بيان الكتب: جيرار بودسون، مؤلف هذا الكتاب، هو باحث في الشئون الاستراتيجية والعلاقات الدولية.. له العديد من المؤلفات في هذا الميدان. من هو الذي يثير حالة عدم الاستقرار في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية؟ ومن الذي سعى الى تجزئة البلقان من اجل الضغط على اوروبا، ومن الذي يريد ان يثبت حق التدخل بشئون الآخرين وحسب معايير متباينة؟ ومن يعطي لنفسه حق فرض الحظر على هذا البلد او ذاك.. ودائماً باسم الحرب العادلة والحرب النظيفة؟ ومن الذي يستخدم شبكات واسعة من الاستخبارات والجاسوسية ويطرح نفسه كمدافع عن الحرية؟.. على جميع هذه الاسئلة والكثير غيرها من الطبيعة نفسها، يجيب «جيرار بودسون»، مؤلف هذا الكتاب بالقول: «انه العم سام» ذلك ان كل الآمال المعلّقة على النظام الدولي الجديد بزعامة الولايات المتحدة الامريكية بقيت مجرد وعود برّاقة لم تجد ترجمتها على ارض الواقع.. هذا ما تشهد عليه الحروب العديدة التي اشتعلت في أكثر من منطقة من مناطق العالم. وفي مقدمة هذه الحروب، حرب الخليج الأخيرة التي يكرس لها المؤلف احد فصول هذا الكتاب.. ويختار كتصدير لهذا الفصل جملة شهيرة لأهم منظّري الحرب في العصور الحديثة «كارل فون كلاوزفتس» صاحب كتاب «حول الحرب»، وتقول هذه الجملة: «الحرب هي متابعة السياسة بوسائل أخرى». ان أهمية حرب الخليج تتأتى من الموقع الاستراتيجي الذي يحتله الشرقان «الادنى» و«الاوسط»، ومن احتياطات النفط الكبيرة التي تحتوي عليها منطقة الخليج، ويرى المؤلف بأن هذه المنطقة كانت باستمرار مصدر قلق بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية التي وجدت نفسها باستمرار امام مطلبين اساسيين في سياستها الخارجية ويتمثلان في «المحافظة على اسرائيل والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية والنفطية». ان الموقف الداعم لاسرائيل يشكل «لاسباب ايديولوجية ودينية واخلاقية» احد ثوابت السياسة الخارجية الامريكية. ويرى المؤلف في هذا السياق بأن ادراك الدروس العميقة لحرب الخليج الأخيرة يقتضي العودة الى فهم اسباب الحرب العراقية ـ الايرانية التي استمرت طيلة سنوات 1980 ـ 1988 في الوقت الذي كان العراق يريدها ان تكون «حرباً خاطفة» وقد عرفت تلك الحرب مرحلتين. المرحلة الاولى استمرت منذ اندلاعها عام 1980 وحتى عام 1982 وتميزت بتفوق واضح للعراق ثم المرحلة الثانية التي بدأت مع «الهجوم المضاد» الايراني الكبير، وكان احتلال المرفأين العراقيين المهمين اي «البصرة» و«الفاو» بمثابة قرع ناقوس الخطر بالنسبة للغربيين الذين خشوا تقدماً ايرانياً باتجاه بلدان الخليج. وفي هذا السياق وخلال شهر ابريل من عام 1988، وكرد على انفجار لغم أدّى الى بعض الاضرار بالنسبة للسفينة الحربية الامريكية «ستارك» قامت البحرية الامريكية بتدمير البحرية الايرانية بصورة شبه كاملة.. وهنا يشير المؤلف الى انه كان قد تم «استخدام الحجة نفسها للتدخل في كوبا عام 1898 وللهجوم على فيتنام الشمالية عام 1964». انتهت الحرب العراقية ـ الايرانية في شهر اغسطس من عام 1988 بعد ان كانت خسائرها البشرية قد فاقت المليون