في الثاني من إبريل «نيسان الماضي» لجأ 300 فلسطيني بعضهم مسلحون الى كنيسة المهد أملاً في ان يتوفر لهم قدرٌ من الحماية وهم في حمى المكان الذي شيّد للعبادة منذ ما يقارب الالفي عام. لكن طغيان المحتل لا يعترف ببقعة مقدسة تطؤها أقدام جنوده، وأرتال آلياته ودباباته، فأينما تطأ ارض اليهود ـ كما يدعون في توراتهم المحرفة ـ فإن تلك الأرض باتت تحت سيطرتهم ولهم الحق في فعل ما يشاؤون بها!! أكثر من شهر والمحاصرون داخل الكنيسة صامدون تحت نيران المحتل الذي لم ير في إطالة أمد الحصار إلا فرصة سانحة لإلحاق المزيد من الأذى بالمقاومة والمقاومين!! غير أن المحاصرين في كنيسة المهد من كتائب شهداء الاقصى وحماس وحركة الجهاد الاسلامي خيّبوا آماله وثبتوا كالجبال ثباتاً يليق بهم وبقضيتهم التي نذروا حياتهم لها... هذا الثبات الاسطوري يعجز عنه الملايين ممن ألفوا العيش الآمن، والحياة الهانئة المترفة، وأدمنوا الرخاء والبذخ بعيدا عن صوت القنابل وطلقات الرصاص!! أي مفارقة وأي بون بين من تعلّقت قلوبهم بالسماء، وارتشفوا معاني العز والإباء وأحبوا فلسطين كما لم يحبوا شيئا في الحياة سواها، وبين من اكتفوا بالحملقة والبحلقة والنوم والتثاؤب، والتفتوا الى مطامع الحياة وآثروا الابتعاد عن حمل بعض تبعات القضية ولا نقول كلّها لكونهم اعجز من حمل ذلك الشرف والفضل.. ما أغرب الحياة التي تجمع مثل هذين الفريقين من بني البشر، ولكنها درجات ومسافات تلك التي تفصل بين الطائفتين، فتجعل الاولين في نهاية سلم المجد بينما تلقي بالفريق الاخر خارج حركة الحياة، وبعيدا عن دائرة التأثير بعد ان عجزوا عن كتابة سطر واحد في ديوان التضحية والفداء!! تُجيب إيمان عبيّات «أم اياد» شقيقة ابراهيم عبيّات أحد أفراد كتائب شهداء الاقصى المحاصرين في كنيسة المهد على سؤال وجّه لها عن موقفها من فكرة مقايضة انهاء الحصار بإبعاد المحاصرين إما الى خارج فلسطين، وإما الى غزة قائلة: لماذا يُبعدون؟ ولماذا يتم التفكير في شيء من هذا القبيل؟! نحن ننتظر من في الخارج ان يعودوا الى الوطن، ولا نرضى لابنائنا ان يهجّروا او ان يُنفوا من بلادهم!! ثم اضافت: «ليس ابراهيم عبيّات وحده من ذاق كأس الاحتلال، فقبله حسين عبيّات اغتالته يد الغدر الصهيونية من خلال طائرة قصفته من الجو، وغيره هناك آخرون من افراد العائلة تمت تصفيتهم على ايدي الصهاينة». لقد جسّدت ايمان عبيّات بكلماتها معنى الاتصال والتلاقي بين الكلمة والفعل، وألغت أيّ معنى للانفصال بين الفكرة والعمل، فعبّرت وهي سليلة البيت المجاهد عن عظمة هذا الشعب الذي لا يركع لعدو ويأبى الانحناء لغير رافع السماء. وما يضفي على كلمات ام إياد المزيد من الاجلال والقوة هو ان المتابع لحال المحاصرين في هذه الكنيسة يتوقع من ان اقرباءهم سيرحبون بأي حل ينهي ازمتهم، ويخلصهم مما هم فيه من المعاناة التي جلّت عن الوصف. ولكن هذا الشعب لا يعرف الا لغة واحدة يعبّر بها عن موقفه الاصيل، ويلخّص فيها رأيه في الصفقات الهزيلة المعروضة عليه، فلا رحيل او تسفير، ولا ترانسفير او تهجير، ولا نفي او إبعاد ترضى به المقاومة بل هو جواب واحد وموقف واحد. ان الابعاد هو الموت المحقق، وهو الشر المستطير الذي يرفضه كل شريف مجاهد.. شعارهم في ذلك شعار ذلك العربي البطل: لا تسقني كأس الحياة بذلة بل اسقني بالعز كأس الحنظل مريم عبدالله النعيمي