بيان الكتب: يعمل «ر. ت. تايلور» مؤلف هذا الكتاب استاذاً في جامعة «ماك جل». كما انه مستشار لدى منظمة الامم المتحدة. له العديد من المؤلفات في مجالي الاقتصاد والنقد. وهو احد الاخصائيين الامريكيين بتاريخ المنظمات الارهابية. الجريمة التي يقصدها مؤلف هذا الكتاب هي الجريمة المنظمة «التي تقوم بها الشبكات وعصابات المافيا الدولية. ويصفها «ر. ت. تايلور» منذ البداية بانها قد غدت بمثابة الخطر الجديد في عالم اليوم. انها الشيوعية الجديدة، على حد تعبير احد اعضاء الكونجرس الامريكي: اي بعد سقوط الشيوعية التي كان يمثلها الاتحاد السوفييتي السابق والدول التي كانت تدور في فلكه «مصدر الخطر الأكبر سابقاً».لقد زال مصدر التهديد الشيوعي لتصبح ظاهرة الجريمة المنظمة هي الخطر الاكبر الذي يتهدد ركائز الحضارة الغربية سواء كان ذلك على الصعيد الاقتصادي او الاخلاقي بالدرجة الاولى. يدرس المؤلف اولاً بنية الشبكات والمجموعات التي اعتمدت ممارسة الجرائم المنظمة من اجل تحقيق اهداف محددة او خدمة مصالح بعض المراكز «الجريمة بقصد». ويصف المجموعات المعنية بانها تتمتع بدرجة عالية من التنظيم والتدريب. واذا كانت المجموعات الاجرامية مثل المافيات الروسية او المافيات الايطالية او المجموعات المسيطرة على تجارة المخدرات في كولومبيا، قد مارست نشاطاتها في المناطق الجغرافية المحدودة «المحلية» فإن الصورة قد تغيرت في الآونة الاخيرة حيث مدّت هذه النشاطات الى انحاء عديدة من العالم، واصبحت هذه النشاطات بمثابة مصدر رعب حقيقي ذلك ان المجموعات والعصابات المعنية قد بدأت بالفعل في اقامة تحالفات استراتيجية وفّرت لها امكانيات مالية ضخمة. وبلغت قوتها الاقتصادية حداً اصبحت تمثل فيه تهديداً للعديد من اقتصادات الدول، بل وللنظام المالي العالمي نفسه. وفي مواجهة الخطر الجديد الذي تمثله شبكات الجريمة المنظمة اصبح مطلوباً من العالم، وخاصة المتقدم على اساس انه الاكثر استهدافاً، الرد بقوة والتزود بأسلحة جديدة في مقدمتها تعديل القوانين الخاصة بسرّية حسابات المجموعات والشبكات المعنية في البنوك الى جانب تمتعها بحرية الحركة ونقل الاموال.. كما يرى المؤلف بأنه من المطلوب والملح تشديد العقوبات حيال الذين يساهمون بطريقة او بأخرى، بهذه الجرائم المنظمة الى جانب اعطاء رجال الشرطة صلاحيات حقيقية تتعدى الحدود المحلية وبحيث لا يبقى جهاز الشرطة الدولية المعروف باسم «الانتربول» هو الجهاز الوحيد الذي يتمتع بصلاحيات عالية.. وهكذا تسعى الولايات المتحدة الامريكية الى منح صلاحيات لأجهزتها البوليسية تتعدى الاطر السابقة المعروفة. وتتمثل احدى منطلقات المؤلف في تحليلاته بتحديد مفهوم الارهابي اليوم. «ان الارهابي اليوم يختلف تماماً عمّا كانه في الامس». لقد اصبح ينتقل من مكان الى آخر ومعه الحاسوب الالكتروني المحمول الخاص به والذي يستخدمه في كثير من الاحيان من اجل اجراء حساباته الخاصة وادارة نشاطاته المالية التي تصب غالباً في القناة الرئيسية لمنظمته الارهابية، هكذا تبنت عدة دول اجراءات قانونية صارمة للحد من حرية حركة من تصنفهم في خانة المشبوهين، وبحيث انه قد اصبح ممكناً تطبيق قوانين على الافراد كانت حصراً فيما قبل على الدول. ان الهدف الاساسي من هذه الاجراءات هو دون شك قطع وصول اموال السوق السوداء الى الدول المعنية بهذه الاجراءات. ويفرد المؤلف احد فصول كتابه ليبحث في العلاقة بين الحركات الثورية والجريمة المنظمة. وكانت منظمة الامم المتحدة قد انشأت وحدة ثابتة تابعة لمكتب مكافحة الجريمة والمخدرات مهمتها، اي الوحدة الجديدة، دراسة ظاهرة تمويل الثورات وعلاقاتها المحتملة مع دوائر الجريمة المنظمة، وثم في الاتجاه نفسه العمل، بتوجيه من وزارة الخارجية الامريكية، من اجل ان توقع مختلف الدول على اتفاق ينص على اتخاذ جميع الاجراءات الرامية الى منع تمويل الارهاب او جمع الاموال للجماعات الارهابية. كما يرمي الاتفاق الى منح الدول الموقعة عليه حق تجميد الاموال الذي قد تثبته الأدلة بأنها قد تكون تابعة لجماعات ارهابية. وهنا يفتح المؤلف قوسين ليشير بأن الارهاب إنما هو اداة سياسية وليس هدفاً في حد ذاته.. ولهذا يمكن استخدامه من قبل الحكومات او من قبل الجماعات المعارضة لها.. ومن هنا تحديداً ينبثق التساؤل عما اذا كان هناك تحالف «ما» بين الجماعات الثورية وبين الجماعات الاجرامية؟ لكن مثل هذا التحالف يتعارض موضوعياً من حيث دوافع الفئتين. فالجماعات الاجرامية ترتكب افعالها عامة من اجل الحصول على الاموال، بينما لا تشكل الاموال سوى وسيلة تستخدمها الجماعات الثورية من اجل تحقيق اهدافها السياسية، كما انها ايضاً ليست الوسيلة الوحيدة، وهنا يقدم المؤلف عدة امثلة على حركات ثورية افريقية، في اغلب الاحيان وحيث لم تلعب الاموال كهدف الا دوراً ثانوياً جداً. ومسألة اخرى لها علاقة حميمية بالجريمة المنظمة وهي تتعلق بـ «غسيل الاموال». وقد احتلت هذه المسألة موقع الاولوية لدى الولايات المتحدة الامريكية، كما بدا في خطاب الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون امام الامم المتحدة بمناسبة عيدها الخمسين حيث ندد بجماعات الجريمة المنظمة التي تريد تخريب الاقتصاد العالمي ووجّه تهديداً بشكل خاص ضد الدول التي تقوم بعمليات غسيل الاموال دون التقيد بالقوانين المعمول بها دولياً في هذا الميدان، هكذا اتخذت عدة دول اجراءات للحد من ظاهرة ايداع وسحب الاموال المشبوهة في البنوك. ويشرح المؤلف بالتفصيل آليات غسيل الاموال والتي تتم على ثلاث مراحل. المرحلة الاولى تتمثل في نقل الاموال من المصدر الذي يربطها بالجريمة والمرحلة الثانية هي اخفاء المعالم التي يمكن من خلالها اقتفاء اثر مصدر الاموال. اما المرحلة الثالثة فتكمن في تمكين الشخص او المجموعة الموجهة لها من استخدامها، اي بعدما تصبح الاموال المغسولة، اموالاً شرعية، وليس غريباً في هذا السياق استخدام العديد من اجهزة المخابرات في عمليات غسيل الاموال، وهذا يصح على الدول الصغرى، وعلى الدول الكبرى، على حد سواء. ويصل المؤلف في نتيجة تحليلاته الى القول بأن اتساع وخطورة عمليات غسيل الاموال تجعل من الضرورة مجابهتها بتعاون دولي ابتداء من المنبع وحتى المصب، وفي الولايات المتحدة الامريكية اصبحت توجد حواجز وعوائق امام حرية انتقال الاموال وهكذا اصبح مطلوباً معرفة مصدر أي مبلغ نقدي تزيد قيمته على عشرة آلاف دولار امريكي.. وايضاً معرفة خلفيات سحب مبلغ يزيد على عشرة آلاف دولار ايضاً: وفي كل مرّة يقوم بها شخص ما بايداع مبلغ يزيد على السقف المسموح به اصبح مطلوباً ارسال صورة عن مبلغ الايداع واسم الشخص او المجموعة المزمع الايداع باسمها الى مصلحة الضرائب. ذلك انه بمجرد ان يتم ايداع النقود في البنك يمكن لصاحبها ان يتصرف بها كما يشاء، نقداً او بواسطة الشيكات المصرفية، ويحولها الى اية جهة يرغب فيها بالداخل او الخارج. وهناك عائق اخر تحاول السلطات الامريكية نفسها اقامته امام غسيل الاموال وذلك عندما قررت ضرورة تقديم كشف بخصوص اية صادرات يفوق سعرها الخمسة آلاف دولار لادارة الجمارك وذلك تفادياً لاخراج الاموال المغسولة، كبضائع يتم بيعها في الخارج لاعادتها من جديد بوثائق رسمية وبكميات اكبر. وبعد ان يشرح المؤلف مطوّلاً مختلف المحاولات القائمة للتصدي لعمليات غسيل الاموال يبيّن بأن هناك آليات لا يمكن لمختلف الاجراءات الجديدة التصدي لها. ومن بين هذه الآليات الاستعانة بالدبلوماسيين وبالسفارات لحمل ونقل الاموال الى جهات اخرى. ان الدبلوماسي يتمتع بحصانة تمنع الغاء القبض عليه. وقد حاولت اتفاقية فيينا لعام 1961 الحد من سوء استخدام الدبلوماسيين لهذه الحصانة اذ وضعت بعض الاسس للتمييز بين الاعمال الرسمية