ضحية من الطرفين. ولكن ما ان وضعت الحرب اوزارها حتى «سادت حالة من التوتر الشديد بين العراق والكويت» كما يشير المؤلف ويعيد ذلك التوتر الى ملفين اساسيين هما «ملف الديون» و«حصول العراق على منافذ على البحر». وقد كانت «نصيحة» واشنطن انذاك هي عدم التنازل في اي من هذين الملفين. ويرجح المؤلف في هذا السياق المقولة التي رددها محللون كثيرون والقائلة بأن الرئيس العراقي قد وقع في «الفخ» الذي نصبه له الامريكيون. وذلك على قاعدة ما رددته السيدة «ابريل جلاسبي» سفيرة الولايات المتحدة انذاك في العراق حيث قالت للرئيس العراقي: «ليس لنا رأي حول النزاعات العربية ـ العربية مثل خلافاتكم في موضوع الحدود مع الكويت. بل وانها زاودت في الاتجاه نفسه حين قالت: «ان الولايات المتحدة تعتبر العراق بمثابة عنصر اساسي في استقرار المنطقة». كانت الحرب العراقية ـ الايرانية اذن، ولو من بعيد، بمثابة «منعطف حاسم» نحو «حرب الخليج» الثانية وللولادة المعضلة لما سمي بـ «النظام الدولي الجديد» هذا النظام الذي اختلط في حرب الخليج مع السيطرة على الاحتياطي الرئيسي العالمي للبترول». وكانت تلك السيطرة قد تمت باسم «الدفاع عن القانون الدولي» ويرى المؤلف في هذا السياق بأنه كان يمكن لحرب الخليج ألاّ تقع دون ان يتم تعبئة نصف العالم وانفاق مليارات الدولارات ومئات الآلاف من القتلى ـ اغلبيتهم من العراقيين. ولكن ما هو فوق هذا كله واقع ان رمال الخليج تخبيء الطاقة المطلوبة للقرون المقبلة. ولا يتردد المؤلف في هذا السياق بالتأكيد ان حرب الخليج كانت حرباً «مبيتة» وان النفط لم يكن السبب الوحيد لاندلاعها. فـ «الامريكيون كانوا قد تلقوا الانذار من حلفائهم الاسرائيليين بالخطر الذي تمثله القوة العسكرية العراقية ـ 700000 مقاتل و2800 دبابة و190 مدفعا كبيرا وصواريخ سكود و700 طائرة مقاتلة ـ على الدولة العبرية، وينقل المؤلف عن الجنرال «ج. بتلر» المستشار المقرّب من وزير الخارجية الامريكي الحالي «كولن باول» كتابته في مجلة القوات الجوية الامريكية «اير فورس ماجازين» في شهر مارس من عام 1991 ما يلي: «منذ نهاية عام 1989» كرّسنا القسم الأكبر من وقتنا ومن انتباهنا لتخطيط الدفاع العسكري الامريكي مستقبلاً وذلك من اجل المحافظة على الاستقرار الاقليمي وعلى مواقعنا الاستراتيجية. وفي نهاية التحليل اتفق الجميع على حقيقة التهديد الذي كان يمثله العراق على المدى الطويل». وبعد عقد من الزمان على نهاية حرب الخليج اصبحت الولايات المتحدة الامريكية هي القوة المهيمنة في منطقة الشرق الاوسط. ولايزال العراق يرزح تحت الحصار وايران مهمشة الى هذه الدرجة او تلك.. هذه هي المعالم الرئيسية للصورة التي يرسمها المؤلف لما آلت اليه الاوضاع.. لكن لهذه الهيمنة الامريكية وجهاً اخر يحدده المؤلف في ادراك «الشارع العربي» بسيادة سياسة «المعيارين والمكيالين» الامريكية حيال المنطقة.. ويشير المؤلف في هذا السياق بان العديد من رجال السياسة والمحللين الامريكيين يرون بانه اعتباراً من نهاية حرب الخليج ينبغي العمل من اجل اعادة النظر في سياسة جعلت من الولايات المتحدة حليفة