يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يقدم لنا إطلالة نادرة على جذور الشركة، المؤسسة، الكيان العملاق الذي سيتحول الى القوة العظمى الوحيدة في العالم. هكذا تجتمع الوثائق والتحليلات التاريخية والدراسات الاقتصادية ، والاجتماعية المعمقة لتقدم لنا ضوءاً كاشفاً على هذا اللغز الذي اسمه أمريكا الذي يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكيل العالم بالقوة السافرة . والمؤلف هو جاك بيتي، المحرر الأقدم في مجلة «اتلانتك منثلي» ومؤلف العديد من الكتب والدراسات التي يتصدرها كتاباه عن السياسي الأمريكي جيمس مايكل كيرلي والمفكر بيتر دراكر. كما أن الخطاب ـ كما يقولون ـ يعرف من عنوانه، فإن مشكلة الكتاب الذي نعرض له في هذه السطور تبدأ تماما من عنوانه، فقد اختار المؤلف مصطلح «كولوسوس» عنوانا رئيسا لهذا الكتاب ثم شفعه ـ بحكم أصول المهنة ـ بعنوان فرعي أوسع مدى وأكثر تفصيلا على شكل تساؤل يقول: ـ كيف أدت الشركة (كمفهوم وهيكل وممارسة) الى تغيير أمريكا. نعود الى «كولوسوس» التي يمكن أن يحار فيها المترجمون، فهي كلمة انحدرت الى اللاتينية من أصلها اليوناني القديم ثم حفرت مسارها في اللغات الحديثة في غرب أوروبا ـ الانجليزية والفرنسية بالذات، لتعني في الأصل التمثال الضخم الذي يصور البشر في اهاب صخري أو حجري بمقاييس تفوق مقاييس الحياة عدة مرات. تأمل مثلا تماثيل الملك المصري القديم المفتون بنفسه وبانجازاته ـ رمسيس الثاني. لكن كولوسوس ما لبثت أن تفرعت معانيها فتجاوزت حكاية التماثيل والشخوص الأضخم من الحياة والواقع، لكي تنصرف الى معاني الضخامة البالغة الى حدود العملقة ومن ثم تصدق على أكثر من غرض تتردد فيه أسماء من قبيل التيتان، أو المارد، أو التنين، أو الغول، أو الطود على حد ما ذهب اليه الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل وقد سبقنا في اشارات ذكية لماحة الى الكتاب نفسه الذي جذب اهتمام الأستاذ هيكل في رحلته الأخيرة الى أمريكا وقد تزامنت مع صدور كتابنا هذا في مطالع الصيف من عام 2001 الماضي (مجلة «الكتب وجهات نظر» عدد أغسطس 2001). البزنس هو المحرك جاك بيتي مؤلف هذا الكتاب يعمل كبيرا لمحرري مجلة «اتلانتك منثلي» الشهرية وهي في طليعة الدوريات الفكرية في أمريكا وهو يعيش في بوسطن التي تعد بمثابة العاصمة الثقافية للولايات المتحدة. وحين صدر الكتاب استقبله النقاد والمحللون باهتمام بالغ وقد وصفه أحدهم ـ ديفيد كيندي ـ بعبارة قال فيها: إنه أول تاريخ شامل للشركة (أو المؤسسة) ولتأثيرها المتواصل بعمق على مسار الحياة الأمريكية. ومن جانبنا ـ ولكي نمسك بمفاتيح هذا الكتاب بكل أفكاره وطروحاته ـ فقد ندلف الى عالمه الفسيح الحافل مستهدين في سياحتنا هذه بعبارات شديدة التكثيف سطرها المؤلف في المقدمة وقال فيها: لقد كان «البزنس» هو المحرك الذي ظل يدفع قاطرة التغيير عبر الزمن في الحياة الأمريكية، يستوي في ذلك مجالات الاقتصاد والاجتماع والسياسة.. وكان البزنس(بمعنى النشاط التجاري والتسويقي مجسدا في الشركات والمؤسسات التجارية) هو البيئة الحاضنة للأعراف واللغة والوعي وايقاع الحياة. هذا الكتاب ينطلق إذن من فكرة محورية تقول: إن حياة أمريكا قامت ولا