بيان الكتب: لايتيسيا بوكاي، هي باحثة سياسية فرنسية، تعمل مدرسة لمادة العلوم السياسية في جامعة بوردو الثانية. اولت القضية الفلسطينية اهتماماً كبيراً وكرّست لها عدة مقالات ودراسات في صحف ودوريات فرنسية وعالمية. سبق لها ان اصدرت عام 1998 كتاباً تحت عنوان: «غزّة: عنف السلام». وهذا الكتاب الجديد هو عملها الثاني. «اجيال الانتفاضة» هو كتاب ـ شهادة عن تجربة حيّة عاشتها المؤلفة في العديد من ارجاء فلسطين «الاراضي المحتلة». ان «ابطال» هذا العمل هم «سامي» و«ناجي» و«بسّام» والآخرون.. لكن الجميع كانوا اطفالاً وفتياناً في عمر الزهور. وكانوا قد حملوا حجارتهم ـ اسلحتهم ـ وهزّوا اسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يهزم، كما هزّوا «ضمير العالم». انهم يعيشون في الضفة الغربية، في رام الله او في مخيمات اللاجئين في جنين او غزة او غيرهما من المدن الفلسطينية وكلهم ايضا قد قاتلوا اثناء الانتفاضة الفلسطينية الاولى 1987 ـ 1994 وساندوا قيام السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس ياسر عرفات... وساهموا كل من موقعه وحسب طاقاته في تعزيز هذه السلطة. لكن الواقع لم يسمح بتحقيق احلامهم إذ لم يعرفوا سوى أمن جزئي ونسبي طيلة سنوات والسلام المنشود بقي بعيد المنال. لقد كان التوتر هو خبز الحياة اليومية ثم «ابتعد منظور الوصول الى اتفاق نهائي يوم 18 سبتمبر 2000 عندما قام ارييل شارون بزيارته حرم المسجد الاقصى في القدس». كانت هذه الزيارة هي السبب المباشر في انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الثانية «انتفاضة الاقصى». وكان الحقد والعنف الاسرائيليات شديدين وعمّت نيرانهما الاراضي الفلسطينية كلها، المحتلة منها قديماً وحديثاً، ولقد سقط «سامي» و«ناجي» و«بسام» وهم يدافعون عن ارضهم. ان «لايتيسيا بوكاي» تحلل مسيرة السلام في الشرق الاوسط وتلقي اضواء جديدة على الصعوبات التي واجهتها. كما تبحث في الاسباب العميقة التي دفعت نحو التطرف وتكشف ايضا بالوقت نفسه عن مختلف خيبات الامل واشكال الحرمان والرفض وأهداف وآمال المجتمع الفلسطيني، ومن خلال هذا كله تقدم المؤلفة رؤية سياسية ذات فائدة كبيرة كون انها موجهة لجمهور اوروبي «فرنسي» مأخوذ الى حد كبير بالرؤية المتحيزة التي تقدمها له وسائل الاعلام. تتوزع مواد هذا الكتاب بين خمسة فصول ومقدمة وخاتمة، تتناول فيها المؤلفة «التمرد الفلسطيني ضد الاحتلال الاسرائيلي 1987 ـ 1994» و«الاستقلال الذاتي الفلسطيني 1994 ـ 2000»، و«الشروخ في الجسد الفلسطيني» و«فلسطين ـ اسرائيل: هل من المستحيل الفصل بينهما؟» وأخيراً «انتفاضة الاقصى 2000 ـ 2002». ما تؤكده المؤلفة منذ البداية، هو انه وفيما وراء الزيارة المشؤومة التي قام بها ارييل شارون يوم 28 سبتمبر 2000 لحرم المسجد الاقصى في القدس، هناك اسباب عميقة لانتفاضة الاقصى وحددت اهمها في «الحرمان المتكدّس في مواجهة مسيرة سلام لم تفِ بالوعود المأمولة منها» و«الموقف الاسرائيلي» و«غياب المنظور السياسي بعد فشل قمة كامب ديفيد في شهر يوليو من عام 2000» و«ارادة الشباب والمناضلين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بتأكيد الحس الوطني ـ القومي الفلسطيني عبر مجابهة اسرائيل». وفي مواجهة فشل مسيرة السلام عن طريق المفاوضات «رأى الفلسطينيون بانهم قد يحصلون على سيادتهم الوطنية عبر المجابهة الفعلية مع اسرائيل». لكن المؤلفة ترى بان العقبات الذاتية والموضوعية كانت كبيرة امامهم. فـ «الصور» التي بثتها وسائل الاعلام المختلفة تبين بوضوح «الاختلال العميق في موازين القوى واستخدام اسرائيل لوسائل عسكرية هائلة». ومع ذلك تؤكد المؤلفة بان المكاسب الاعلامية التي حققها الفلسطينيون «كانت مؤقتة» لدى رأي عام غربي منقسم اصلاً بين مؤيدين للقضية الفلسطينية لم يترددوا في التنديد بما تقوم به اسرائيل من «فظاعات» وبين مناصرين لاسرائيل «لم يغيّروا منطقهم» في النظر للامور. ورددوا القول بأن «الفلسطينيين لن يكسبوا شيئاً عبر دخولهم في مواجهة عسكرية مع اسرائيل». كما رددت آراء اخرى بانه من الاجدى «انتهاج المقاومة المدنية في مواجهة الاحتلال». واذا كانت مؤلفة هذا الكتاب وتمشياً مع المنطق الغربي السائد، ترى