانطولوجي الى الخبرة الجمالية، بحيث تحدث الخبرة الجمالية في المكان الذي يشغله التأويل، مكان المابين، او المكان الذي يصبح فيه الاختلاف هوية، وهو مكان «اللعب»، مكان اللغة ايضاً، لكن اللغة تتكلم في الاختلاف الانطولوجي حسب النظرة الهرمنوطيقة، في مكان الحضور واللعب، بينما في النظرة السيميولوجية واللاتمييزية يكون تركيب اللغة ونسيجها ونظام الاختلافات فيها هما اللذان يتكلمان، بمعنى ان الانسان متكلم. ويأسف «سلفرمان» على ان كلا المسارين لا يمكن اختيارهما في الوقت نفسه، لذا يختار طريقا ثالثا يدعوه السيميولوجيا الهرمنيوطيقة، وهي سيميولوجيا هرمنيوطيقة تفكيكية قرانية، تأخذ بفعالية الاختلاف واستراتيجيته من التفكيكية، وبالفعالية التأويلية من الهرمنيوطيقا، اي تتحرك في المكان القائم بين التفكيكية والهرمنيوطيقا. وعليه تعمل نصيات سلفرمان في تلك المنطقة المابين الهرمنيوطيقا والتفكيكية، حيث يموضع النص عند نقطة التقاطع تلك، بعد ان يجري فعالية لقراءة النص من جهة السيميولوجيا التي تعتبره نظاماً مفتوحاً من العلامات مع معانيها المتعددة، اعتماداً على تصورات «دي سوسير» و«بيرس» و«بارت»، ولقراءة من جهة الهرمنوطيقا لدى كل من «هيدجر» و«جادامير» و«ريكور»، حيث يتموضع النص في المكان الذي تكشف فيه اللغة افقاً لمعنى تأويلي، ثم يدير مواجهة بين الهرمنيوطيقا والاستنطاق، خصوصاً وان الاستنطاق لدى «ميرلوبونتي» الذي يفتح حقلاً تضطلع فيه المساءلة بالأسبقية، ليشترك التأويل والاستنطاق في مهمة اثارة التساؤلات بدلاً من الاجابة عنها، وخلق مكان حيث يمكن ان تحدث المواقع فيه بدلاً من التكلم انطلاقاً من المواقع. كل ذلك يديره «سلفرمان» في معرض سعيه نحو نظرية في النصية، تبحث عن أصل العمل الفني، كما فعل «هيدجر» في كتابه «أصل العمل الفني» وفي سعيه هذا لما قدمه «هيدجر»، يجد ان مكان التكشف والانفتاح والفضاء التمييزي المفصل في الدائرة الهرمنوطيقة عنده، تحدد المكان المستعرض للنص ولتأصيل النصية، فيقدم النصية بوصفها الشرط الذي يكون النص وفقها نصا، لكن باعتبار النص هو ما لا يمكن حسمه، فإن النصية تؤسس نصا بوصفه بطريقة ما، ونصية نص ما تنتج معرفة بشأن النص، وهي معرفة من نوع معين، وعليه تنتج النصية في تنصيص النص، اي في اضفاء النصية على النص. لذا تحدث النصية حيثما يجعل النص نفسه بلا مركز، بينما تحدث قراءة النص من خلال نصيته او نصياته، ووفق هذا يغدو النص ما يقرأ ونصياته فيما كيف يقرأ، بينما ينشأ تأويل النص من فهم النصيات على انها بنى معاني النص. لذلك يعتبر النص مستقلا عن قراءته وتأويلاته، اما نصيته فتتأسس في قراءة النص، وتتعين من خلال تأويلاته. غير ان هذا الفهم للنص وللنصية مؤسس على اعتبار النص هو اختلاف عينه، ونصيته هي اختلافه عن نفسه، فكل نص مختلف، وباختلافه يمارس الارجاء والتبعثر، حيث ينتج نصيته التي لا تحدد نهائيا اي معنى بذاته