تزال تقوم على أساس البزنس ممثلا في الشركة كمفهوم وممارسة وقد تقودنا هذه الفكرة الى فكرة أخرى تقول ببساطة أكثر إن في حياة عالمنا المعاصر ماردا تنينا أو طودا ضخما عملاقا هي الشركة السوبر ـ عملاقة ـ المؤسسة الكولوسوس كما قد نسميها التي تحمل اسم الولايات المتحدة الأمريكية. ويتبع المؤلف منهجا يجمع فيه بين اختيار مقالات أو دراسات لمؤلفين وكتاب آخرين يحيل اليهم ويقبس طروحاتهم لخدمة الفكرة المحورية للكتاب وهو يضيف اليهم مقالات كتبها بقلمه تعزيزا للموضوع المطروح. وقد قسم المؤلف موضوع الكتاب الى 5 أبواب نظم فيها عددا من الفصول يبلغ 38 فصلا وتحمل هذه الأبواب عناوينها على النحو التالي: ـ الأول: الدعائم المؤسسية (هل تقول المؤسساتية، أو الشركاتية التي تقوم أمريكا على أساسها). ـ الثاني: عصا سحرية(1820-1860). ـ الثالث: عصر إنشاء المؤسسة(1870-1930). ـ الرابع: من الأزمة الى الوفرة(1930-1973). ـ الخامس: الانفلات(1973-1999). يصدر الكتاب عن مقولة شهيرة منسوبة الى أديب أمريكا الأشهر «رالف والدو أميرسون» (1803 ـ 1882) يقول فيها: أمريكا ثمرة من غرس التجارة، وفيما يقول كتاب العهد القديم في أولى عباراته، في البدء كان الكلمة، فإن مؤلف كتابنا «المارد» يقول في مستهل مقدمته: في البدء.. كان.. الشركة. والمعنى المقصود أن المستوطنين الأوائل الذين جاءوا لكي يستعمروا أرض العالم الجديد غرب الأطلسي التي أسموها أمريكا كان قصدهم بالذات أن تغل الأرض الجديدة قدرا هائلا من السلع المتنوعة التي تطرح في أسواق التجارة في العالم القديم على أن يتم ذلك تحت حماية ورعاية، وطبعا استفادة التاج البريطاني، ولما كان الانجليز وهم رواد الاستيطان ـ الاستعمار في أمريكا قوما بارعين في فن الادارة والتنظيم فقد عمدوا الى تشكيل كيانات مؤسسية تسهر على أمر هذا البزنس الجديد وأطلقوا عليها اسم «الشركات» ومن عجب أن بعض هذه الشركات نشأت في العاصمة العتيدة لندن، وأودع مساهموها أنصبتهم في رأس المال حين تسامعوا عن أرباح تجارية طائلة سوف تأتيهم من تلك «الأمريكا» التي سمعوا عن وجودها وتنوع مواردها غربي المحيط الأطلسي. وربما جاءت اللحظة التي خافوا فيها على مستقبل اسهمهم أو اللحظة التي فكروا معها في مرافقة هذه الأسهم شخصيا، والمهم أن من هؤلاء المستثمرين أو المساهمين من قرر عبور المحيط ومن ثم الاستيطان في أمريكا من أجل السهر على مصير أموالهم وتعظيم أرباح الشركات التي تولت توظيف تلك الأموال. والشاهد أن أمريكا قامت كفكرة ونشأت ككيان على أساس، الشركة ـ المغامرة ـ السوق ـ الاستثمار ـ الاستيطان ـ التوظيف الرأسمالي للأموال. مع هذا كله ظلت أمريكا حتى بداية القرن التاسع عشر بلدا «متخلفا» من ناحية الصناعة والتصنيع عن البلد ـ الأم، بريطانيا. وكانوا يصفونها في عام 1800 بأنها اقتصاد زراعي ـ تجاري. وفي هذا يقول المؤلف: لو سألت أمريكيا من أهل ذلك الزمان عن رؤيته لمستقبل أمريكا واقتصادها لكانت اجابته كما يلي: مستقبل أمريكا سيكون في أنها ستطعم العالم. كان سكانها مشتتين متباعدين ومواصلاتها متخلفة تستغرق وقتا طويلا في نقل السلع وسفر الأشخاص. ثم بدأت التغيرات الحديثة في الساحل الشرقي للكيان الجديد الذي حمل اسم أمريكا وعند