للاسرائيليين وعدوة للعرب. لكن الاحداث الجارية في فلسطين اليوم تشير بوضوح الى ان مثل هذا التوجه «غير فاعل» حتى الان على الأقل. ويركز المؤلف في هذا السياق على الدور المركزي الذي تلعبه تركيا باعتبارها «الحليف المتميز» للولايات المتحدة الامريكية. وذلك على اعتبار انها تتيح لها حرية حركة واسعة في ثلاث مناطق ذات حساسية بالغة تتمثل في الشرق الاوسط وجنوب اوروبا واسيا الوسطى. وكانت تركيا على اعتبار انها عضو في الحلف الاطلسي قد وضعت قواعدها العسكرية تحت تصرف الولايات المتحدة الامريكية اثناء الحرب ضد العراق. ويشير المؤلف ايضا في هذا السياق الى «الورقة الرابحة» الكبيرة التي تمتلكها تركيا في مواجهة جاريها: العراق وسوريا والمتمثلة في المياه المرشحة كي تلعب دوراً مركزياً في الحسابات الاستراتيجية الاقليمية. اذا كانت منطقة الشرق الاوسط تشكل احد مراكز اهتمام السياسات الاستراتيجية الامريكية فإنها ليست نقطة الارتكاز الوحيدة لـ «مصادر الهيمنة» العالمية.. وهذا ما يبينه المؤلف عبر تعرّضه لتحليل الخطط الامريكية حيال امريكا اللاتينية التي تعاني من «قربها من بلاد العم سام». هذا ما يستقرؤه المؤلف من دروس التاريخ البعيد منه والقريب. وكان الامريكيون قد استخدموا جميع الوسائل من اجل فرض انفسهم كسادة على القارة الامريكية «العالم الجديد» وطبقّوا بحذافيره». مثلا افريقياً شعار كان يردده باستمرار الرئيس الامريكي الاسبق «تيودور روزفلت» انطلاقا من عام 1903 ويقول: «ولقد رفع الامريكيون بالفعل «العصا الغليظة» وضربوا بها ليفرضوا رأيهم ووجهات نظرهم على أساس ان «قانون الاقوى هو دائماً الافضل». ويشير المؤلف في تحليلاته الى اتجاهين رئيسيين حكما غالباً الرؤية السياسية الامريكية.. ويتمثل احدهما في رفع شعار «امريكا اولاً».. وهكذا خفّت الولايات المتحدة عند اندلاع الحرب العالمية الاولى عام 1914 الى اعلان «حياديتها» ولم تدخل الحرب الا عام 1918 لتقرر في سياق تدخلها وانتصارها ان «تأخذ بيدها زمام قيادة العالم عامة، واوروبا خاصة وهذا هو التوجه الثاني في الرواية السياسية الامريكية.. وما عبّرت عنه «مباديء الرئيس ولسون الاربعة عشر». وقد تم التعبير عن هذين الاتجاهين ايضا اثناء الحرب العالمية الثانية حيث ان امريكا لم تعلن دخولها الحرب الا بعد الهجوم الياباني الشهير على قاعدة «بيرل هاربور» الامريكية في المحيط الهادي مما اعطى القيادة السياسية الامريكية «الورقة» التي تعطيها «الضوء الأخضر» للتدخل والحصول على تأييد الرأي العام الذي كان معارضاً في البداية للحرب طالما انها بعيدة عن «الجسد» الامريكي. وقد ساد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية اتجاه تشجيع الهيمنة الامريكية على العالم فكان «مشروع مارشال» لاعادة تعمير اوروبا عام 1948 والتدخل «المأساوي» في فيتنام. ثم حدث انهيار جدار برلين وسقوط المعسكر الشيوعي ونهاية الحرب الباردة وحرب الخليج وحروب البلقان... وليفرض اخيرا «الأخ الاكبر» سلطته وهيمنته. يقول الشاعر الفرنسي الكبير فكتور هوجو في احد اشعاره: «ان الكبار هم ما يريدون اما الصغار فهم ما يستطيعون»