أثار القانون الذى أصدرته هولندا والذى يتم بمقتضاه تنفيذ عمليات القتل الرحيم للمرضى الميئوس من شفائهم بناء على رغبتهم ـ ردود فعل غاضبة بين علماء الأزهروالأطباء وأكدوا أن حياة الانسان ملك لله ولا يجوزللشخص المريض او غير المريض إنهاء حياته مهما كانت شدة الآلام التى يعانى منها كما لا يجوز للطبيب ان يساعده فى تحقيق تلك الرغبة. وقالوا ان الشخص الذى يلجأ لهذه العملية يعد منتحرا أما الطبيب الذى يقوم بالعملية فيعد مرتكبا لجريمة القتل العمد. وكان مجلس الشيوخ الهولندى قد اعتمد قانون القتل الرحيم الذى صدر منذ أيام في ابريل من العام الماضى بعدما اقره مجلس النواب باغلبية 104 اصوات مقابل 40صوتا وذلك بعد سنوات طويلة من المناقشات داخل المجتمع الهولندي وينص القانون على ان بامكان الاطباء، بعد اتخاذ بعض التدابير، اللجوء الى الموت الرحيم لبعض المرضى دون التعرض لملاحقات قضائية. كما ينص على ان يبدي المريض رغبة واضحة وان تكون معاناته كبيرة لا تحتمل ولا شفاء لها. ويتعين على الطبيب ان يطلب رأي زميل آخر له ويشترط ان تمر جميع حالات الموت الرحيم عبر لجان تضم متخصصين فى القانون والطب وفي العلوم الاخلاقية، تقرر ما اذا كان تم الالتزام بالمعايير المقررة. وكانت السلطات الهولندية تبدي تساهلا في عمليات الموت الرحيم حتى قبل صدور القانون خصوصا في حالات السرطان المستعصية وفي مراحل المرض الاخيرة. وقد شهد عام 2000 في هولندا 2113 حالة موت رحيم بينها 1893 تتعلق بمرضى السرطان في المراحل الاخيرة، ورغم دخول القانون حيز التنفيذ الا أنه لم يقض على الجدال الدائر بشأن تحديد المقصود ب«الآلام غير المحتملة»، وامكانات تحسين وضع المريض. فقد اثيرت امام القضاء الهولندى مؤخرا مسألة معرفة ما اذا كان يمكن اعتبار السأم من الحياة معاناة لا تحتمل. وقد حسمت محكمة استئناف امستردام في ديسمبر الماضى احدى القضايا واعتبرت الطبيب الذي أجرى عملية الموت الرحيم على سناتور سابق «سئم العيش» مذنبا لانه لم يتقيد بمعايير التشريعات الموجودة منذ عام 1997. وقد شكلت الجمعية الطبية الملكية فى هولندا لجنة تضم علماء نفس واطباء واخصائيين في النقابات المهنية وقانونيين لتحديد ماهية الآلام غير المحتملة التى يجوز للطبيب بمقتضاها اجراء عمليات القتل الرحيم. وفى بريطانيا منح القضاء البريطاني امرأة مصابة بالشلل فى الثالثة والأربعين من عمرهاوهى في كامل وعيها، الحق في انهاء حياتها بالرغم من معارضة الأطباء الذين يعالجونها، ويعد هذا اول حكم قضائي من نوعه في بريطانيا. وطلبت المرأة فصل جهاز التنفس الصناعي الذي يبقيها على قيد الحياة منذ انقطاع وريد في عنقها قبل عام.رغم ان وضعها الصحي كان مستقرا فى حين كانت حالات الموت الرحيم السابقة في بريطانيا تتعلق بمرضى كانت حالتهم الصحية تتدهور باستمرار الى موت محتم. وأيدت جمعية الأطباء البريطانيين قرار المحكمة، معتبرة انه يعزز القواعد الشرعية والاخلاقية الراسخة والتي تمنح اي شخص بالغ يتمتع بالقدرة على التمييز الحق في رفض تلقي علاج طبي وان كان ذلك قد يؤدي الى وفاته. وهذه الحالة تختلف عن حالة البريطانية دايان بريتي، المصابة بمرض عضال انحلالي حتى الرمق الأخير، والتي طلبت من المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان بأن تسمح لزوجها بمساعدتها على انهاء حياتها من دون ان يلاحق قضائيا. ومن جانب آخر أعلن الأطباء وعلماء الدين فى مصر رفضهم اجراء هذه العمليات تحت شعار حقوق الانسان مؤكدين انه ليس للانسان الحق فى إنهاء حياته مهما كانت الاسباب ووصفوا عمليات القتل الرحيم بأنها غير أخلاقية وانها تجرد الاطباء من المشاعر الانسانية. وحذروا من محاولة الدول الغربية فرض مثل هذه القوانين على البلاد الاسلامية بحجة احترام حقوق الانسان ورغباته موضحين ان المجتمعات الاسلامية لا يمكن أن تقبل بوجود مثل هذه العمليات سواء على مستوى المرضى وذويهم أو على مستوى الأطباء. ومن جانبه يؤكد الدكتور صفوت حسن لطفى رئيس جمعية الأخلاقيات ان القتل هو قتل فليس هناك قتلا رحيما وقتلا غير رحيم مشيرا الى ان الله - سبحانه وتعالى - وضع حدا لبداية حياة الانسان ولنهايتها وهو وحده الذى يحدد ساعة الموت ولا يجوز للانسان التدخل فى مثل هذه الامور لقوله - تعالى -: «لكل أجل كتاب» ولقوله: «فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون». ويضيف قائلا يجب أن ندرك ان المرض والشفاء بيد الله أما الأطباء فهم مجرد سبب للشفاء فهم يبذلون كل ما يستطيعون من أجل الشفاء لكن هذا لا يعنى بالضرورة تحقق الشفاء موضحا ان الطب بمختلف وسائل التدخل العلاجى سواء بالجراحة أو بالعقاقير او العلاج النفسى أو حتى الطب البديل هو مجرد وسيلة للشفاء وعلى ذلك فدور الطبيب ينحصر فى محاولة العلاج أما انهاء الحياة فليست مهمته فلا يملك الطبيب ان ينهى حياة الانسان كما لا يحق للمريض ان يطلب من الطبيب انهاء حياته 0لأن الله وهبه الحياة وهو مؤتمن عليها. قاتل ومنتحر ويرى أن من ينهى حياته بطريقة الموت الرحيم أو غيرها هو قاتل لنفسه أو منتحر والانتحار محرم فى الشريعة الاسلامية أما الطبيب الذى يجرى له هذه العملية فهو قاتل مرتكب لجريمة قتل بشعة ولابد ان يعاقب لأن الشريعة الاسلامية تنهى عن قتل النفس بغير حق فالقتل والانتحار كلاهما محرم فى الشريعة الاسلامية. ويعرب الدكتور صفوت عن أسفه لأن المجتمعات الغربية أصبحت تتعامل مع الانسان كما تتعامل مع الاشياء التى لا تستخدم الا مرة واحدة - المستهلكات - مثل السرنجات وملابس اجراء العمليات وأكياس الدم وخلافه مشيرا الى ان الانسان لا يمكن ان يكون فى حكم المستهلكات لكن الغربيين تجردوا من المشاعر الانسانية وأصبحت الجوانب الأخلاقية والعاطفية لديهم معدومة.ويضرب مثالا بأحد السياح الاوروبيين الذى كان يصطحب والده المسن فى رحلة الى مصر وأثناء زيارته للأقصر توفى والده فطلب ان يتبرع بجثته لاحدى المستشفيات حتى لا تعيقه اجراءات الدفن ونقل الجثة الى بلده عن متابعة الرحلة وترك الجثة للمستشفى الذى أبلغ بدوره النيابة ولقن وكيل النيابة هذا السائح درسا أخلاقيا أعتقد انه لن ينساه طوال حياته فقد قال له إذا كانت قيمكم تسمح باهانة الانسان بعد وفاته فان ديننا لا يسمح لنا بذلك واذا أردت أن تفعل ما ذكرت فافعله فى بلدك وليس على أرض مصر. ويحذر د.