خليج ماساشوستس بالذات ويقول أحد المساهمين في الكتاب ـ اسمه ستيفن إنز ـ أن سبب الازدهار في تلك المنطقة بالذات يرجع الى أن سكانها مزجوا بين التنمية والتطور الاقتصادي وبين مقتضيات ما كانوا يعتنقونه من قيم أخلاقية، ودينية وروحية لدرجة بزغ في اطارها تعبير عجيب هو: العمل الرباني. ومعناه البزنس الذي يرضى عنه الله سبحانه. في هذا السياق يقول العالم الألماني الأشهر ماكس فيبر أن الأخلاقيات الكالفنية نسبة الى المصلح الديني البروتستانتي كالفن جاءت من العالم القديم (أوروبا) لكي تصوغ الثقافة الاقتصادية لذلك الجزء من العالم الجديد (أمريكا) وكانت قوة الدفع الدينامية في هذا الصدد تتمثل في تلك الصلة التي ربطت بين النجاح الخارجي (العملي) وبين الاقتناع الداخلي بأن في هذا مرضاة لله سبحانه (ما أحوج العرب والمسلمين في استظهار وتجسيد مبدأ أن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه وأن خير الناس.. هم أنفعهم للناس). هكذا نقلوا الفكرة هكذا نقلوا فكرة التطور والنمو والارتقاء التي قال بها مذهب البيوريتان ـ التطهريين من مذاهب البروتستانت الذين هاجروا خوف الاضطهاد الى أمريكا ـ نقلوها من محيط ارتقاء الفرد الى صعيد تعاون الفرد مع الآخرين من أجل الارتقاء بالمجتمع وقد افضى بهم ذلك الى إنشاء اقتصاد الطبقة البورجوازية الوسطى وتبني فكرة المشروع الحر ومن ثم مبدأ الحرية الاقتصادية، وهو المبدأ نفسه الذي قادهم الى رفع ألوية الحرية السياسية ورفض اللامساواة ونبذ الاضطهاد أو مصادرة حرية الناس. والحق نقول ـ وهو ما يوضحه هذا الكتاب ـ أن تكريسهم للحرية ورفضهم للظلم أو الاضطهاد لم يصدر عن نزعات ملائكية ولا مبالغة في التسامي الروحاني بقدر ما كان يصدر كما يبين الكتاب (ص23) عن نزعة عملية ـ برجماتية ـ واقعية وقد نقول نفعية أيضا. هنا ينقل مؤلفنا عن برنارد بايلين عبارة تقول: لقد اكتشف عدد متزايد من التجار الأوائل في أمريكا أن الظلم والاضطهاد هما ببساطة أمر يضر المصلحة التجارية. والمعنى ببساطة أيضا أنك لكي تصبح تاجرا ناجحا ولكي تؤسس سوقا رائجة للبيع والشراء ومن ثم لكي تنشئ اقتصادا تجاريا سليما فإن عليك أن تنبذ الظلم وترفض الاضطهاد وساعتها تتحرك دماء التجارة في شرايين المجتمع وتسري الصحة والعافية في أعطافه وبين أوصاله وتظهر عليه آثار النعمة والنجاح بفضل نجاح دورة الهضم والتمثيل والتفاعل الحيوي بين جوارحه وأحشائه أو ما يطلق عليه الكتاب الوصف التالي: الميتابوليزم الاقتصادي. ولأنهم لم يكونوا في مجتمع ملائكة، بل لأنهم كما نتصور كانوا ينظرون الى الدين والأخلاق نظرة نفعية ـ مادية بالدرجة الأولى، ولأنهم لم يروا في العدل أو المساواة أو الحق قيما عليا وأهدافا سامية في حد ذاتها بل وسائل، مجرد وسائل نجاح التجارة وتكثير الأموال ليس إلا.. فهم لم يتورعوا عن المتاجرة في كل شئ وفي أي شئ.. وهو ما أوصلهم بل أودى بهم في أمريكا ـ القرن الثامن عشر ثم التاسع عشر وفي القرن العشرين ـ الى أسوأ وأبشع تجارة عرفتها البشرية عبر التاريخ، أي تجارة العبيد. الاتجار في النفوس في هذا السياق يشارك جيمس هدجز بمقالة بعنوان «تجارة العبيد» ليحكي فيها قصة السفينة التجارية (سالي) التي وصلت سواحل غينيا في