بيان الكتب: جرشران داس هو كاتب افتتاحيات في صحيفة «تايم اوف انديا» كما انه يساهم في عدة صحف اخرى، له عدة مؤلفات أدبية في ميداني الرواية والمسرح، وهو خريج معهد هارفارد ومدرسة هارفارد في الاعمال، يعمل الآن مستشاراً في ميدان الصناعة لدى الحكومة الهندية يعيش حالياً مع زوجته واطفاله في نيودلهي. تشكل الهند اليوم احدى واحات الديمقراطية في العالم الامر الذي يبدو في غاية التناقض و«الاستعصاء» على الفهم اذ ان عشرات الملايين من مواطني هذه الديمقراطية يعيشون في حالة بؤس شديدة ولذلك لا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول بأن «صعود الامة الهندية يشكل احدى التجارب العظمى التي شهدها القرن العشرون» وهذا ما يحاول اثباته عبر تقديم التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للهند منذ الاستقلال عن الامبراطورية البريطانية عام 1947 وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين حتى بداية الألفية الجديدة هذا مع تأكيد المؤلف بالوقت نفسه بأن السياسات الهندية بعد الاستقلال قد تبنت سياسات بيروقراطية كان رئيس وزراء الهند الاسبق وأحد الشخصيات الاكثر شهرة في حياة الهند الحديثة جواهر لال نهرو، هو احد رموزها الاساسيين وكانت بداية عقد التسعينيات نقطة انعطاف هامة شهدت الهند بعدها مرحلة من «النمو الاقتصادي الاستثنائي» ولا شك بأن المعرفة العميقة لمؤلف هذا الكتاب من خلال موقعه الاكاديمي وتجربته القريبة من آليات السلطة ساعدت كثيراً في جعل التحليلات التي يقدمها قريبة جداً من واقع التاريخ الهندي القريب المعاصر وبكثير من الدقة. يقسم المؤلف تاريخ الهند الاقتصادي والاجتماعي منذ نيل الاستقلال وحتى مطلع الألفية الجديدة الى ثلاث حقب اساسية يكرس لكل واحدة منها قسماً من اقسام كتابه، تمتد الحقبة الاولى من عام 1942 وحتى عام 1966 وتشمل الثانية سنوات 1966-1991 اما الحقبة الاخيرة فتخص فترة ما بعد عام 1991. ان القاعدة الأساسية التي يحاول مؤلف هذا الكتاب تثبيتها منذ بداية تحليلاته تقول بأن ثروة الأمم وفقرها يشكلان المحور الأساسي للاقتصاد السياسي وقد كانت تلك ايضاً هي احدى القواعد الأساسية التي اكد عليها الاقتصادي الكبير «مالثوس» مؤسس تيار «المالثوسية» تيمناً باسمه وعلى هذا الاساس يكون انتقال اي بلد من حالة الفقر الى حالة الازدهار والثروة ومن اطار التقاليد الى الحداثة انما يمثل مشروعاً باهراً وعظيماً» كما يقول المؤلف ليؤكد على مدى كتابه كله بأن الهند الحديثة قد عرفت بالفعل مثل هذه النقلة النوعية وذلك لأنها برزت قبل فترة وجيزة كـ «سوق ديمقراطية حرة» خاصة بعد حركة الاصلاح الجوهرية التي شهدها مطلع عقد التسعينيات الماضي بل وانها بدأت تبرز عضلاتها في اطار اقتصاد العولمة. واذا كان المؤلف يؤكد على أهمية منعطف عام 1991 في المجال الاقتصادي والاجتماعي الهندي، فإنه يرى بأن الدولة البيروقراطية السابقة بكل صيغها المتعاقبة كانت مسئولة الى حد كبير عن وأد الثورة الصناعية الهندية في المهد اما النهوض فإن المؤلف يجده متزامناً الى حد كبير مع تأصل الديمقراطية في الهند فبمقدار ما كانت هذه الديمقراطية تتقدم وتتعزز كانت مظاهر الازدهار تصبح اكثر حضوراً وتأصلاً ايضاً هي الاخرى هذا وتشكل عملية التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي شهدته الهند منذ انهيار الثنائية الدولية اثر سقوط المعسكر الشيوعي احد المحاور الاساسية في هذا الكتاب يقول المؤلف: «ان صراع سدس الانسانية لنيل كرامته وتحقيق ازدهاره يبدو لي عملاً ذا اهمية استثنائية ولابد ان يكون له آثاره الكبرى بالنسبة لمستقبل العالم كله» ويضيف في مكان آخر «من اجل مستقبل الحرية في العالم». ان قصة «النهوض» الهندي كما يقدمها مؤلف هذا الكتاب لها مكانة عميقة في قلب المجتمع فالمسيرة الهندية «المزدهرة» اعتمدت على دعامتين اساسيتين هما: العدالة الاجتماعية والثورة الاقتصادية، وحيث ان التغيير