برناديت شيراك ليست سوى زوجة الرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك والذي يبدأ فترة رئاسية ثانية لقيادة فرنسا لخمس سنوات مقبلة بعد انتصاره، على زعيم اليمين الفرنسي المتطرف «جان ماري لوبن» في الدورة الانتخابية الثانية يوم 5 مايو الجاري اسمها الحقيقي هو «برناديت شودرون دوكورسيل» وكانت قد تزوجت جاك شيراك عام 1956. وباتريك دو كارولين هو صحفي فرنسي عمل في البداية مذيعاً لنشرات الاخبار المتلفزة. وهو اليوم منتج تلفزيوني ومدير عام لمجلة «فيغارو ماجازين». تجدر الاشارة منذ البداية بان هذا الكتاب ظل لعدة اسابيع على رأس قائمة الكتب الاكثر مبيعاً في فرنسا منذ صدوره في اواخر عام 2001. وقد اعتبره العديد من المحللين بانه يلقي اضواء جديدة على شخصية الرئيس الفرنسي جاك شيراك. تقول برناديت شيراك في احدى اجاباتها: «عندما تكون المرأة زوجة لجاك شيراك فإنه ليس بمقدورها ان تظل بعيدة تماماً عن الاضواء! والا فانها يمكن ان تتعرض للسحق، وأنا لا أريد ان اكون مسحوقة». لكن تقول في مكان آخر: «لم أكن انتظر ابداً ان يهتم ـ اي زوجها ـ بالسياسة ذلك ان السياسة كما كان يقول والدي لم يكن منصوصاً عليها في عقد الزواج». ان القوة الاساسية في الافكار التي تطرحها برناديت شيراك في هذا الكتاب تأتي في الواقع من تأكيدها على الحس الانساني وبانها كأية امرأة في العالم تفكر قبل اي شيء بان توفر اكبر قسط ممكن من السعادة لاسرتها وتقديم كل الجهود لانقاذ هذه الاسرة وقت الملّمات، والتي تؤكد بان حياتها مع زوجها قد تعرّضت لبعضها: تقول: «عندما يقرر البشر تأسيس اسرة معا، فاعتقد بان النتيجة لا يرقى اليها الشك». وتقول في مكان آخر: «لقد ناضلت كثيراً.. واتأمل فقط بان لا تغادرني هذه الشجاعة». الصورة الشائعة عن العلاقات القائمة داخل اسرة الرئيس «جاك شيراك» هي ان جاك «الرجل» يفرض ارادته «كأي رجل شرقي» ولا يترك لزوجته الا هامشاً صغيراً للحركة. ان برناديت «المرأة» تصحح في هذه الحوارات الى حد كبير هذه الصورة الشائعة. لكنها تقول بنفس الوقت: «ان زوجي يردد لي كل صباح بان حظي كان رائعاً لأنني تزوجته». في الصفحات الاولى من الكتاب تتحدث برناديت شيراك عن طفولتها واسرتها «وامها القاسية» أو بالأصح «الصارمة»، كما تفضل ان تقول: «التي لا ترى في «صراحتها» الا وجها من اوجه «عاطفة» الامومة لديها.. وقد ساهم ذلك في «صقل» شخصية ابنائها و«تماسكها». وتتحدث كذلك عن والدها الذي كان وقع في الاسر اثناء الحرب العالمية الثانية.. الامر الذي اعتبرته بمثابة «الحدث الاكبر في حياتها». لاسيما وانها كانت الابنة الوحيدة لوالديها حتى سن الثالثة عشرة لكن بعد عودة والدها من الاسر اصبح لها اخت واخ: وهي تؤكد بان والدها قد لعب «دوراً كبيراً في تفتحها الفكري» وقد اخذت «برناديت» عن والدها صفة «التكتم» وعدم اظهار «العواطف» وتعتبر ان هذا كان بمثابة قاعدة لدى اسرتها كلها حيث كانت مربيات «انجليزيات» يشرفن على تنشئة الاطفال. وما تؤكده برناديت شيراك هو انها قد تفاجأت كثيراً عندما اخبرها زوجها بانه سوف يعمل في السياسة.. لانه كان من «المتفق عليه» ان يعمل بعد تخرجه من «المدرسة الوطنية للادارة ..(المعروفة باسم الـ «اينا» وهي المدرسة الاكثر اهمية في فرنسا حيث تخرج منها اغلبية القادة السياسيين الفرنسيين. مثل شيراك وليونيل جوسبان وغيرهما) في السلك الوظيفي.. «كان الطريق مرسوماً» كما تقول وتضيف: «بعيداً عن السياسة». كما انها تؤكد بانها كانت معارضة بشدة لانخراطه في العمل السياسي. تقول: «كنت اعتقد جيداً بان انخراط زوجي في العمل السياسي يعني بانه سوف يهرب مني حيث سيكون في الخارج دائماً برفقة الآخرين وعلي ان اقول بأنني لم أخطئ كثيراً في اعتقادي ذاك لكن ما العمل؟ لقد سادت لحظات من التوتر آنذاك وفي حقل السياسة دائماً تؤكد برناديت شيراك: بأنها تنتمي مثل زوجها الى «الاسرة السياسية الديجولية». وعن فوز «جاك شيراك» زوجها بالانتخابات الرئاسية عام 1995 تقول برناديت: «كان ذلك انتصاره هو قبل كل شيء لان ذلك كان تتويجاً لسنوات طويلة من الجهد والعمل والنضال وكي لا اكون متواضعة كثيراً، لا شك بأنني قد ساعدته الى حد ما.. لقد قدمت افضل ما لدي كي اساعده» وتروي «برناديت» في هذا السياق بأن زوجها قد وجه لها الكلام بحدة ـ كان ذلك اثناء فترة التوتر ـ قائلاً: «انك تفشلين في تحقيق اي شيء وتدفعين الآخرين الى ان يخفقوا في كل شيء ايضاً» لكن هذا لم يكن سوى مجرد «واحدة من تلك الجمل التي يطلقها الانسان عند الغضب»، ثم انها «جمل» تندثر في اليوم التالي كما انها تؤكد بنفس السياق بأنها في لحظة الانتصار ـ 7 مايو 1995 ـ انتصار زوجها في الانتخابات الرئاسية وانتصارها هي جزئياً فكرت تحديداً بأهله وهكذا فعل هو ايضاً حيث أعلن بعد فوزه مباشرة بأنه فكر بأهله ايضاً والذين كانوا قد قضوا منذ سنوات طويلة تجدر الاشارة الى ان اسرة «برناديت» كانت اكثر عراقة من اسرة جاك شيراك وكانت تلك هي احدى العقبات في مرحلة التحضير للزواج الامر الذي احتجت عليه والدة جاك شيراك بالقول «لكن ابني سيصبح رئيس جمهورية، وليس اقل» اما التهنئة الاولى بالفوز من خارج الاسرة فقد كانت من «ليونيل جوسبان» خصمه الخاسر في تلك الانتخابات والذي كان يفترض ان يكون خصمه في هذه الدورة الاخيرة لولا ان مفاجأة الدورة الاولى ادت الى اقصائه ووصول جان ماري لوبن زعيم اليمين الفرنسي المتطرف الى الدورة الثانية. واذا كانت برناديت شيراك تكيل الكثير من المديح لبعض الصفات التي يتحلى بها زوجها فإنها لا تتردد في التصريح بأن هناك خلافاً بين مزاجيهما وبأنهما احتفظا باستمرار كل منهما حيال الآخر بـ «سلوكية الكلمة» فهما قد بدآ حياتهما الزوجية كـ «طالبين» كانا قد التقيا في كلية العلوم السياسية حيث كانت هي طالبة منتظمة ومتفوقة وكان هو اقل انتظاماً واقل تفوقاً ايضاً ولكن ورغم اعتبار انهما حافظا على سلوك الطلبة فإن برناديت لا تزال حتى اليوم تخاطب زوجها بضمير الجمع دليل الاحترام في اللغة الفرنسية ولكن لا يتم استخدامه عادة في دائرة العلاقات الحميمة وخاصة بين الزوج والزوجة «ولكنني ترعرعت في اسرة يتخاطب افرادها فيما بينهم بضمائر الجمع هذه هي قواعد التربية عندنا» تقول برناديت شيراك. ومن السمات الأساسية التي تؤكد عليها برناديت في حياتها وربما الامر الذي جعلها تحظى بشعبية كبيرة لدى الرأي العام الفرنسي، هو انها لم تمارس في أي يوم من الايام عملا وظيفيا، وانما ظلت «ربة اسرة» تقوم بتربية اطفالها والسهر على كل امورهم الصغيرة والكبيرة بنفسها، بعيدا عن «الخدم والحشم» لانها اعتبرت ذلك بمثابة الدور الحقيقي الذي ينبغي ان تطلع به كل أم. وتؤكد بأنها «اعطت اطفالها كل وقتها» الامر الذي كان يدفع زوجها احيانا الى القول لها: «ان غريزة الامومة لديك مفرطة» ولكنها تفسر ذلك بالقول بأن الامر لم يكن يعني بالنسبة له انها تعطي اولادها «أكثر مما يستحقون من العناية وانما ربما كان يحتج لانها «لا تهتم به بدرجة كافية» لقد حاولت كما تقول الوصول الى نوع من التوازن و«لكن الامر لم يكن سهلا» وتكشف برناديت شيراك في هذا السياق عن المعاناة التي عاشتها كأم عند اصابة ابنتها «لورانس» بمرض عقلي عضال.. ومحاولتها اي الابنة مرات وضع حد لحياتها. تقول «آمل فقط، على غرار أولئك الاهل الذين لديهم اطفال جرحى ـ مرضى، ان لا تفارقني الشجاعة». ومن خلال هذه المعاناة كانت برناديت شيراك في جمعية «مستشفيات باريس ـ مستشفيات فرنسا» منذ عام 1994 والتي حددت هدفها في تحسين شروط اقامة الاطفال والطاعنين بالسن في المستشفيات والمصحات. وضمن اطار هذه الجمعية تقوم كل عام بعملية جمع القطع النقدية الصغيرة ـ الصفراء ـ لمصالح الاطفال. وفي مقابل هذا تدين برناديت شيراك كل اشكال العنف لان «العنف يجر العنف» كما تقول وتضيف بأن هذه الظاهرة قد غزت المدارس مما جعلها اكثر خطورة». ان برناديت شيراك تقدم في هذا الكتاب الحوارات صورة امرأة مثلما هي زوجة وأم وناشطة في ميدان حماية حقوق الطفل.. وهي تعرف ما تراه اكثر اهمية في الحياة بالقول: «المهم بالنسبة لي، هو ان يعيش المرء احلامه واهواءه والانفتاح على الآخرين الذين يقدمون لنا الكثير، ان يعيش المرء حياته مع افراحه واتراحه «العيش بكل معنى الكلمة، وبكل بساطة». سيرة حياة امرأة رئيس.. ولكن سيرة حياة امرأة، انسان قبل أي شيء آخر