بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب هو وزير عدل امريكي سابق في ادارة الرئيس بيل كلينتون، كما شغل مناصب حكومية عليا عديدة، يعمل الآن استاذاً للاقتصاد، وهو احد الوجوه الامريكية البارزة اليوم في شئون «الاقتصاد الجديد» يساهم بالكتابة في كبريات الصحف والدوريات الامريكية مثل «النيويورك تايمز» و«الواشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال» وغيرها.. له ايضا العديد من المؤلفات. «مستقبل النجاح» الكتاب الجديد لـ «روبرت. ب. ريتش» يقدم رؤية مستقبلية لما ستكون عليه الآليات التي ستحكم عمل «الاقتصاد الجديد» خلال الفترة المقبلة.. ذلك لاننا ندخل اليوم الى ما يطلق عليه صفة «عصر الصفقات الكبرى». ان الميزة الاساسية لهذا العصر الجديد تتمثل في الخيارات التي لا حدود لها وحيث ان امكانية الانتقال من الجيد الى الافضل ميسرة للغاية، وهذا يمثل برأيه القاعدة الاولى من القواعد الاساسية لـ «الاقتصاد الجديد» كما ان فهم مثل هذه الآلية يمثل الخطوة الاولى لفهم ما يجرى في حياتنا اليوم. ان الكل يسعى اليوم للحصول على المنتوج الافضل الذي قد لا يزيد ثمنه عن المنتجات الاخرى، بل ولربما كان اقل كلفة. ويعود الفضل في هذا كما يرى المؤلف الى الرأسمالية التي تزدهر اكثر فأكثر عند بحث الناس عن الصفقات الرابحة، وإلا فإن المنتجين سوف يتوقفون عن التجديد وعن الاستثمار و«اضاعة اموالهم في غير المفيد» ولكن ليس فقط اضاعة اموالهم وانما ايضاً «اضاعة جهودهم» فعندما يعمل الجميع من اجل الوصول الى الاحسن فإن الاسواق تنتظم ويصبح ارضاء الآخر مهمة يضعها كل فرد امام عينيه.. وفي المحصلة يؤدي بذل الجهد المشترك الى ازدهار الحياة الاقتصادية بالنسبة للجميع. هذه الآلية في العمل يرى المؤلف بأنها تمثل «تاريخيا» ما يسميه بـ «الاسلوب الامريكي» في العمل.. وما جرى اليوم في ظل العولمة واقتصاد السوق هو ان «الاسلوب الامريكي» قد اصبح «اسلوب الجميع» وحيث يبحث الجميع عن الافضل.. واذا لم يجدوا هذا «الافضل» في مكان فإنهم ينتقلون الى مكان آخر بحثا عنه. ان المؤلف يقدم في هذا الاطار عدة احصائيات لها دلالاتها اذ نجد ان 17% من الامريكيين يغيرون مكان اقامتهم سنوياً و40% من الاطفال الامريكيين قد التحقوا خلال دراساتهم الابتدائية بأكثر من مدرسة و20% من العاملين يبدلون باستمرار مجال عملهم «ان الامريكي محب بطبيعته للتغيير» يقول المؤلف مضيفا بأن السؤال الذي يواجهه الامريكيون كثيراً يقول: «لماذا لا ترضون انتم الامريكيون بما لديكم؟!». لقد كان الاقتصاد الامريكي، كما يراه مؤلف هذا الكتاب؟ يتسم بقدر كبير من الثبات ومن اتساع حيز انتاجه، اما الآن فقد انتقل الى مرحلة التجديد التي يتسع معدلها بشكل كبير، وذلك اساساً بفضل التكنولوجيات الجديدة التي احدثت ما يشبه الثورة في ميادين الاتصالات والنقل والمعلومات، اي ما يجد تعبيره الافضل في شبكات الانترنت والتجارة الالكترونية، ان المحصلة الاساسية لهذا كله تمثلت في الاتساع المخيف لدائرة الخيارات المطروحة امام المستهلك. واصبح بمقدور المعنيين اختيار الافضل والاقل سعراً بنفس الوقت، وقد ساعد