صفوت المجتمعات الاسلامية من مجاراة المجتمعات الغربية التى فقدت القيم وتحاول تصدير الانحلال الاخلاقى والدينى الى بلادنا مؤكدا ان هذه المحاولات لن تنجح على الاطلاق لأن المسلمين متمسكون بدينهم وقيمهم وهم يدافعون عن الاسلام وتعاليمه ويتصدون لكل من يحاول الخروج عليها ولذلك فان محاولة فرض قانون الموت الرحيم على البلاد الاسلامية سواء من خلال المؤتمرات الدولية أو من خلال منظمات حقوق الانسان لن تكلل بالنجاح. غير جائز ويؤكد الدكتور نصر فريد واصل مفتى مصر السابق ان القتل الرحيم أو بدافع الشفقة أو ما يسمى بتعجيل موت الميئوس من شفائه أمر غير جائز شرعا مشيرا الى ان هذا القتل لو كان من المريض نفسه فهو انتحار وان كان من غيره فهو قتل نفس بغير حق ولو كان ذلك بإذن المريض وكلاهما حرام. ويشير الى ان الاسلام لا يجيز ذلك اطلاقا لأن المحيى والمميت هو الله - سبحانه وتعالى - ولا يجوز شرعا لانسان حتى آخر لحظة فى حياته أن يزهق روحه حتى فى حالة تأكيد الاطباء أنه سوف يموت بعد ساعة. ويوضح ان القتل الرحيم يختلف عن رفع أجهزة التنفس الصناعى فى حالة التحقق من توقف قلب المريض وتوقف تنفسه وجميع وظائف مخه ودماغه توقفا لا رجعة فيه ففى هذه الحالة لم يرتكب الأطباء جرما فى حق المريض عندما يرفعون أجهزة الانعاش سواء قدر الله له الموت أو الحياة. ويضيف المفتى السابق قائلا أما الذى يعانى من مرض خبيث مثل مرض نقص المناعة المعروف بالايدز فلا يجوز التعجيل بموته مهما كانت الحجج التى تساق فى هذا الصدد لأن العلم قد يتوصل الى ادوية لعلاج هذه الأمراض بالاضافة الى أنه لا يجوز لنا الاعتداء على حقه فى الحياة. تهلكة ويشير الدكتور محمد أبوليلة أستاذ الدراسات الاسلامية بجامعة الأزهر الى ان واهب الحياة والمتصرف فى الانسان هو الله سواء بالنسبة للأجل أو الرزق أو الحالة الصحية موضحا ان الاسلام كرم الانسان مهما كانت ملته وجنسيته باعتباره خلق الله وأمر بالحفاظ على حياته الانسانية وعدم الالقاء بنفسه الى التهلكة التى قد تؤدى الى موته وشرع التداوى والعلاج عند المرض وأمر المريض بعدم اليأس من رحمة الله وجعل الصبر على المرض كفارة للذنوب وحطا للخطايا. ويضيف لقد نهى الله عن الاعتداء على النفس البشرية فيقول: «ولا تقتلوا النفس التى حرم الله الا بالحق» أى لا يقتل طبيب أو غيره النفس الانسانية لأن الله حرم ذلك إبتداء من الحمل وحتى خروج الروح بل انه حتى بعد الموت يحرم الاسلام العبث بجثة المتوفى أو الاعتداء على كفنه وفى حالة الاعتداء على النفس فقد شرع الله القصاص بعد استيفاء الأدلة لأخذ حق المجتمع من المعتدى وجعل القرآن قتل نفس واحدة كأنه قتل للناس جميعا يقول تعالى: «من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا». ويؤكد الدكتور أبوليلة ان الحياة الانسانية ليست ملكا لانسان لذلك جعل الله عقوبة الاعتداء عليها القصاص مشيرا الى ان المرض قد يصل بالانسان الى حد فقد السيطرة على نفسه فييأس من رحمة الله ولا يستطيع ان يقاوم الألم الشديد لكن هذا ليس مبررا يدفع الأطباء أو غيرهم لتخليص الانسان من حياته لأن ذلك لون من ألوان الانتحار حرمه الشرع لأن جسم الانسان ودمه وكل شيء لديه ملك لله والله هو الذى يحيى ويميت. ويشيرالى انه لا يوجد احد من بين فقهاء المسلمين يبيح قتل الانسان تحت أى اعتبار لمرض أو لغيره لكن إذا قرر مجموعة من الأطباء الثقات ان المسألة