بيان 2:اعتاد البروفيسور لورانس سومرز، الذي هيمن على التنظير السياسي الأمريكي في ظل رئاسة الرئيس كلينتون، على القول إن الولايات المتحدة هي الدولة العظمى الوحيدة غير الامبريالية في التاريخ. لكن هل هناك ما يدعم هذا الزعم حالياً؟ لقد ركزت الحرب على الإرهاب الانتباه على الدول التي تعاني من الفوضى والتي توفر الأرباح والملاذ للخارجين على القانون المتسمين بالعدمية، من السودان إلى أفغانستان وسيراليون والصومال. وحينما هدد الفراغ في هذه البلاد الدول العظمى في الماضي، كان لدى هذه الأخيرة حل جاهز هو الامبريالية. لكن منذ الحرب العالمية الثانية تم استبعاد هذا الخيار. وبعد ألفيتين من سيادة الامبراطوريات، ترفض المجتمعات المنظمة الآن فرض مؤسساتها على المجتمعات الفوضوية. غير أن هذا الكابح المناهض للامبريالية أصبح من الصعب استدامته مع اتساع نطاق التهديد الذي تمثله الفوضى في الدول الفقيرة. فالحرب الأهلية أصبحت أكثر تهوراً وأطول عهداً، وفي دراسة غطت 52 حرباً منذ عام 1960 أجراها البنك الدولي جاء فيها أن الحروب التي بدأت بعد عام 1980 دامت ثلاثة أضعاف مدة الحرب التي بدأت قبلها بعقدين. ولكون الحروب تدوم مدداً أطول، فإن عدد الدول التي تتورط فيها يزداد. والتحول نحو الفوضى العنيفة ربما برهن على أنه قادر على استدامة نفسه ذلك ان الحروب تفرز الظروف التي تجعل من الحروب الجديدة أكثر احتمالاً. فما ان تتدهور دولة نحو العنف، حتى يصبح تركيز أهلها منصباً على النجاة الفورية بدلاً من التفكير من خلال مفاهيم المدى الطويل، إذ يتراجع الاهتمام بإنقاذ الاستثمارات والثروة، فيما يسعى المسئولون الحكوميون للنهب ليستفيدوا هم والمقربون منهم، بدلاً من العمل على وضع سياسات قادرة على إرساء حالة من الرخاء على المدى البعيد. وهنا تظهر دورة الفقر وزعزعة الاستقرار والعنف. وهناك سبب آخر يفسر تضاعف اخفاقات الدول. فالعنف والفوضى الاجتماعية على علاقة بالتزايد السريع في أعداد السكان، وهذا الضغط السكاني لا يظهر مؤشرات على تراجعه، ففي غضون العشرين عاماً المقبلة يتوقع ان يزيد تعداد سكان العالم من حوالي 6 مليارات نسمة الى ثمانية مليارات مع تركز كل هذه الزيادة تقريباً في الدول الفقيرة. وبعض أكثر الضغوط السكانية حدة سيتركز في أفغانستان وباكستان والسعودية واليمن والأراضي الفلسطينية، وهي كلها بلاد إسلامية، ذات تيارات قوية معادية للغرب. ووحدها افريقيا جنوب الصحراء تواجه ضغطاً سكانياً يتجاوز ذلك الذي يواجهه العالم الإسلامي. وتشهد افريقيا جنوب الصحراء مزيجاً مؤلماً من ارتفاع معدل المواليد وانتشار الايدز الذي يهدد بالتفكك الاجتماعي والانهيار الحكومي وهو ما يوفر بدوره ارضاً خصبة ليجد فيها الارهاب ملجأ له. والإرهاب ليس إلا خطرا واحدا فقط من تلك الاخطار التي تمثلها الدول ذات الحكومات التي اخفقت في الاضطلاع بمهامها. فمعظم واردات العالم من المخدرات يأتي من مثل هذه الدول، سواء أكان أفيوناً من أفغانستان أو كوكايين من كولومبيا. كما ان هناك اشكالا اخرى من التجارة الاجرامية تزدهر تحت غطاء الحرب ايضاً. فالسوق السوداء للماس السيراليوني قد افادت مجموعة من المارقين، بينهم رئيس ليبيريا تشارلز تايلور. كما ان الدول المحطمة تهدد الدول المنظمة بزيادتها لضغوط الهجرة. وهذه الضغوط توجد تجارة رابحة بتهريب العمالة غير