اتساع افق الاختيار وسهولة الانتقال والتغيير على زيادة حدة المنافسة وحمل المنتجين على التأقلم هم ايضا من مستلزمات التغيير وخفض الكلفة وزيادة الجودة ذلك ان الآليات نفسها قد تبدلت حيث كانت الارباح والمكاسب تأتي سابقا من نفس العملية الانتاجية في ظل الاقتصاد الصناعي القديم اما الآن فإن مصدرها الاساسي هو السرعة في التجديد وجذب العملاء والمحافظة عليهم ، يقول المؤلف بصدد المقارنة بين آليات الماضي والحاضر: كان الرابحون في الماضي يتمثلون اساساً في الشركات الضخمة، اما اليوم فإن الرابح الاكبر هو بالاحرى المجموعات الصغيرة التي تعرف كيف تتقاسم الافكار الكبيرة والتي تحوز ثقة المؤسسات الكبرى. واذا كان مؤلف هذا الكتاب يتحدث بشكل عام عن آليات العولمة والاقتصاد الجديد بصفة عام فإنه يكرس تحليلاته بشكل خاص لدراسة الحالة الامريكية. اذ يرى بأن المتغيرات قد وجدت ارضا خصبة لها في الولايات المتحدة اكثر مما هو في اي مكان آخر، وقد يكون السبب في هذا واقع ان امريكا كانت اول من قام بتطوير وسائل الاتصالات والنقل وتكنولوجيات المعلوماتية التي كانت بمثابة الركائز الاساسية للتغيرات القائمة. كما ان هناك سبباً آخر قد يتمثل في كون ان الاقتصاد الامريكي يوفر هامش حرية كبير على مستوى حركة رأس المال والعمل بنفس الوقت واقل تقيداً بالمحددات التقليدية، هذا وقد بدأت الآن عدة مجتمعات في العالم في اقتفاء أثر الخطوات الامريكية نحو عالم «الاسرع والافضل». وفي المحصلة جنت الولايات المتحدة الكثير من المكاسب وغدا الاقتصاد الامريكي اكثر اتساعاً واكبر ديناميكية بحيث ان السنوات الاخيرة قد شهدت طفرة كبيرة وهائلة على المستوى الاقتصادي تمت ترجمتها بإيجاد فرص عمل كثيرة جديدة والحد من معدل البطالة دون ان يؤثر ذلك على معدل التضخم. لقد اصبح المواطن الامريكي يحصل على خدمات وسلع افضل من الماضي وبنفس الاسعار. كما ان محدودي الدخل اصبحوا يعيشون اليوم بشكل افضل مما كان عليه امثالهم منذ عدة عقود فقط، لكن بالمقابل لاشك بأن الامريكيين قد اصبحوا يقضون اوقاتاً اطول في العمل ويعملون بجهد اكبر مما كان عليه الأمر سابقاً. ان المؤلف يقدم ضمن هذا السياق عدة احصائيات رسمية تؤكد المقولات التي يطرحها. وتشير هذه الاحصائيات الى ان الامريكي يقضي اوقاتا اطول في العمل من الآخرين وان كان هناك خلاف حول عدد الساعات الزائدة، كما ان باحثين آخرين يرفضون مقولة ان الامريكي يقضي ساعات اطول في العمل اكثر من غيره.. هذا فضلا عن ان سلوب الاستفتاء الذي تقوم به بعض الجهات غير سليم تماماً حيث يبالغ بعض الذين يتم استطلاع رأيهم بالمبالغة في عدد الساعات التي يعملونها مما يعطي في المحصلة نتائج غير مطابقة للحقيقة تماماً. وبكل الاحوال تتفق الاحصائيات على ان متوسط عدد ساعات العمل التي يقوم بها الفرد الامريكي العامل سنوياً حوالي الفي ساعة سنوياً. وهذا يعني زيادة في ساعات العمل تعادل اسبوعين تقريبا.. عما كان عليه الوضع قبل عقدين من الزمان. وتؤكد احصائيات الامم المتحدة بأن ساعات العمل في الولايات المتحدة الامريكية هي اكثر من ساعات العمل في اليابان ذات الشهرة الكبيرة