من الأضرار البالغة حدتها والتي تهدد سلامة الدول وأمنها مصادقة الاعداء، واتخاذهم اولياء وائتمانهم على اسرار دولهم، وهم ليسوا بأهل لذلك، لانهم ينتهزون الفرص للتربص بالمسلمين، والكيد لهم، ومن اجل ذلك حذر العليم الخبير عباده المسلمين من الافضاء اليهم بأسرار دولهم، كيلا يستغلونها في تمزيق وحدتهم. والنيل منهم. قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من افواههم وما تخفي صدورهم اكبر قد بينا لكم الآيات ان كنتم تعقلون. ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله واذا لقوكم قالوا آمنا واذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ان الله عليم بذات الصدور» وهذه الآيات نزلت في رجال من المسلمين كانوا يصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من الجوار فأنزل الله هذه الآيات ينهي المسلمين فيها عن مصادقتهم، والافضاء بالاسرار اليهم لانهم يسعون في افسادهم. ويعملون جهدهم في نزول الضرر بهم. ويتمنون ما يوقعهم في المشقة.. ومن اجل ذلك وضع المشرع الحكيم حفظ اسرار الامة في مكانة واحدة مع الجهاد في سبيل الله. وبين ان الجهاد وعدم اتخاذ اعداء الامة اصدقاء. وعدم الافشاء اليهم بأسرار الامة. انما ذلك من علامة صدق الايمان. والسير على الطريق الصحيح.. قال تعالى: «أم حسبتم ان تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة» اي من غير المسلمين اصدقاء وأولياء ونصراء. ومن أجل ذلك نهى الحق تبارك وتعالى عن موالاة الاعداء، وعن اتخاذهم أولياء، وعن الاسرار اليهم بخبر من اخبار الأمة. أو التحدث معهم عن شئونها الخاصة. لأن الاعداء لا يؤمن جانبهم ولا تتقى غوائلهم. فانهم يتربصون بالمسلمين الدوائر، ويستفيدون من اسرار الامة التي تنقل اليهم للقضاء عليها. ومن يتودد اليهم ويصادقهم وينقل اليهم اسرار امته طمعا منه في حمايتهم له أو أهله. فلن ينفعه ذلك يوم الحساب وان انتفع بذلك في الدنيا. قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون اليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول واياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون اليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل. ان يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا اليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون. لن تنفعكم ارحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير». وقد نزلت هذه الآيات في شأن حاطب بن بلتعة. عندما عزم الرسول على فتح مكة، وعلم حاطب بهذا السر. فخاف على قرابته في مكة اذا هزم المسلمون ان يفتك المشركون بأهله انتقاما منه. فبعث الى المشركين بخطاب يخبرهم فيه بما عزم الرسول عليه. فأوحى الله الى رسوله بما فعله حاطب فبعث الرسول بعلي والزبير والمقداد الى مكان يقال له: خاخ. ليلحقوا بالمرأة التي معها خطاب حاطب ويأتوه به. فلحقوا بالمرأة وأخذوا منها الخطاب. وجاءوا به لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فوجد فيه من حاطب بن بلتعة الى ناس من المشركين يخبرهم ببعض ما عزم عليه الرسول من فتح مكة. فقال الرسول له: ما هذا يا حاطب. قال: لا تعجل علي يا رسول الله. فاني كنت امرءا ملصقا في قريش وليس لي من يدافع عن أهلي. فاتخذت من هذا الخطاب يدا فيهم احمي بها قرباتي. ولم افعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الاسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق. فقال عمر: دعني يا رسول الله اضرب عنق هذا المنافق. فقال الرسول: انه قد شهد بدرا. وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فأنزل الله عز وجل هذه الآيات محذرا من افشاء السر للأعداء.