بدأت الاشاعات حول نوكوس تنتشر قبل عقد من الزمان. وكانت فحوى تلك الاشاعات التي تناقلها اولئك الاشخاص الذين تمكنوا من دخول الاتحاد السوفييتي السابق في فترة الانفتاح في عهد ميخائيل جورباتشوف تتلخص في وجود متحف غامض يضم كنوزاً من الاعمال الفنية التي ابدعها فنانون شيوعيون في سنوات العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين قبل ان يقوم ستالين بحظر اقتناء هذه الاعمال او الاستمرار بهذه الممارسة خوفاً من تأثيرها على الاشخاص العاديين في الاتحاد السوفييتي. لم تكن الاشاعات دقيقة حول الموقع الذي يوجد فيه المتحف، ولكنها حددته في مكان ما على اطراف الامبراطورية السوفييتية في كازاخستان او قيرغيزستان او اوزبكستان. بعد سنوات من انتشار الاشاعات، نشرت إحدى الصحف الفنية الامريكية موضوعاً شيقاً حول رحلة قامت بها مجموعة من جامعي الفنون الامريكيين الى اوزبكستان وبالذات الى بلدة صغيرة بالقرب من بحر الارال تدعى نوكوس، حيث استأجروا طائرة للذهاب الى هناك وحاولوا شراء مجموعة كبيرة منها. لكن المتحف رفض عملية البيع فالمجموعة على ما يبدو كانت شخصية. لقد تم جمع تلك الاعمال من قبل شخص يدعى سافيتسكاي الذي خاطر بحياته مرات عديدة من اجل الحصول على هذه المجموعة. واستطاع ان يهرب عشرات الالوف من الاعمال الفنية السوفييتية المحظورة الى خارج موسكو من اجل حفظها. توفي سافيتسكاي في عام 1984. لكن شركاءه مازالوا يديرون المتحف وقد حولوه الى شيء اشبه ما يكون بالمزار. وقرر القائمون على هذا المتحف عدم السماح بنقل محتوياته الى مكان آخر ويتعين على من يريد ان يشاهده ان يقوم برحلة الى تلك البلدة المغمورة. حلقة مزعجة تقع بلدة نوكوس في منطقة كراكلباكستان، التي تتمتع بالحكم الذاتي في اوزبكستان، وهي جزء مما يسمى بمنطقة بحر الارال الملوثة والمدمرة بيئياً. معظم المدن التي تحلق اليها الطائرات تضم مطاراً، اما نوكوس فلها محطة حافلات كبيرة مفتوحة للركاب من الجانبين ومحاطة بحلقة مزعجة من سائقي سيارات الاجرة الذين يستغلون الركاب ويطلبون عشرة دولارات مقابل رحلة لا تساوي اكثر من 50 سنتاً. وصل سافيتسكاي الى نوكوس عام 1953 بصفته الرسام الرسمي الملحق بفريق آثار سوفييتي يدرس مراكز الحراسة القديمة المقامة على طريق الحرير والمنتشرة في صحراء الارال نفسها التي يشاع بأن انصار تنظيم القاعدة قد لجأوا اليها. تبدو الصحراء هناك قذرة وغير مرتبة، فالناس اعتادوا على دفن الحيوانات النافقة والنفايات فيها من دون تفكير. بل ان الابل التي تجتازها تبدو تعيسة وبحالة مزرية. ولكن حالما تبتعد عن الطريق الرئيسي، فان الرمل يكتسب ألقاً وينتابك ذلك الشعور بالرحابة الشاسعة. تقول مارينيكا، وهي خليفة سافيتسكاي في ادارة المتحف، انه اخبرها بأنه لم يدرك فلسفة الانطباعيين تمام الادراك الى ان قدم الى نوكوس. عملت مارينيكا بوبونزاروفا مديرة لمتحف الفنون الحكومي في كراكلباكستان منذ وفاة سافيتسكاي. وكان هو من اختارها. ومع ان اسمها الروسي هو مارينيكا الا انها تحمل اسماً آخر اطلقه عليها جدها هو جولايم، وهو اسم بطلة اسطورية محاربة قادت فرقة مؤلفة من 40 فتاة في معركة ضد الفرس. كان سافيتسكاي يؤمن بأن هذا المتحف سيستقطب الناس من شتى انحاء العالم وحتى من باريس ام المتاحف. وقد كان محقاً في ذلك، فالمكان يستحق الزيارة بالفعل. فقد استطاع سافيتسكاي ان يجمع فيه 85.000 تحفة فنية، معظمها كان محظوراً. ففي عام 1932، اصدر ستالين مرسوماً يقضي بأن النمط الفني الوحيد الذي سيسمح به في روسيا السوفييتية هو الواقعية الاشتراكية، اي الصور السعيدة للشيوعيين الاخيار الذين يقومون بعملهم اليومي في الحقول وفي المصانع. وكل شيء عدا ذلك كان محظوراً، بدءاً من الاسلوب التجريدي والمستقبلي وحتى الرمزي. وكان لينين يصر في كتاباته على ان «الفن ملك للشعب وينبغي ان يكون له جذور عميقة في الجماهير العريضة للكادحين. وينبغي ان يكونوا قادرين على فهم الفن وعشقه» ومن هنا، فقد كانت اللوحات الذاتية محظورة، وكذلك الحال بالنسبة لصور الحياة الساكنة. وقد بدأ سافيتسكاي يجمع هذه الاعمال كلها. ولم يكن خائفاً من القيام بهذه العملية لان نوكوس كانت بعيدة جداً عن موسكو ولم يكن المسئولون السوفييت يتحمسون لزيارتها. وحتى فترة البروسترويكا، كانت المنطقة محظورة كلياً على الزوار الاجانب، وهو ما اعطى حرية نسبية لسافيتسكاي لكي يتصرف كما يحلو له. ان اكثر ما يلفت النظر في المتحف هو تلك الاعمال التي ابدعها رسامون قضوا نحبهم في معسكرات السخرة التي اقامها ستالين. وكان سافيتسكاي يحصل عليها من ارامل اولئك الاشخاص بأموال حكومية. وكان يبذل جهوداً مضنية لكي يقنع المسئولين الحكوميين في موسكو بضرورة شراء اعمال فنية معينة كي يحافظ عليها باعتبارها إرثاً سوفييتياً يمثل نضال الكادحين ضد النازية. وبهذا نجح سافيتسكاي في الحفاظ على هذه الروائع المعبرة عن فترة تاريخية ومعاناة شعوب رزحت تحت نير الاضطهاد والقمع الشيوعيين. ترجمة: ضرار عمير عن «صنداي تايم مجازين»