بان «العمليات الاستشهادية» او «الانتحارية» في قاموسها، قد «أفقدت الفلسطينيين جزءاً من الدعم على المسرح الدولي»، فانها اي المؤلفة ترى بالمقابل بان «القمع الشديد قامت به الدولة العبرية غذّى بالمقابل التطلعات المتطرفة». ولم تتردد ايضا في تحميل اسرائيل مسئولية «انسداد الافق» وذلك عبر اعطائها الاولوية لـ «منطق عسكري تحظى فيه بالتفوق الأكيد». كما ترى بانه اذا كانت حكومة ارييل شارون هي التي تقوم بالعمليات العسكرية الواسعة النطاق، فان حكومة سابقة «ايهود باراك». ومع متابعتها المفاوضات مع ممثلي السلطة الفلسطينية قد تبنّت هي الأخرى «دورة من العنف الشديد والقمع ضد الفلسطينيين».. وتشير المؤلفة في هذا السياق الى استغلال ارييل شارون لاحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك ليقوم بتشبيه تلك الاحداث بما تقوم به المقاومة الفلسطينية واعتبار رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بانه «مسئول عن العنف وارهابي بالوقت نفسه». وقد كان هدفه من ذلك، كما ترى المؤلفة هو تهميش الرئيس الفلسطيني وكسب تأييد الرأي العام الاسرائيلي، والذي حصل عليه بالفعل. وحول الطريق المسدود الذي دخلت فيه مسيرة السلام تقول المؤلفة: «ان غياب الحل السياسي باهظ الثمن بالنسبة للفلسطينيين. ولكن اسرائيل والاسرائيليين لن يكونوا بمنجاة من دفع الثمن بعد اجل، وذلك لان جميع الاجراءات الامنية لن تستطيع ان توقف اولئك المستعدون للتضحية بحياتهم. و«على المدى الطويل» اذا لم تقبل اسرائيل القيام بالانفصال عن الفلسطينيين واقامة دولة فلسطينية على الاراضي التي احتلتها عام 1967 فانه سيكون عليها ان تمنحهم حقوق المواطنة اذا لم تكن تريد نقض المباديء الديمقراطية، وبالتالي قد يكون عليها ان تتخلى عن السمة اليهودية لدولتها. وهذا ما يرفضه اغلبية الاسرائيليين». ان مؤلفة هذا الكتاب تقترح في الواقع دراسة القضية الفلسطينية عبر التجربة المعاشة للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.. مع التركيز على دراسة المسار السياسي والشخصي لعدد من ابناء هاتين المنطقتين. ومن خلال هذا كله تحاول «لايتيسيا بوكاي» ان توضح الاسباب العميقة الكامنة التي ادت لتحويل مسيرة السلام الى «منطق للحرب» وتؤكد المؤلفة في هذا السياق معطى هاماً بالنسبة لصورة الفلسطينيين في اذهان القراء الغربيين وهو ان «استراتيجية المواجهة» التي تبناها قسم من الفلسطينيين لا تعني ابداً تخليهم عن افق السلام، وبأن غياب مثل هذا السلام هو السبب الرئيسي في توليد دورة العنف: تقول المؤلفة: ان قسماً من الشبيبة الذين يحاولون تنظيم اعمال العنف ضد اسرائيل والذين كانوا قد شاركوا في الانتفاضة الاولى يتمتعون غالباً بحس عملي ـ براغماتي ـ وهو مستعدون للوصول الى سلسلة من الحلول التوفيقية، وهذا يتماشى، برأيها، مع الآمال التي بعثتها عملية قيام السلطة الفلسطينية عام 1994.. لكن هذا لا يمنع الاحساس بنفس الوقت بان مثل هذه الصيغة ابقت: على السيطرة الاسرائيلية ولم تؤد الى «السيادة» المنشودة: هكذا «تكدست المرارة وخيبات الامل حيال وعود لم يتم الوفاء بها». وتقدم المؤلفة في الصفحات الاخيرة من هذا الكتاب محصلة الخسائر البشرية في الانتفاضة الحالية، انتفاضة الاقصى، حتى اواخر شهر مارس من عام 2002. لقد بلغ عدد الضحايا الفلسطينيين 1260 شهيداً مقابل مقتل 416 اسرائيليا: هكذا كانت «الاشهر السبعة عشر من المواجهات اكبر خسارة على الصعيد البشري من السنوات السبع التي عاشتها الانتفاضة الفلسطينية الاولى. كما ان الاجراءات التي اتخذتها السلطات الاسرائيلية اكثر شمولاً واكثر قمعاً واكثر مساساً بالحياة اليومية وتهديماً للمنازل الفلسطينية، وخاصة في مخيمات اللاجئين، وتنقل المؤلفة في هذا الاطار تصريحاً لارييل شارون كان قد اطلقه يوم 5 مارس 2002، وبعد اسبوع دموي، وقال فيه «اذا كان الفلسطينيون لا يحسون بهزيمتهم، فاننا لن نستطيع العودة الى المفاوضات»، هكذا تبحث السلطات الاسرائيلية عبر استخدام جميع الوسائل من اجل «استنزاف المجتمع الفلسطيني وتهديم قدراته على التعبئة». وفي المحصلة تعمد مؤلفة هذا الكتاب الى القول: «لن يتم التوصل الى حل المسألة الفلسطينية بمجرد اللجوء الى الخيار الامني»