غرب أفريقيا في أوائل نوفمبر عام 1764 وكانت قد ذهبت الى أفريقيا محملة بمشروب الروم الكحولي وعادت ـ كما يقول هدجز وعلى متنها المأساة والمرض والموت.. لأنها عادت الى أمريكا محملة بعدد من العبيد الذين جلبهم قبطانها ـ الكابتن هوبكنز من شباب وصبية الأفارقة التعساء من ذكور وإناث وبسعر 7 دولارات في المتوسط للصبي الافريقي الواحد الذي اتخذوه في أمريكا عبدا يباع ويشترى. ويحكي دفتر السفينة (سالي) عن صفقات الاتجار في العبيد، الأصحاء والمرضى، البنات والغلمان، والسطور تعكس روح التعامل مع هؤلاء البشر بدم بارد وبمنطق تجاري عملي الى حد التوجس اللاانساني.. لا يكاد القارئ يعرف هل السلعة التي دونوا أسعارها في الدفتر هي زجاجة خمر أم كيس طحين أم إنسان من لحم ودم وجسم وروح كما فطره مولاه وأخرجه حرا الى فضاء هذا العالم. بهذه الروح نفسها من التعامل اللاانساني مع بني الانسان اتسم سلوك الفعاليات الرأسمالية والمتنفذين الاقتصاديين في اطار الشركة ـ المارد أو المؤسسة ـ الطود العملاق التي حملت اسم الولايات المتحدة ـ سواء كانت واقعة تحت النفوذ البريطاني الاستعماري أو بعد حصولها على الاستقلال في عام 1776 واكتسابها اسم الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر. هذه الروح اللاانسانية ـ أول ضحاياها هم النساء والأطفال. هنالك يعمد مؤلف الكتاب الى التعامل بسخرية مع هذا الجانب من تاريخ الشركة العملاقة المسماة أمريكا. وينشر فصلا تحت عنوان. «النساء والأطفال أولا». والعنوان يحيل بداهة الى الشعار العتيد في عمليات الانقاذ البحري، وربما غير البحري وهو يعطي أولوية الانقاذ الى المرأة والطفل بوصفهما من الكائنات المستضعفة التي تدعو تقاليد الفروسية وأعراف المروءة والشهامة الى المبادرة ـ قبل الرجال ـ الى انقاذها. بيد أن المؤلف يلمح أن كل هذه التقاليد قد غابت واندثرت ولم يعد لها وجود في عالم الشركة، عالم المنفعة والأثرة والأنانية وغلبة الروح المادية على كل شيء. السر الشائع «النساء والأطفال أولا». هذا هو الشعار الذي اتخذته منظومة الشركات التي أسسوها في أمريكا بعد الانقلاب الصناعي، ثورة الماكينة المدارة بطاقة البخار والمعنى هو المبادرة الى استخدام النساء وتشغيل الأطفال قبل توظيف الرجال والشبان، ببساطة لأن الطفل كائن يسهل استغلاله والمرأة مخلوق رخيص الأجر قليل الشكوى أو التذمر، يرضى بالنصيب لأنه أشد حدبا على الذرية الضعفاء وعلى رزق العيال. هكذا ـ يقول المؤلف (ص66 وما بعدها) شهدت مصانع النسيج الأمريكية في تلك الفترة أفواجا من المستضعفات من نساء وفتيات يتقاضين نصف دولار في يوم عمل يستغرق دوامه 12 ساعة ولمدة ستة أيام في الاسبوع ويتعرضن لأخطار الاصابات من الآلات البدائية أو من جراء ظروف موقع العمل غير الصحية، وبعد ساعات العمل المجهدة يرتمين ـ كما تقول حوليات تلك الفترة ـ على مخادعهن في محاولة لاستعادة نشاطهن من أجل مداومة العمل في اليوم التالي. هكذا توالت سنوات النصف الأول من القرن التاسع عشر، الذي بلغ منتصفه فاذا بأمريكا وقد تغير وجه الحياة فيها تغيرا جذريا. والسبب كان الوافد الجديد على نوعية حياتها واسمه قطار السكة الحديد. تأليف واعداد: جاك بيتي تقديم وتعليق: محمد الخولي