الشرعية وتزيد من عدد المجرمين المشاركين في الحرب. ان أياً من هذه التهديدات لن يعمل على استحضار النزعة الامبريالية، إذا ما توفرت لديه طرق أخرى للرد عليها. لكن التجارب قد أظهرت ان الخيارات غير الامبريالية، وبشكل خاص المعونات الأجنبية وجهود بناء الدول، ليست طرقاً فاعلة تمام الفاعلية. عبء الرجل الثري فلنأخذ البديل الرئيسي للامبريالية، ألا وهو المعونات الخارجية. إنه ليس من المصادفة ان المنظمتين الأساسيتين المكلفتين بتوزيع هذه المعونات وهما الأمم المتحدة والبنك الدولي قد انشئتا نهاية الحرب العالمية الثانية بعد ان بدأت الامبراطوريات الأوروبية بالتفكك. وطوال عقود من الزمن ظل المفكرون المناصرون للمعونات متأكدين من انها ستكون الحل لمشكلة الفوضى. وفي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين ساد الاعتقاد بأن مجرد توفير رأس المال للدول الفقيرة سيضمن لها نمواً ذاتياً مستداماً. وفي السبعينيات تحول التركيز نحو التخفيف من حدة الفقر على نحو مباشر عبر بناء المدارس والمراكز الصحية. أما في الثمانينيات فقد سعى المانحون للربط بين تقديم المعونات والاصلاحات الاقتصادية. لكنهم أضافوا في التسعينيات مطالب تتعلق باتخاذ اجراءات لمكافحة الفساد والقيام بتحسينات اخرى في الحكومات. وعلى مدى هذا التطور كان منظرو التنمية يرون أن السيطرة على زيادة السكان قد تكون الحل الأوحد. لكنهم حتى الآن لم يعثروا على الحل السحري. كما ان مجموعة من الدول الفاشلة المعاندة رفضت مسايرة هذا النهج. إن هذا لا يعني القول إن تقديم المساعدة توج بالفشل. فمنذ عام 1960 ازداد متوسط العمر في الدول الفقيرة من 45 عاماً إلى 64 عاماً. كما انخفضت نسبة الأمية عالمياً من 47% إلى 25% على مدى العقود الثلاثة الماضية. وتراجع عدد الفقراء في العالم بحوالي 200 مليون نسمة في العقدين الأخيرين، في الوقت نفسه الذي ازداد تعداد البشر 1.6 مليار نسمة. ومنظمات التنمية تستحق من الثناء أكثر مما حصلت عليه حتى الآن، سواء من جانب مناهضي العولمة، أو من جانب معارضي المعونات في الكونجرس الأمريكي وإدارة الرئيس بوش. إلا أن على مانحي المعونات أن يواجهوا عجزهم عن تحريك أكثر الدول فشلاً واستنهاضها من الفقر، خصوصاً في مناطق مثل أفريقيا جنوب الصحراء. لقد شكل البنك الدولي مجموعة عمل داخلية لمواجهة سجله الخاص بالدول الفاشلة ومن دون شك فإن هذه المجموعة ستخرج ببعض الاقتراحات. وتوجيه المعونات بحيث تتفادى المرور عبر الحكومات الفاشلة من المحتمل أن يكون بين هذه الافتراضات. إلا أن البنك كان قد حاول اتباع هذا الأسلوب في السابق. ففي تشاد، على سبيل المثال، أمضى البنك عاماً وهو يعمل على وضع خطة لتطوير حقول النفط في تلك الدولة مع الحيلولة دون تبديد الأرباح بيد الحكام الفاسدين. وقد وضع لهذا الهدف نظام محاسبة معقداً، يتم بموجبه توجيه عوائد النفط نحو صناديق خاصة لدفع تكاليف الرعاية الصحية والتعليم وغيرها من الأهداف المهمة. ولدى الكشف عن نظام المحاسبة هذا عام 2000، مضى البنك الى حد اقتراح امكانية اتباع «النموذج الكندي» من قبل الدول النامية الأخرى ذات الموارد الطبيعية. لكن في غضون ستة أشهر فقط وجدت حكومة تشاد طريقة لتحويل 4.5 ملايين دولار من عوائد النفط لتمويل مشتريات سلاح غير مصرح به. وفي دول مثل الهند والصين التي لديها حكومات