في مثل الأول من الأمس للعام 1980 وثبت «البيان» إلى الشارع. الظهور لم يكن على قدر التوقع. إبان مرحلة الإعداد تشكل ترقُب لجريدة بحجم مشروعات دبي الطموحة جداً. كل شيء كان يبدو ممهداً لصحيفة على مستوى الرهان. ثمة ظروف تقاطعت قُبيْل الصدور حمّلها البعض مسئولية وليد أقل عافية من محيطه العائلي ومن لهف المنتظرين. بين جيل المؤسسين أسماء لامعة في بلاط صاحبة الجلالة العربية. من المؤكد أن وجود أولئك الأساتذة العظام تحت سقف صالة تحرير واحدة عزز الأمل في مطبوعة استثنائية. بين أولئك الفطاحلة إبراهيم سكجها، فيليب جلال ومصطفى كمال ـ عطر الله ثراهم ـ كذلك ياسر هواري الذي أدار ولا يزال مجلات في المهجر، خليل خوري الذي يرأس حالياً الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام، سليمان الفرزلي الذي كتب افتتاحية البيان رقم (1)، عيسى كامل الذي عاد بعد فترة وجيزة إلى قواعده سالماً في «الرياض»، نعيم جبارة الذي اعتزل ميادين الصحافة الرياضية فيما بعد تحت إغراء صحافة الإعلان ويوسف صلاح الذي كانت قبرص محطته التالية وليست الأخيرة. الصحيفة التي صدرت بجهد جماعي لهذا الفريق كانت بمثابة صدمة لهم قبل الآخرين. إذ لم ترض قناعة أي منهم عقب الصدور. وأجمعوا على أن المنتج وليد مشوه لفطاحلة مخضرمين. تلك مصيبة بالتأكيد، غير أن المصيبة الأكبر أنهم لم يجمعوا على تحديد الجينات التي أدت إلى وليد مشوّه في الشكل والروح. لا أعتقد أن حواراً موضوعياً دار بين أعضاء الفريق بروح الجدّية المهنية لوضع الأصابع على مفاصل الإخفاق. عوضاً عن ذلك تبادل الأساتذة الاتهامات ونشر بعض غسيل بعض، قد يكون أشهر مثال لذلك المقال الذي نشره الفرزلي في مجلة «الحوادث» عقب مغادرته على عجل إثر الصدور. ليس القصد طعن أحد في الظهر أو تبخيس جهد بقدر ما هو محاولة لكسر المألوف في مثل هذه المناسبات. فقد تعلمنا من أولئك الأساتذة كثيراً. الدرس الأكثر فصاحة الذي استخلصناه في باكورة التجربة أن الأسماء اللامعة لا تكفي وحدها لصناعة جريدة. ربما يفيد الإشارة في هذا المنعطف إلى أن بين القياديين المؤسسين رجالاً لهم شيء من بريق ولكنهم لم يكونوا قد خاضوا تجربة العمل الصحافي وبعضهم عرف ذلك من باب الكتابة لكنه لم يكن صحافياً أصلاً. من المؤكد أن ذلك ملمح من ظاهرة الإخفاق غير أن ما أدى إلى استفحال الأزمة أن هذا الملمح كان أوسع انتشاراً وأعمق تجذراً في الصف الوسيط والقاعدة داخل صالة التحرير. إذ كان معظم هؤلاء قد بدأوا التعرف على تجربة العمل الصحافي داخل الصالة نفسها وقليل من الذين كانت لهم علاقة سابقة كانوا ذوي عود صلب أو يُبشرون بوعد قريب. الدرس الأكثر بلاغة الذي تعلمناه في تلك المرحلة أن الصحيفة لا تصنع صحافيين بل المؤسسة الصحافية هي التي يمكن أن تُنشئ صحافيين وهناك بون شاسع بين صحيفة ناشئة ومؤسسة صحافية. لعل الزملاء الذين عايشوا تلك الحقبة يُعددون الآن من أفلح وتدرج في مؤسسات صحافية ومن ظل يراوح منهم مكانه بعد مرور عقدين ويزيد. ربما من محمدة تلك المرحلة أن صالة التحرير كانت تعج بمختلف اللهجات العربية من العراق واليمن إلى المغرب العربي. الصحيفة في عداد منتجات يعتمد رواجها إلى حد بعيد على الانطباع الأول الذي تُحدثه في الأسواق. استعادة ثقة المستهلك تصبح مهمة صعبة وعصيّة خاصة إذا تصدت لها الإدارة نفسها. ربما تكون مستحيلة عندئذ. الدرس الأكثر عمقاً الذي طرحته التجربة الوسيطة بعد ذلك أن إعادة البناء أكثر مشقة من مهمة البناء. ثمة وجوه بدأت ترحل طوعاً أو قسراً ووجوه جديدة تظل تحاول أن تحدث إضافة. من هؤلاء الأديب القاص محمد المر الذي ترك بصمة غير أن المقام لم يطل به. ثمة حركة تغييرات بطيئة جرت في مرحلة لاحقة دون أن تتمكن من حفر مسار جديد أو دفع المطبوعة إلى الأمام في مسارها ذاته. من أبرز الدروس المستقاة في تلك الحقبة أن مسئولين يُستعان بهم لتطعيم الفريق فيضعوا في اعتبارهم تقديم خدمة لذي قربى أو مودة أكثر من خدمة المشروع نفسه. خالد محمد أحمد، جاء «البيان» مصحوباً برهانين متصادمين في عيون مجموع العاملين. ومن الطبيعي أن يُحدث مثل هذا التناقض شرخاً، وهذا ما حدث بالفعل ومن القمة إلى القاعدة، غير أن الرجل كان مصمماً كما بدا واضحاً على الاستفادة من تجربته السابقة في «الاتحاد» فأنفق من زمنه طويلاً يقرأ تضاريس «البيان» قبل أن يُشمّر لمهمة الهدم وإعادة البناء. إذا كنا أسلفنا القول على أن إعادة البناء أكثر مشقة من البناء فلنا أن نتصور الجهد المبذول في عمليات كانت أشبه أحياناً بالحفريات الأثرية. في هذه المرحلة تعددت الوجوه المغادرة على دفعات مقابل إبطاء شديد في الإحلال. بالتأكيد دفعت «البيان» ضريبة مقابل ذلك، كما أن البعض دفع ضريبة باهظة دون مقابل. ثمة حروب صغيرة قد يتعذر الحديث عنها في هذه المساحة، لكن لا أجد حرجاً في الحديث عن «حرب القدامى والجدد» في هذه المرحلة. في السنة الأولى بعد منتصف عقد التسعينيات تبلور مشروع خالد محمد أحمد ورقاً في الشارع. بين الممكن والمراد عبرت «البيان» مراحل متنوعة في الشكل، اقتضتها ضرورات فنية، غير أنها أصبحت ـ ويا للمفارقة ـ نهجاً وأنموذجاً.