عند التطلع الى مكتبة الكونجرس من بعيد، أو عند ارتقاء الدرج المؤدي لمدخلها، ينتاب الانسان إنه في مواجهة عمارة دينية، هذا ما نجده أيضا في مباني الجامعات الشهيرة مثل اكسفورد، والسوربون، أما الأزهر الأقدم فقد وحد ما بين مكاني العبادة والعلم، وهذا دور المسجد الجامع في العالم الاسلامي، مثل القرويين في فاس، والزيتونة في تونس، والمسجد الحرام في مكة، ومسجد صنعاء الكبير، والمسجد الأموي بدمشق، ليس صدفة إذن أن يصبح أبرز جزء في جامعة القاهرة القبة الشهيرة التي تعلو قاعة الاحتفالات الكبرى، وقد ارتبطت عندي الجامعة بالقبة منذ طفولتي، حتى أنني إذ أمر بجامعة عين شمس، أو جامعة الاسكندرية، وعندما زرت جامعة لندن، دهشت، إذ أنني لم أر قبة، كيف يمكن أن تقوم جامعة بدون قبة؟ يستوحي مبنى مكتبة الكونجرس العمارة الرومانية، سواء من الداخل أو الخارج. اتجهنا الى مكتب الاستقبال، أحمد المديني أكثر جرأة على الاقتحام، قال للموظف الذي يقارب عمره الحلقة السادسة، إننا كاتبان عربيان، من المغرب ومن مصر، وأننا نرغب في زيارة المكتبة، خاصة القسم العربي، ليس بهدف محدد إنما لنأخذ فكرة عامة عن المكتبة وأقسامها، وكيفية عملها، رحت الى ردة فعل الرجل عندما أخبره أحمد أننا عربيان، لكنني لم ألحظ أمراً غير عادي، بل أنه أبدى لطفا وترحيبا، قال لنا أن ثمة جولة يومية سوف تبدأ من المدخل بعد عشر دقائق، وتستغرق ساعة إلا ربعا، أشار الى المكان الذي يتجمع فيه الزوار، انتبهت الى الواقفين، معظمهم أمريكان من الولايات المختلفة، ومنهم يابانيون، يفصلنا عن مكان وقوفهم حاجز مثل حواجز المطار، شريط عرضه حوالي عشرة سنتيمترات من البلاستيك، مثبت الى أعمدة حديدية. لكي نصل اليهم لابد أن نتجه الى اليمين، حيث يجب أن نعبر جهازين لكشف أي أسلحة، وبالطبع يطلقان صفيرا اذا ما كان في الجيوب أي قطع معدنية، علمت أن مثل هذه الآلات الالكترونية لم يكن لها وجود قبل الحادي عشر من سبتمبر. الآن جميع المؤسسات الهامة لها بوابات الكترونية، تلك التي لم يكن لها وجود إلا في المطارات، حتى المطارات الداخلية في الولايات المتحدة كان بها قدر كبير من التساهل، وأذكر أنني في عام ستة وتسعين، بعد وصولي نيويورك قاصدا كليفلاند في ولاية أوهايو، ركبت طائرة صغيرة تتسع لستة عشر راكبا، ولم يكن هناك اجراءات تفتيش استثنائية، بل لا أذكر أنني مررت بالبوابات الالكترونية، تبدل الأمر الآن. صحبنا موظف المكتب الأمامي المهذب الى مكان التجمع، وتمنى لنا جولة طيبة مختتما حديثه معنا بتلك الجملة التي سمعتها كثيرا من قبل عندما أمضيت حوالي شهر للعلاج في مستشفى كليفلاند: You are Welcome®. أي مرحبا بك. في الموعد المحدد جاءت سيدة أربعينية، ممتلئة الى حد ما، تفيض حيوية، صحبتنا الى الطابق الأول، وقفت في مركز الفراغ، لتبدأ الشرح، وكانت تغير من طبقات صوتها، وتستدير من هنا الى هناك، وكأنها راغبة في توصيل المعلومات بشتى الطرق. تحدثت عن المبنى، وبداية تكوين المكتبة، والحقيقة أنني قرأت عنها في الموسوعة القيمة التي أصدرها الدكتور شعبان عبدالعزيز خليفة في ستة مجلدات ضخمة، عن تاريخ المكتبات منذ أقدم العصور حتى العصر الحديث. يبدأ تاريخ هذه المكتبة مع تاريخ الولايات المتحدة نفسها، بعد تأسيس الحكومة الفيدرالية اعتبارا من عام 1776، بدأت محاولات الاستفادة من مجموعات الكتب الموجودة في نيويورك وفيلادلفيا، ولكن بداية إنشاء مكتبة خاصة للكونجرس بدأت عام 1800 ميلادية، عندما تم