في عدد ساعات العمل.. ذلك ان عدد ساعات عمل الياباني اليوم تكاد تصل الى عدد ساعات الامريكي خلال مطلع عقد الثمانينيات الماضي، وبعد ان كان الامريكي يعمل آنذاك نفس عدد الساعات التي كان يعملها الاوروبي فقد اصبح اليوم يعمل 365 ساعة زيادة هذا فضلا عن تناقص عدد ساعات العمل في البلدان الاوروبية مثلما هو حال فرنسا حيث تقرر تقليص ساعات العمل الاسبوعي الى 35 ساعة فقط واصبح الفرد الفرنسي العامل يمضي في نهاية التسعينيات 1656 ساعة عمل سنوية بدلاً من الـ 1810 ساعات التي كان يعملها في الثمانينيات.. ولا يستبعد مؤلف الكتاب في هذا الصدد ان يصل عدد ساعات عمل الاوروبيين واليابانيين الى نفس عدد ساعات عمل الامريكيين وذلك على اساس انهم بدأوا بالسير على خطى الاقتصاد الامريكي مما يعني بالتالي تبني وتيرته. ويعيد المولف التزايد الكبير في عدد العاملين بامريكا الى تنامي دور المرأة ومشاركتها في الحياة العامة والاقتصادية للبلاد اذ تحولت اعداد كبيرة من النساء المكتفيات بالعمل كربات منازل الى العمل في المؤسسات والشركات. وتشير الاحصائيات الامريكية الرسمية الى انه في عام 1969 كانت هناك نسبة 38% من السيدات المتزوجات يعملن اما اليوم فتبلع هذه النسبة حوالي 70% بنفس الوقت زاد عدد الرجال الذين يعملون اكثر من 50 ساعة اسبوعيا بنسبة الثلث عما كان عليه الوضع في سنوات الثمانينيات الماضية، اما اولئك الذين يعملون ساعات اقل منهم غالبا الذين لم يستكملوا تأهيلهم ولذلك يتعرضون لانهاء خدماتهم وبالتالي للبطالة. وفي قراءة سوسيولوجية لواقع العمل في امريكا يرى المؤلف بأن زيادة ساعات العمل يعني ان الناس يعانون من حالة مادية سيئة. بالوقت نفسه تضاءل الوقت المخصص لاعداد الطعام وانتشرت مطاعم الوجبات السريعة. كذلك خفضت شبكة الانترنت من الوقت المخصص للمشتريات وتجري الآن مناقشات لمعرفة ما اذا كان الوقت المخصص للعمل هو اكثر من الوقت المخصص للترفيه ام العكس فالحقيقة تؤكد بأن «كثرة العمل تعطي مذاقاً جديداً للحياة وتضفي اهمية واحتراما على الافراد». هذا فضلا عن ان زيادة ساعات العمل تعني زيادة مداخيل الاسرة وبالتالي زيادة احساسها بامكانية الحصول على الرفاهية. من جهة اخرى يساهم الاحساس بعدم التأكد من استمرار الدخل واحتمال تعرضه للنقصان الى دفع الانسان للعمل اكثر. وفي الوقت الذي تتكاثر فيه عمليات دمج الشركات تصبح فرص الترقي اكثر صعوبة امام العاملين. لذلك ينبغي على هؤلاء ان يرقوا انفسهم بأنفسهم، اي عبر زيادة ساعات عملهم او «بيع نفسه» للعمل كما يعبر مؤلف هذا الكتاب الذي يؤكد على ضرورة ان يمتلك كل انسان مؤهلا علمياً ـ جامعياً ـ او تقنياً عالياً، هذا على الرغم من ان مثل هذا المؤهل لا يضمن الترقي ـ كما كان الأمر في السابق ففي عام 1960 كان هناك 8% فقط من الامريكيين يحملون شهادات عالية ويوجد اليوم 25%، كما ان ثلثي حملة الشهادات الجامعية يواصلون تعليمهم ابعد من ذلك ويرى المؤلف بأن الاتجاه نحو زيادة الدرجة العلمية يشكل احد سمات الاقتصاد الجديد لان هذا يسمح للفرد بأن يكون اكثر فاعلية وقدرة على التجديد في مجال عمله، غير ان ارتفاع نسبة