فاعلة وملتزمة بالتنمية عموماً، تمكنت المعونات والمشورة التقنية في تسريع الهروب من الفقر الى حد بعيد. وفي أوغندا ذات المؤسسات الأضعف لكن الملتزمة بشدة بالتنمية، ساعدت المعونات أيضاً بخفض الفقر بمعدل 40% خلال عقد واحد فقط. لكن في دول مثل تشاد وهاييتي وأنجولا لا يمكن للمعونات أن تحقق الكثير، ذلك أن هذه البلاد غير مفتوحة أمام خبراء الاقتصاد وليضعوا لها السياسات الاقتصادية من على بعد. وإذا ما أراد الأجانب فعلاً تحسين الواقع الاقتصادي في مثل هذه البيئات، عليهم أولاً البدء ببناء المؤسسات التي تجعل من التنمية أمراً ممكناً. وبمعنى آخر يجب عليهم أن ينخرطوا في العملية المضنية المتمثلة ببناء دولة. لا حل يبدو في الأفق إن بناء دولة عصرية هو إلى حد ما فرع من عملية التنمية. وفي أواخر الثمانينيات بدأ منظرو التنمية يعترفون بأن الخيار الرئيسي للامبريالية، وهو المعونات الاقتصادية، لا يمكن له أن يرسي الاستقرار في الدول الأكثر هشاشة. وبالتالي كان لابد من مكمل سياسي يبدأ بالشفافية والمبادئ الأخرى التي يقوم عليها أي نظام حكم محترم. وهذا الاعتراف تزامن مع انهيار الأنظمة السلطوية في أمريكا اللاتينية وشرق آسيا ثم، وهو الأكثر قوة، انهيارها في الدول الشيوعية. وفجأة وجدت عشرات من الدول نفسها في حالة انتقالية مقلقة. وكانت الحاجة واضحة للتركيز على المكونات السياسية للاستقرار العالمي وبدأ عهد جديد من بناء الدول. وتاريخ ما بعد الحرب الباردة لهذه التجربة يشابه تاريخ المعونات التنموية ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا الهدف الذي يبدو واضحا والمتمثل ببناء ديمقراطيات مستقرة أثبت انه هدف مضلل الى مثير للجنون. وبدورهم حول بناة الدول تنفيذ استراتيجيتهم عبر مراحل متعاقبة تتطور تدريجيا. فالانحصار الفجائي للأنظمة السلطوية أثار بداية الآمال بأن عملية اضفاء الطابع الديمقراطي قد تكون سريعة، ولا تتطلب سوى جهود معقولة لتنظيم ومراقبة الانتخابات، لكن لاحقا ان هذا التحول سيكون صعبا وان على المانحين ان يبنوا أحزابا سياسية وقوات شرطة ومحاكم قضائية ومصالح وضرائب ومصارف مركزية وانظمة جمركية بل وحتى صحافة ومنظمات اجتماعية ونسيج كامل من المجموعات المستقلة التي تشكل قوام المجتمع المدني. وضمن كل هذه الفئات، كانت جهود المانحين تزداد تعقيدا وتطويرا ايضا. فعلى سبيل المثال بدلا من الاكتفاء بمراقبة الانتخابات يتوجب على هؤلاء الآن تقييم الحملات الانتخابية السابقة لها لتضمن ان الكل يلتزم باللعب النظيف. وشأن المعونات التنموية فإن جهود الدمقرطة قد نجحت في بعض المواقع الواعدة. إذ باستثناء البلقان، قطعت أوروبا الشرقية شوطا طيبا بفضل السلام والمستوى التعليمي الجيد للسكان والقرب الجغرافي من دول الاتحاد الاوروبي الغنية. لكن في اكثر الدول استعصاء على هذه الجهود والتي يهدد الفشل الحكومي فيها بتصدير الفوضى للخارج، كان بناء صرح الدولة عملية صعبة. وربما تكون أقرب القصص للنجاح في بلد مزقته الحرب هي موزامبيق التي ظلت مستقرة الى حد معقول منذ انسحاب قوات حفظ السلام الدولية منها عام 1995 بعد اجراء انتخابات متعددة الاحزاب (على الرغم من ان ذلك الانجاز يبدو الآن مهزوزا). أما الصورة الاكثر نمطية فهي أنجولا، حيث أثبتت الانتخابات التي أجريت عام 1992 برعاية من الأمم المتحدة عدم جدواها