او اي تأويل او اية قراءة سائدة، وما يبقى منه هو مجموعة الآثار التي يخلفها. هكذا يوسع «سلفرمان» طروحات «ديريدا» التفكيكية. ويوسع ذلك ليس فقط من خلال علاقة النص والمعنى، بل في تلمسه لغة النصية وعلاقة المرئي باللامرئي، والداخل والخارج، والحضور والغياب والنص والسياق، والوحدة والتعدد. ويخلص الى ان النصية ليست واحدة، من حيث كونها لا ترتبط بنصوص معينة، بل هي جزء من النص العام، نص العالم، فنصية السيرة الذاتية تحدث بطريقة هامشية في نصوص مثل «والدن» لـ «ثوريو» و«هو ذا الانسان» لـ «نيتشة»، و«المدارات الحزينة» لـ «كلود ليفي ستروس» ولكنها تحدث ايضا في ميادين اكثر تخصصا كما في الكتب المدرسية، او في البحوث العلمية وتظهر النصية التاريخية في رواية «الحرب والسلم» لـ «تولوستوي» ورواية «الاحمر والاسود» لـ «ستندال»، و«قصة مدينتين» لـ «ديكنز» وتطال كذلك كتاب «أصل الانواع» لـ «داروين» وكتاب «ظاهرية العقل» لـ «هيجل» وغير ذلك كثير. ويعتبر «سلفرمان» ان النصية العلمية والنصية النفسية وغيرهما من النصيات مثل نصية آداب الطعام تقدم كي تؤكد عدم امكانية النصوص على الحسم، وتأخذ هذه النصيات مكانتها في امكنة الاختلاف المتعددة. ان ما يمكن ملاحظته في عمل «سلفرمان» الهام والضخم هو ذلك الحشد الهائل من المفاهيم التي يحسن استخدامها بدقة علمية وفهم فلسفي واضح في اطار طرحه للتفكير في المابين، فهو لا يحيد عن الاستراتيجية التفكيكية وفعالياتها من حيث تأدية وظائفها، وأدوات استخدامها. وقد حافظ على عدم الخلط بين المسائل الفلسفية ومسائل الادب. وطور ما طرحه حول السيميولوجيا الهرومنوطيقة للدراسة من خلال مثال مستمد من كتاب «S/Z لـ «رولان بارت» الذي قرأ فيه قصة «سارازين» لـ «بلزاك» وبخصوص القراءة التفكيكية القرانية فقد اخذت حيزا واسعا في الكتاب، من خلال قراءته لنصيات السيرة الذاتية التي تنوعت، ثم توجت بالقيام بقراءة قرانية بين عمل «سارتر» «الكلمات» وعمل «بارت» «رولان بارت بقلمه»، حيث اظهر نقطة الافتراق الرئيسة في السيرة الذاتية لديهما، فـ «سارتر» حين قرر ان يصبح كاتباً اوقف سرده عند سن الثانية عشرة، فيما يقطع السرد في عمل «بارت» زمانياً لصالح سرد يعتمد على الأبجدية، والأهم من ذلك هو التقاطه لنصية السيرة الذاتية المصورة لجسد الفيلسوف لدى كل من «هيدجر» و«بارت» يكتب «بارت» في كتابه: «ان تكتب الجسد، فذاك لا يعني كتابة الجلد، ولا العظام، ولا الأعصاب، انما كتابة ما تبقى: اي كتابة شيء غير مناسب، شيء ليفي، خشن، مهلهل، انه كساء مهرج، ولعل أروع صفحات الكتاب تلك التي يكتب بها «سلفرمان» نصية الجسد بحس نصي يعلن فيه موت الميتافيزيقيا التي حطت كثيراً من شأن الجسد على حساب اعلاء شأن الروح، فالجسد نص يدل على شيء ما، ونصيته تفصل بدناً لا يستطيع ان ينمو الا في نصيته الخاصة، بوصفها نصية تفسر نفسها، وتحتوي نفسها، ومكتفية بنفسها.. عمر كوش