منذ ثلاث سنوات وانا اكتب في زاوية «إلى اللقاء» كل يوم جمعة وهي زاوية يتعاقب على كتابتها مجموعة من الزملاء الذين يختارون، مواضيع عامة بعضها سياسي وكثيرها اجتماعي وقليلها خاص او خصوصي. إلا ان هذه النقلة الجديدة توحي لكاتب السطور بالكثير، فهي قفزة عالية باتجاه عالم جديد فيه من المتعة ما فيه، ومن المغامرة بحيث يصبح المرء هدفا لقاريء يرى الكاتب وهو يقرأ له. أما كيف يرى القاريء كاتب هذه «الخواطر»؟ ذلك ان الزميل الرسام «بابو» قد تفنن في رسم صورة الكتّاب الذين سيتعاقبون على كتابة «الخواطر» كل يوم، وبابو فنان محترف في رسم البورتريهات، إلى تلك الدرجة التي يُظهر فيها قسمات وجدانية فترى بعض الوجوه طافحة بالبشر، واخرى أثقلها همّ الزمان والاحداث فأصبحت صدى لحال امتنا التي اختلط مستقبلها بدماء شهدائها. سيرى القاريء كاتبه وكأنه يحدثه في حوار ثنائي، فيبدأ أولا بقراءة الصورة ثم سيدخل إلى المقال، فالصورة مفتاح المعرفة كما هو الحال بالنسبة للثقافة البصرية وعندها لايمكن للكاتب ان يقول للقاريء إن شعري رائع التسريح، جميل التموجات وهو أصلع اخر عهد له بالمشط منذ سنوات، ولايمكن ان يخبره عن فتوّته وقد مضى عهد صباه، كما لا يمكن الحديث عن الوسامة وبينهما خصام منذ أول إطلالة له على الدنيا. واذا كانت العامة تقول: «العين مغرفة الكلام» فان الخاصة يقولون غزلاً «عيون المها بين الرصافة والجسر» لانهم أقروا بقيمة الثقافة البصرية في عصر صارت فيه العين تفكر وتقرر، وكذا حال الكتابة اليوم، حيث كان الكاتب مجهولا في السابق، لا احد يعرف صورته لكنه اليوم مطالب ان يكون حاضرا بين قرائه عبر صورة «بورتريه» تنشر على الغلاف الاخير للكتاب، ناهيك عن حوارات التلفزيون ومساجلات برامجه التي لم توفر احدا من عسل شهرتها. وحتى يكون حال الكاتب باعثا على استجلاب القاريء فانه يختار صورة من عيون البومه قد تعود الى سنوات ناعمة من حياته ويطرحها للنشر ولكن ما بيده حيله حينما يهرع المحرر في احدى الصحف باحثا عن صورة أديب ما فيجدها لدى الارشيف تعود الى مطلع شبابه فينشرها والفارق بين صورة اليوم والامس هو عشرون سنة أو ربما أكثر، ولكن رغم ذلك تبقى الصورة الأنقى ما تقوله الكلمات فهي الدليل الذي يقود الى صيغ الحق والخير والجمال. مكان جديد لا يعني أبداً مكاناً بديلاً انها فقط حركة بناء تطويري لاعادة اعمار الحديقة بشكل يتناسب مع روح عصر صارت فيه الصور تنطق بالكثير وصارت الكلمات تشرح الظلال الخفية عن القاريء. وهنا لابد من الاعتراف ان الصورة لا ترضيني ولكن ماذا افعل.. انها صورتي