ولا قيمتها لأن المتمردين المهزومين رفضوا قبول حكم صناديق الاقتراع. وفي كمبوديا تجاهل الطرف الخاسر في الانتخابات التي رعتها الامم المتحدة عام 1993 وهو حزب الشعب الكمبودي بزعامة هون سين، تجاهل النتائج وواصل الامساك بزمام السلطة بالقوة. أما في البوسنة وكوسوفو وتيمور الشرقية فلايزال بناة الدول في هذه الاثناء يحققون بعض التقدم لكنهم حتى الآن لم يصلوا الى الحد الذي يسمح لهم بالانسحاب منها. وفي جهد يستحقون عليه الثناء، حاول بناة الدول مواجهة هذا السجل المحبط، فالدبلوماسي الجزائري الاخضر الابراهيمي الذي يشرف حاليا على مساعي الأمم المتحدة في افغانستان، تقدم مؤخرا بتقرير لتنشيط عملية ادارة عمليات حفظ السلام في مقر الأمم المتحدة. وفي الميدان تم تعزيز بعض عمليات حفظ السلام. فالأمم المتحدة أرسلت عام 1999 قوة حفظ سلام عددها 6 آلاف جندي، لكنها تعد الآن أكثر من 17 ألف جندي. كما عمل العالم ايضا على سد ثغرات عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام بارسال أشكال أخرى من القوات تحت مظلة الأمم المتحدة أو بدونها. ومع ان الغرب قد غض الطرف عن فشل نيجيريا في فرض النظام في سيراليون عام 1997، فإن نيجيريا تدخلت بدون تفويض من الأمم المتحدة، بل بعض المراقبين يذهبون لحد القول ان قوات المرتزقة ايضا يمكن ان تنفذ مهمات بناء الدول، كما حدث في عمليات التدخل الوجيزة في سيراليون وانجولا. أما فيما يخص مجموعة العمل في البنك الدولي حول الدول الفاشلة، فإن هذه الجهود لتعزيز بناء الدول هي اكثر أهمية باعتبارها قبولا ضمنيا بالفشل مما هي علامات على احراز تقدم حاسم. وفي غياب التزام متزايد على نحو كبير من جانب كبار الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، فإن فجوة واسعة ستبقى ماثلة بين طموحات بناة الدول بارساء دول ديمقراطية مستقرة وما تستطيع المؤسسات الدولية فعله حقا. ومع ذلك فإن تقرير الابراهيمي والدعوات التي تظهر لماما لتأسيس جيش للأمم المتحدة هي اعتراف بالمعضلة التي تشكلها نهاية عهد الامبراطوريات، فالعالم الغني يعي على نحو متصاعد ان مصالحه مهددة بالفوضى وانه يفتقر للأدوات اللازمة لحل هذه المشكلة. دولة عظمى أحياناً هل يمكن لأمريكا امبريالية ان تنهض لتملأ هذه الفجوة؟ إن معظم الناس سيرفضون هذا الاحتمال باعتباره غير عملي نهائيا، فالولايات المتحدة كما هو مزعوم لديها ضوابط صارمة ضد المغامرات الخارجية. ولترى هذه الضوابط انظر لمناهضي الهجرات في الكونجرس ونوبات الانعزالية بين الحين والآخر في واشنطن ورفض ادارة بوش المتكرر لخوض عملية بناء دولة. ومن الاحجام عن احتلال العراق نهاية حرب الخليج الى رفض الالتزام بتقديم قوات حفظ سلام في افغانستان أظهرت الولايات المتحدة ان ليس لديها نوايا أو ميول امبريالية. غير ان هذه الضوابط هي في حقيقتها أضعف مما تبدو عليه. فمع ان التاريخ الأمريكي عرف التقاليد الانعزالية، إلا انها ليست المهيمنة عليه أبدا. فهناك تقاليد أخرى كانت دوما حاضرة في التاريخ الأمريكي مثل الدافع للتحرك قدما لتحسين أوضاع العالم أو فتح أسواق خارجية. أما التقليد الذي كان حاضرا دوما على امتداد مسيرة التاريخ الأمريكي فهو القناعة بأن أفضل سلوك إنما هو الذي يناسب الظروف السائدة. فحتى الهجوم على بيرل هاربر عام 1941 كان الأمن الأمريكي يبدو مضمونا