للدبلوماسي واعماله الخاصة. كما ان طبيعة الحصانة واتساعها موضع نقاش ايضاً. ففي حين ان القنصل مثلاً يستفيد من الحصانة خلال عمله فقط، فإن حصانة السفير كاملة حيث انه يتمتع بها ابتداءً من ابسط الاشياء وحتى ارتكاب جريمة قتل. وهناك ايضاً الحقيبة الدبلوماسية التي تمثل امتيازاً اخر للدبلوماسيين.. هذا مع العلم بأن الوظيفة الاساسية لهذه الحقيبة تتمثل في نقل وثائق السفارة ومراسلاتها وجوازات السفر او اية مستندات اخرى.. ويتم ختمها بالشمع بحيث لا يحق لأية جهة اخرى بما في ذلك مصلحة الجمارك فتحها.. واذا شك رجل الجمارك مثلاً بأن الحقيبة تحتوي على اشياء «مشبوهة» فإن تفتيشه لها مرهون بموافقة الدبلوماسيين، وبهذا المعنى تكون الحقيبة الدبلوماسية بمثابة الحل الامثل لنقل الاموال والمخدرات والاسلحة والاحجار الثمينة والاعمال الفنية المسروقة وحتى نقل المواد المشعة، يتساءل المؤلف: «هل كان ذلك الدبلوماسي من كوريا الشمالية الذي تم احتجازه في السويد سيستهلك المليونين ونصف المليون لفافة تبغ التي كانت في حقيبته؟!. واذا كان البعض يقوم بتزييف الوثائق الخاصة بالحصول على الحصانة الدبلوماسية من جوازات سفر وغيرها، فإن الاعتماد على دبلوماسيين حقيقيين هو السائد وذلك عبر وسطاء متخصصين لهم علاقات مع الجهات المعنية. الفصل الاخير من هذا الكتاب مكرّس لاحداث 11 سبتمبر 2001، ان المؤلف يتناول هذا الموضوع من زاوية الآليات التي تعتمدها اكثر السياسات المعاصرة لمواجهة الجريمة المنظمة. ويرى بأن هذه السياسات تقوم عامة على عدة افتراضات متشابكة مثل القول بأن افظع الجرائم ترتكبها منظمات او مجموعات دقيقة التكوين، وتكون تحت سيطرة شخص او مجموعة من الاشخاص الأقوياء وتتمتع بامكانيات مالية ضخمة. ان الاستنتاج الذي يتم الوصول له يقول بأن افضل وسيلة للتعامل مع الجريمة المنظمة وحصرها تتمثل في العثور على اموالها وتجميدها. ذلك ان الثروات التي تمتلكها هي وسيلة مثالية بيدها ولهذا تكون السيطرة على هذه الاموال تمثل سلاحاً حقيقياً للحد من الجريمة المنظمة: وعلى مثل هذا الاساس قامت الولايات المتحدة الامريكية باستخدام مثل هذا السلاح واتخذت سلسلة من الاجراءات المالية ضد أولئك الذين اتهمتهم بانهم وراء احداث 11 سبتمبر. وهنا يفتح المؤلف قوسين، ليقول بأنه ورغم جميع الاجراءات التي لجأت إليها الادارة الامريكية القائمة بما في ذلك استخدام القوة العسكرية في افغانستان، فإن جميع الاتهامات الامريكية الصادرة عن المستويات العليا في الولايات المتحدة بما تقوم على افتراضات وليس على حقائق دامغة يمكن ان تأخذ بها محكمة عادلة: لكنه بالمقابل لا ينفي ما يسميه بـ «المسئولية الاخلاقية، للمشتبه بهم، اذا لم تكن هناك ادلة دافعة لادانتهم جنائياً، هذا لا سيما وان ما زور حول اتهام نفس المشتبه بهم بانهم كانوا وراء مهاجمة القوات الامريكية في الصومال منذ عدة سنوات انما قد تم تكذيبه رسمياً. وكانت دول اخرى قد قلدت الولايات المتحدة الامريكية واعتبرت ان المشتبه بهم كانوا وراء اعتداءات عرفتها بلدانها مثل روسيا التي اعتبرتهم وراء التفجيرات التي جرت في موسكو والتي تذرعت بها لشن الهجوم العسكري ضد الشيشانيين، وكذلك اعتبرتهم الفيلبين وراء حركة «ابو سياف» الاسلامية. ويخلص المؤلف الى القول بأنه وحتى لو ثبتت المسئولية الجنائية بالنسبة لاحداث 11 سبتمبر فإن البحث ينبغي ان يتوجه نحو معرفة الاسباب الحقيقية الكامنة وراءها. ويقوم المؤلف في هذا السياق بتنفيذ الاتهامات التي وجهتها الولايات المتحدة الامريكية الخاصة بالقول بأن المخدرات هي المصدر الاساسي للأموال المستخدمة في حين ان الامم المتحدة كانت قد لاحظت الهبوط الحاد في انتاج المخدرات بالمناطق التي كانت تسيطر عليها حركة طالبان في افغانستان والتي حاربت منذ البداية انتاج المخدرات وصولاً الى منعها تماماً