قد اعتمد جزئياً على الأقل على «تنامي» الديمقراطية الاجتماعية ولكن ايضاً واساساً على زيادة في نسبة النمو الاقتصادي بما بين 5% الى 7% كل سنة خلال العقد المنصرم وذلك مع تنامي دور الطبقة الوسطى في المجتمع الهندي وبعد ان كانت هذه الطبقة لا تمثل سوى نسبة 18% تقريباً من مجموع المليار هندي فأصبحت تمثل حوالي 50% خلال جيل واحد فقط، ان هذه التغيرات كلها هي ما يطلق عليها مؤلف هذا الكتاب تسمية الثورة الصامتة على أساس ما أحدثته من تغيرات اقتصادية وسياسية و اجتماعية. ويقوم المؤلف ايضاً بـ «قراءة» تاريخية للمسيرة الهندية في فترة ما بعد الاستقلال انه يعود اولاً الى الحديث عن حلم نهرو باقامة الهند الحديثة والعادلة، لكن هذا الحلم الذي داعب خيال غالبية ابناء الشعب الهندي لم يتحقق في الواقع بل ان نهرو الذي اراد بناء الاشتراكية في الهند كخيار اقتصادي واجتماعي لم يحقق في الواقع سوى «الجمود» و«الركود» اقتصادياً ونوع من خيبة الامل اجتماعياً وحيث سادت البيروقراطية ورقابة الدولة على مختلف النشاطات. ان المؤلف يتحدث في هذا الاطار عما يسميه الرقابات الكافكاوية من كافكا البيروقراطية. ويرى المؤلف بأن فترة انديرا غاندي، رئيسة وزراء الهند لسنوات طويلة قد شهدت هي الاخرى صعود الاوتوقراطية خلال عقد السبعينيات الماضي واستمرت الاوضاع على نفس الوتيرة تقريباً حتى تبني حكومة نارا سيمحا راو تثبيت التوجه الليبرالي ودفعه وتعزيزه وفتح الباب امام الاستثمارات الخارجية والتجارة ورفع الرقابات المفروضة على الاستيراد واعطاء هامش حرية حركة كبير للقطاع الخاص مع كسر احتكارات القطاع العام وتبني سياسات ضرائبية جديدة وكانت المحصلة العامة لمثل هذا التوجه ان غدت نسبة الزيادة السنوية في النمو الاقتصادي الهندي حوالي 7.5% اعتباراً من منتصف عقد التسعينيات واعتباراً من عام 1993 تضاءل التضخم من نسبة 13% الى نسبة 6% فقط كما ازدادت المبادلات التجارية الهندية عدة اضعاف. باختصار يرى مؤلف هذا الكتاب بأن انخراط الهند في آليات الاقتصاد العالمي كان بالنسبة للكثيرين بمثابة الوصول الى الاستقلال للمرة الثانية، كيف؟ يجيب المؤلف: «لقد تحررنا من دولة جشعة ومسيطرة». هكذا يربط مؤلف هذا الكتاب نهوض الهند الواضح منذ مطلع عقد التسعينيات الماضي بتبني النموذج التنموي الليبرالي والتأكيد على الديمقراطية، انه يرى باختصار بأن هاتين الدعامتين المتلازمتين الليبرالية والديمقراطية تمثلان شرطاً اساسياً لأي ازدهار حقيقي وعلى اساس وجهة النظر هذه يبني مختلف تحليلاته. واذا كان يؤكد بأن عملية الاصلاح الاقتصادي التي بدأت تحديداً اعتباراً من عام 1991 كانت بطيئة ومترددة وغير كاملة لكنها ورغم هذا كله ثبتت مفهوم ومسيرة ضرورة اجراء تغيير كبير في المجتمع الهندي ويشير المؤلف بصيغ مختلفة الى اهمية المنعطف الذي كانت الصين القوة الآسيوية العملاقة الاخرى قد عرفته على يد دينج هسياو بينج عام 1978 والتي كانت بمثابة درس هام بالنسبة للهند كما ان الهند استفادت حسبما يؤكد المؤلف ايضاً من عملية الانتقال من الاقتصاد الصناعي الى ما يسميه بـ «الاقتصاد المعلوماتي» وهذا ما لم تدركه شرائح كبيرة من الطبقة السياسية الهندية كما جاء في التحليلات المقدمة والتي تؤكد ايضاً بأن إحدى المسائل المثيرة للفضول والدهشة المطروحة على التاريخ تتمثل في معرفة كيف توصل الهنود الى تحقيق ثورتهم الصناعية. ان الهند توصلت في الواقع الى تحقيق نهضة هائلة على مدى جيلين فقط من الزمان وقد استطاعت ان تحقق مسيرتها عبر تبني نظام تناوب السلطة «ديمقراطياً» ولقد عرفت الهند الكثير من التلكؤ اثناء مسيرتها خاصة خلال ما يسميه المؤلف بـ «توجهاتها الاشتراكية» حيث ان النخبة آنذاك لم تأخذ الدور الذي كان ينبغي عليها ان تأخذه. كتاب عن الهند الحديثة ونهضتها التنموية الكبيرة ويقدمه مؤلفه مستخدماً ضمير المتكلم الأنا للتأكيد على ان مسيرة حياته تختلط مع مسيرة حياة جيله وهنده.