بفضل البعد الجغرافي عن الحرب، فالأعداء كانت البحور بينهم وبين أمريكا ولهذا دوما ما كانت السياسة الخارجية في أمريكا تعتبر ترفا. لكن هذه الفرضية تغيرت خلال الحربين العالمية الثانية والباردة. فالتوسع الفاشستي والسلاح النووي هددا المصالح الأمريكية بطرق سافرة وردت الولايات المتحدة على هذه التهديدات لمصالحها بزخم استثنائي، وخاضت حروبا ساخنة وباردة وعبأت الجند في كل العالم. ولاتزال تنفق على قواتها المسلحة أكثر مما تنفقه الحكومات الاوروبية التي عادة ما تحتج على الانعزالية الأمريكية مجتمعة. واليوم ايضا يتوجب على السياسة الأمريكية ان تتلاءم مع الظروف الراهنة، وهذه المرة في مواجهة خطر متعاظم من جنب الدول الفاشلة، فازدراء ادارة بوش لعمليات بناء الدولة ورفضها المشاركة في قوة حفظ السلام في أفغانستان ليست هي كلمة أمريكا النهائية في هذا الصدد، فالرئيس بوش باعلانه الحرب ضد الارهاب يكون على أقل تقدير قد اعترف بالحاح هذا التهديد. ورغم كل التناحر بخصوص التزامات أمريكا في البلقان، فإن الحكومة الأمريكية لم تسحب قواتها لا من البوسنة ولا من كوسوفو. والمنطق الذي يقف وراء الامبريالية الجديدة أقوى بكثير من ان تستطيع ادارة بوش مقاومته. والفوضى في العالم أكثر تهديدا بكثير من ان نتجاهلها، كما ان السبل المتبعة حاليا للتعامل مع هذه الفوضى هي سبل أظهرت عبثها بعد تجريبها. مصير واضح! إن الامبراطوريات لا تقوم دوماً نتيجة تخطيط مسبق، فالمستعمرات الأمريكية الأصلية أتت نتاجا عفويا غير مقصود لدوافع دينية بريطانية. والطبقة السياسية البريطانية لم تكن متيقنة مما إذا كانت تريد حقا ان تحكم الهند، لكن المصالح التجارية جرّتها نحو الهند. والولايات المتحدة اليوم ستكون امبريالية رغم معارضتها الأكبر لهذه النهاية. لكن عهدا امبرياليا جديدا قد أزف، ونتيجة لقوتها فإن أمريكا محتوما عليها ان تكون صاحبة الدور الأكبر في هذا العهد. والسؤال ليس هو فيما إذا كانت الولايات المتحدة ستتحرك لملء الفراغ الذي خلفته الامبراطوريات الاوروبية، بل عما اذا كانت أمريكا ستعترف بأن هذا هو فعلا ما تفعله. وفقط حينما تعترف واشنطن بهذا الواقع ستصبح استجابتها لهذا التهديد متماسكة. إن العقبة الأولى التي تعوق صدور مثل هذا الاعتراف هو الخوف من ان امبراطورية لن تكون بالأمر السهل. وبالفعل فإن فرض النظام على الدول الفاشلة سيكون فعلا أمرا مكلفا وصعبا وربما أخطر ايضا. فبين عامي 1991 و2000 أنفقت الولايات المتحدة 15 مليار دولار على تدخلها العسكري في البلقان. والقيام بعمل مواز في افغانستان وهي البلاد الأوسع بكثير وذات الميول الأعمق للعنف ستكون أكثر تكلفة. لكن يجب النظر الى هذه النفقات بعد مقارنتها بتكاليف الحرب ضد الارهاب وتهريب المخدرات وغيرها من الجرائم الدولية. وبعد هجمات 11 سبتمبر مباشرة أقر الكونجرس الأمريكي نفقات طارئة بقيمة 40 مليار دولار ولم يكن ذلك سوى الدفعة الأولى في الحرب ضد الارهاب. إذ ان التكلفة المقدرة على الاقتصاد الأمريكي نتيجة تلك الهجمات تتراوح بين 100 و300 مليار دولار. أما العقبة الثانية التي تعرقل التوجه الامبريالي هو الخيار البالي بين الاحادية والتعددية الدولية. ان أياً منهما كما هو مفهوم حاليا لا يوفر أساسا قويا للتعامل مع الدول الفاشلة. فدعاة الاحادية يجادلون محقين بأن الحلفاء الضعفاء