الحاصلين على شهادات عليا قلل من فائدة امتلاكها. ان الحصول على شهادة عليا من جامعة عريقة يمكن ان يكون بمثابة عامل يساعد فقط ولكن ليس بالدرجة التي يتصورها الاباء، فالاقتصاد الجديد يعطي ثماره للافراد الموهوبين الذين يستطيعون التجديد والابتكار والقدرة على معرفة ما يرغب فيه الآخرون ثم ان ارباب العمل يعرفون جيدا بأن من يمتلك مثل هذه المواهب لن يذهب بالضرورة الى الجامعات. وباختصار ستتطلب مستلزمات الاقتصاد الجديد توفر اشخاص لديهم الدوافع والقدرة على الابداع والابتكار اكثر مما هو توفر حملة المؤهلات العلمية». وماذا عن افق المستقبل «مستقبل النجاح» كما جاء في عنوان الكتاب. وفي معرض الاجابة عن مثل هذا السؤال يرى المؤلف بانه من الصعب جدا تصور المستقبل بشكل دقيق غير ان هناك عدة مؤشرات قد تسمح بتصور معالمه ففي المستقبل القريب سيكون بوسع المستهلك الحصول على مايريده من اي مكان وبأفضل الاسعار. واذا ما وجد منتوجا آخر افضل منه فانه «يستطيع الحصول عليه بلمح البصر» كذلك سيكون بمقدور المستثمرين نقل اموالهم في الحين واللحظة الى اي مكان في العالم. اما فرص العمل فستزداد والاجور ستتحسن. اي ان المستقبل يدعو بشكل عام الى قدر كبير من التفاؤل والطمأنينة. لكن وبالوقت نفسه لايمكن التغاضي عن «الوجه الآخر» للميدالية اذ ان الديناميكية الاقتصادية سيترتب عليها ايضا بعض العوامل السلبية وفي مقدمتها ازدياد الفجوة بين الاغنياء والفقراء، كما ستتزايد الهوة الاجتماعية بين الافراد، غير ان التقدم في ميدان الاقتصاد الجديد والتكنولوجيات قد خرج من دائرة امكانية احد التحكم فيه ولم يكن التقدم التكنولوجي الذي تم تحقيقه على صعيد الاتصالات والمعلوماتية بشتى انواعها قد جاء على اثر قرار ما اصدره شخص او مجموعة ويمكن ان نقول الشيء نفسه بالنسبة للدور الذي لعبته التكنولوجيات الحديثة في دفع الاقتصاد من مرحلة الانتاج الضخم الى مرحلة المنتجات والخدمات المبتكرة، ولم يكن بمقدور أحد أن يقرر مسبقا مسيرة التجديد وتنامي النمو الاقتصادي بهذه السرعة. ويلخص المؤلف ما يسميه بـ «عجائب الاقتصاد الجديد» بانها تعني جعل الصفقات الكبرى بمثابة حقيقة واقعة وبانها ستؤدي الى تحسن كبير في حياة البشر المعنية بها، وما يثير اليوم دهشتنا وانبهارنا سيصبح غدا بمثابة امر عادي .. كما ان العديد من الخدمات ستكون افضل واقل كلفة. اما حياتنا فـ «ستكون اطول» وصحتنا «افضل». لكن هذه الصورة المتفائلة لاتمنع واقع وجود مخاطر للرأسمالية غير المنظمة «العشوائية» ولجشع الشركات الكبرى في عالم العولمة، ويبقى المطلوب هو الوصول الى حياة متوازنة في عالم الغد الجديد وابعاد شبح الخوف عن انفسنا وعن اسرنا في «المستقبل المجهول». لذلك ينتهي المؤلف الى القوى، بما يشبه دعوة للجميع بضرورة الحوار من اجل التوصل الى توليفة تجمع بين الديناميكية الاقتصادية والسلام الاجتماعي الذي نرغب ان يعم في مجتمعاتنا فالبشر ليسوا مجرد ادوات في عالم الاقتصاد والجديد وليسوا «عبيدا» للتكنولوجيات الحديثة. ومن اجل اقتصاد جديد يلبي احتياجات البشر ويفتح افاقا مستقبلية اكثر تفاؤلا بالنسبة للاجيال القادمة