بيان 2: جناحان براقان وهوائيان ذهبيان. انها حشرة «البشارة» الشبيهة بالفراشة والتي تتجمع ليلاً حول الأنوار. وبالنسبة للفنان جوزيف شير فهي «الشقيقة الماكرة للفراشة». «انها جزء من عالم ليلي نادراً ما نراه» ويصف شير هذه الحشرة المصنفة علميا تحت اسم «اركيتا كاجا» بأنها «فراشة لها حضور». ويعتزم شير، وهو احد مؤسسي معهد الفنون الالكترونية بجامعة آلفرد الأمريكية، ان يوجد صورة رقمية لفراشة واحدة على الأقل من كل نوع من الأنواع التي تعيش او تمر في اقليم اليجاني بولاية نيويورك. ومنذ عام 1999 حتى الان جمع شير قرابة الألف نوع من هذه الفراشات، التي لاتزال تشكل هاجساً مبهجاً له. وقد بدأ جوزيف شير بجمع هذه الحشرات، مستخدماً مكتبه في جامعة آلفرد كشرك للايقاع بها. ففي نهاية كل يوم عمل كان يترك الأضواء متألقة والنوافذ مفتوحة ليعود في الصباح التالي ويجمع الفراشات التي وقعت في هذا الشرك ليلاً. وكانت اعداد كبيرة منها تدخل الى المكتب في كل ليلة، لكن الحجّاب تذمروا بشدة من الفوضى التي عمت المكان. وهكذا انتقل شير لصيد الفراش في مزرعة يملكها زميله مارك كلينجنسميث ينمو فيها العديد من النباتات التي تجذب فراش الليل. ووضع الباحثان ضوءين يسطعان فوق دلو ماء يتسع لخمسة جالونات، ويشعان على شرشف ابيض، ووقف الاثنان يراقبان بشغف وذهول الفراشات التي مضت ترفرف مسرعة نحو مصدر الضوء. ويقول شير في هذا الصدد: «كنا نحصل كل ليلة على نوع جديد في ذلك الموسم الأول، كانت أشكالها وألوانها رائعة ومثيرة الى ابعد الحدود». وبصفته اختصاصياً فنياً في معهد الفنون الرقمية اوجد شير طريقة لاستخدام ماسحة خاصة للاجسام الشفافة لالتقاط صور ثلاثية الأبعاد للفراشات. تسجّل الماسحة كماً هائلاً من المعلومات ـ يصل الى 67 مليون نقطة بيانات لكل بوصة مربعة ـ حتى ان مسح عينة واحدة قد يستغرق 20 دقيقة. وملفات البيانات المرئية التي يتم توليدها في عملية المسح هائلة بالفعل، اذ ان صورتي فراشتين فقط تملآن قرصا مدمجا «سي دي» كاملاً. وبنسبة وضوح فائقة الى هذا الحد، يمكن تكبير الصور المسحية الى 27 مثلا مع الحفاظ على وضوحها الكامل. وهكذا تتحول الفراشة الصغيرة الى لوحة رائعة بقياس 34 الى 36 بوصة. ويحتاج المرء الى مجهر مكبر ليرى التفاصيل بالغة الدقة على جسم وجناحي فراشة الليل بالوضوح نفسه الذي توفره لوحات شير. وفي كل خطوة من خطوات العمل من الماسحة الى شاشة العرض الى الطابعة، يبقي الفنان العينة الاصلية امامه لمقارنة تمثيلاته الرقمية بالأصل الطبيعي. ويقول شير: «تحتاج كل فراشة الى ساعات من العمل. بما في ذلك تصحيح الوان الماسحة وضبط الطابعة بحيث تكون الصورة النهائية نسخة حقيقية عن الحشرة». وموسم بعد موسم تتحسن مهارات شير وكلينجنسميث في التعامل مع عينات الفراشات. وتمثل فراشة «لبيدوبترا» فائقة الصغر تحدياً خاصاً لهما، اذ يقول شير ان «حركة خاطئة واحدة للاصبع قد تسقط الجناح بأكمله. لذلك فانني احاول التقليل من شرب القهوة قدر الامكان للسيطرة على ارتعاش اصابعي عند التعامل مع هذه الفراشة. وحتى كلينجنسميث ذو الاصابع الثابتة، يحاول حبس انفاسه قدر الامكان، وهو يضع الفراشات على زجاج الماسحة. يبدأ نشاط الجمع في أول مساء دافيء من شهر ابريل، ويمتد حتى آخر ليال خالية من الصقيع في نوفمبر. ويوضع محصول كل ليلة في صندوق بلاستيكي فيها قليل من الكحول لابقاء العينات رطبة ومرنة الى ان يتم تثبيتها بالدبابيس تمهيداً لمسحها. ويقول شير: «أول شيء نتحدث عنه انا ومارك في الصباح في غلّة الليلة السابقة. وتنتشر الصناديق المليئة بالفراش في ثلاجات البيت والعمل على حد سواء. وتملأ الأقراص الحاسوبية المدمجة التي تحتوي على صور الانواع المختلفة من فراشات الليل الرفوف فضلاً عن الصناديق الكرتونية المصفوفة على الأرض. ولتحويل كل هذه البيانات المرتبة عن الفراش الى مجموعة ذات مغزى علمي، طلب شير مساعدة مارك ابشتاين، مدير مجموعات العينات في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي التابع لمؤسسة سميثونيان الوقفية في واشنطن. أمضى اشتاين معظم حياته في دراسة «قشريات الاجنحة» وهي رتبة من الحشرات تضم الفراشات العادية وفراشات الليل او البشّارات، ومع ذلك فقد اذهلته كمية التفاصيل المسجلة في صور شير. ويقول ابشتاين: «لقد اوجد جوزيف شير شكلاً فنياً خاصاً به، وابتكر طريقته الخاصة في تصوير الفراش». وفي ضوء توجيهات ابشتاين قام شير بتصنيف وتعريف فراشاته بطريقة علمية منهجية. وما بدأ كمشروع فني أصبح سجلاً ذا قيمة رفيعة. يضم 15 ألف عينة من فراشات اقليم اليجاني، تمثل الف نوع مختلف. ويقول شير في معرض التعقيب على هذا: «لم نذهب الى الاسكا او الامازون، كل هذه العينات جاءت من حديقة واحدة، حديقة منزل عادية قدمت لنا هذا التنوع الاحيائي المدهش». علي محمد