والاتفاقيات المهزوزة متعددة الاطراف تحد من الانخراط في الواقع العالمي. إلا ان امبريالية أحادية محضة ليست مرشحة لتكون أفضل نتائج من الجهود الدولية متعددة الأطراف المتخبطة احيانا التي بذلت في الماضي. وعلى دعاة الاحادية الاقرار بأن الدول الفوضوية ستكون أكثر ميلا لقبول بناة الدولة الاجانب إذا ما كانوا يتمتعون بشرعية دولية. كما ان استطلاعات الرأي بين الأمريكيين أظهرت ان الشرعية الدولية قضية مهمة على الصعيد الداخلي ايضا. وأتى الدعم الشعبي الأمريكي للحربين في الخليج وأفغانستان انعكاسا للمفهوم القائل بأن كلاً منهما كانت عملية بقيادة أمريكية ومدعومة برأي عام دولي. إن الأمل الأقوى لنا في التعامل مع الدول الفاشلة يكمن في مأسسة هذا المزيج من القيادة الأمريكية والشرعية الدولية. ولحسن الحظ ليس على المرء ان ينظر بعيدا ليرى كيف يمكن تحقيق ذلك، فالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي يجسدان مسبقا هذه الصيغة الهجين نفسها: كلتا المؤسستين تعكس طريقة التفكير والأولويات الأمريكية مع كونه مؤسسة دولية متعددة الاطراف في الوقت نفسه. والسجل العام لكلتا المؤسستين ـ خصوصا فشل البنك الدولي تجاه قضية الدول الفاشلة ـ يجب ألا ينسينا قوتيهما التنظيمية، فهما أكثر احترافية وأقل انسياقا للقوى القومية مما هو عليه حال مؤسسات الأمم المتحدة. ويمكن انشاء هيئة دولية بنفس الهيكلية الحاكمة للتعامل مع بناء الدول، وهذه الهيئة يجب ألا تكون خاضعة لاخفاقات مجلس الأمن وما فيه من صوتي فيتو روسي وصيني ولا للجمعية العمومية في الأمم المتحدة بنظام تصويتها الخانق الذي يعطي صوتا واحدا للعضو الواحد، كما يمكن تمويل صندوق دولي جديد لاعادة الإعمار من جانب الدول الغنية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والدول الاخرى التي تسهم حاليا في برنامج البنك الدولي للاقراض المدعوم للدول الأكثر فقرا. وهذا الصندوق يجب ان يستجمع امكانيات وخبرات بناء الدول وتوجيهه الى حيث يقرر مجلس ادارته الذي يسيطر عليه الأمريكيون، وبالتالي يأخذ محل جهود حفظ السلام الراهنة المخصصة لهذا الغرض والحافلة بالتسول ولي الاذرع. وتشكيل هذا الصندوق لن يرقى لحد الانبعاث الامبريالي، بل سيملأ الفراغ الأمني الذي خلفته الامبراطوريات على النحو نفسه الذي فعله نظام الانتداب بعد ان أنهت الحرب العالمية الأولى الامبراطورية العثمانية. والصندوق الجديد يتطلب المال والجنود ونوعا جديدا من الالتزام من جانب الدول الغنية ولا يمكن ارساؤه دون قيادة أمريكية قوية له وحث الأمريكيين على توفير هذه القيادة القوية هو أمر بالغ الصعوبة، لكن أمريكا وحلفاءها ليست أمامهم خيارات اخرى أسهل لمواجهة الدول الفاشلة، فلا يستطيعون الاكتفاء بتمني زوال المشكلة التي تمثلها فراغات القوى الفوضوية، كما لا يمكنهم حلها عبر المؤسسات الدولية على الشكل الذي هي عليه الآن. ولا يستطيعون ايضا ان يتمنوا منطقيين بظهور امبراطورية أمريكية احادية. فإما ان يصيغوا الآليات الدولية لمعالجة هذه المشكلات الراهنة كما فعل أسلافهم حينما أسسوا الأمم المتحدة والبنك وصندوق النقد الدوليين بعد الحرب العالمية الثانية أو ان يبقوا يتخبطون إلا ان يهيأ لنا مجموعة مستقبلية من القادة يستطيعون مواجهة هذا التحدي. ترجمة:جلال الخليل عن «سباستيان مالاباي» في «فورين أفيرز»