وصلت الى حد لا يمكن مقاومته أو التعامل معه كوضع الانسان على آلة التنفس الصناعى ورفع هذه الآلة فى حالة تردى الوضع الى درجة يصبح معها موت هذا المريض محققا لكننا رغم ذلك لا نجيز القتل الرحيم لأن قتل الانسان ليس فيه رحمة فى كل الأحوال والله هو وحده الرحيم بعباده والأطباء ليسوا أرحم بهذا المريض من خالقه. ويرى الدكتور أبوليلة أن اباحة القتل الرحيم فى اوروبا سيؤدى الى ان يضيق المعالج نفسه قبل أن يضيق المريض بحياته فيتدخل بالقضاء عليه تحت المظلة القانونية للموت الرحيم أو أن يعجل الطبيب بموت بعض المرضى بحجة اليأس من الشفاء وذلك بهدف الحصول على أعضاء بشرية والاتجار فيها وهكذا تصبح حياة الانسان غير مأمونة. ويدعو الى ضرورة أن يترك الانسان الى ربه فهو أرحم به من جميع خلقه ولأن هناك ذنوبا قد لا يكفرها الا هذا المرض والصبر على الألم وقد يكون المرض محنة ويخرج منها الانسان كالمرأة عند الولادة تتعرض لأشد الآلام لكنها تصبر من أجل الثمرة التى ترجوها وهى الطفل ونحن لا نريد تقليد الغربيين فى كل ما يفعلونه لأن المسلمين لهم هويتهم وثقافتهم وقيمهم التى تختلف عن ثقافة وقيم الغربيين. الخطر الجسيم ويرى المستشار محمد موسى رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب أن القتل الرحيم أو التعجيل بموت الميئوس من شفائه أمر ليس له سند قانونى أو واقعى مشيرا الى أن لا يجوز الاحتجاج بأن الموت لهذا المريض قد يجعله يستريح من الالام التى يعانى منها أو أن هذا الاجراء يتم اللجوء اليه من منطلق الضرورة لأن حالة الضرورة التى تسقط المسئولية الجنائية هى تلك التى تحيط بالشخص وتدفعه الى ارتكاب الجريمة من أجل دفع خطرجسيم عن نفسه أو عن غيره. ويؤكد أن الميئوس من شفائه لا يمثل خطرا على أحد لأنه من الواجب علينا العمل على علاجه وعزله فى الأماكن المعدة لذلك كالمستشفيات وغيرها فى حالة الخوف من انتقال المرض منه الى غيره خاصة بالنسبة للأمراض الخبيثة مشيرا إلى أنه لا يجوز قتل المريض الميئوس من شفائه حتى ولو كان ذلك بناء على رغبته. ويشير الى ان الطبيب الذى يقوم بعملية من هذا النوع هو مرتكب لجريمة قتل متعمد ويعاقب بعقوبة هذه الجريمة حتى لو تبين الطبيب أن المريض قد أصيب بمرض سينتهى به حتما الى الوفاة فتدفعه الشفقة الى تخليصه من آلامه والتعجيل بموته وكذلك يعد الطبيب قاتلا إذا أنهى حياة المريض بوسيلة صناعية فى لحظة مقاربة لتلك اللحظة التى كان من المرجح ان الوفاة الطبيعية سوف تحدث. ويضيف المستشار موسى قائلا أما إذا تم القتل الرحيم هذا بمعرفة المريض وبرضاه أو بناء على رغبته فإن الحق فى الحياة له صفة اجتماعية وهو بالنسبة للمجتمع شرط لإحتفاظه بكيانه واستمراره والنتيجة القانونية المترتبة على هذه الصفة الاجتماعية هى ان الرضا بالقتل لا يعد سببا لإباحته وترتيبا على ذلك يعاقب الطبيب على القتل حتى لو تم بموافقة المريض أو برغبته وتوقيعه على إقرار يؤكد ذلك. ويخلص الى القول ان اقرار قوانين للقتل الرحيم فى اوروبا لايغير من طبيعة قوانينا وقيمنا التى تنبع من فلسفة تعتمد على الشريعة الاسلامية التى تجعل حق الانسان فى الحياة مقدسا وتحيط هذا الحق بكل الضمانات التى تحمى حياة الانسان حتى من نفسه.