تخصيص مبلغ لشراء سبعمائة وخمسين كتابا جرى ارسالها من لندن، وفي عام 1802 جرى تخصيص حجرة لمكتبة الكونجرس في مبنى الكابيتول وقام الرئيس توماس جيفرسون بتعيين أول أمين لها، واهتم الرئيس اهتماما خاصا بهذه المكتبة، حتى أنه كان يشتري الكتب بنفسه، ولذلك تحدثت السيدة الى الزائرين عن دوره طويلا، وفي المدخل يطالعنا تمثال نصفي له. خلال الحرب مع الانجليز احترق مبنى الكابيتول، وبالطبع احترقت معه غرفة المكتبة، وعندئذ تقدم الرئيس المتقاعد - وقتئذ - توماس جيفرسون باقتراح أن يبيع مكتبته الشخصية الى الكونجرس، قبل العرض، وتم تسليمها الى الحكومة، وكانت تضم ستة آلاف وخمسمائة مجلد، إنها نواة مكتبة الكونجرس الحالية، تطورت المكتبة خلال القرن التاسع عشر بحيث أصبحت عند نهايته بمثابة المكتبة الوطنية للولايات المتحدة، وفي سنة 1874 عين الكونجرس لجنة لبناء عمارة تليق بالمكتبة، وبدأ العمل في المبنى عام 1887 ولم ينته العمل إلا عام 1897، وهو الجزء الأساسي من المباني الحالية، صمم ليتسع لثلاثة ملايين مجلد، ويقع على مساحة أربعة هكتارات، في بداية القرن العشرين تم وضع نظام جديد لتصنيف وفهرسة المجموعات، هكذا قدمت أول خدمة مكتبية من نوعها، الفهارس الجاهزة، وبذلك أصبحت عالمية الصبغة، وليست خاصة بالكونجرس الأمريكية كما بدأت. كما ضمت المكتبة الوطنية للمكفوفين، وتقدم خدماتها لجميع المكفوفين في الولايات المتحدة، خلال القرن العشرين، نمت محتويات المكتبة نموا سريعا، ويذكر الدكتور شعبان خليفة أنه في عام تسعة وستين أصبح لدى المكتبة خمسة وخمسون مليون نسخة فوق رفوف المكتبة التي تمتد لمسافة خمسمائة ميل اذا وضعت بجوار بعضها البعض، هذا في المبنى الرئيسي فقط الذي يطلق عليه الآن مبنى توماس جيفرسون، ويذكر دليل المكتبة أنها تضم كتبا بأربعمائة وخمسين لغة، وتضم أكبر مجموعة مصادر روسية خارج روسيا، كذلك الصين، وبولندة، ومجموعات نادرة من المخطوطات العربية، المكتبة مفتوحة يوميا لمدة اثنتي عشرة ساعة وتقدم خدماتها بدون مقابل، وتوجد محتوياتها على شبكة الاتصالات الدولية وموقعها معروف اسمه www.loc.gov والموقع متاح لمدة أربع وعشرين ساعة، وبدون أية رسوم، بالطبع هناك أنشطة ثقافية، مثل المعارض، والمطبوعات الالكترونية، والخدمات الصوتية، وتبادل المعلومات. بعد أن أصغينا الى الشرح الحي اتجهنا الى صالة الكتب النادرة، أو كنوز المكتبة ولفت نظري أن المعروض منها لا يمكن أن يقارن بمحتويات المكتبة الوطنية في باريس على سبيل المثال خاصة فيما يتعلق بالمخطوطات العربية، إن نسخة القرآن الكريم المعروضة تمت الى العصر التركي، وهو عصر حديث نسبيا، أما الصالة المخصصة للكتب التي تصور الكون، فتخضع لرؤية توراتية، إذ تركز على الكتب النادرة المطبوعة من العهد القديم، ولكن لا توجد أي نسخ من كتاب الخروج الى النهار المعروف خطأ بكتاب الموتى والذي يقدم تصورا متكاملا عن العالم. واذا افترضنا أن المكتبة تخلو من برديات مصرية قديمة، فكان من الممكن استنساخ صورة من بردية آني المحفوظة في مكتبة شستر بتي، أو بردية تورينو المحفوظة في ايطاليا، وأقول نسخة لأنني وجدت صورة من «الزودياك» المحفوظ في متحف اللوفر، ويعتبر أقدم رسم بشري في تاريخ الانسانية لأبراج السماء الاثنى عشر، وكان «الزودياك» جزءا من معبد دندرة المصري الذي شيده البطالمة في الضفة الغربية بقنا لعبادة آلهة الخصب حتحور، وقد انتزعه شامبليون من المعبد ونقله الى فرنسا حيث يوجد الآن. لا يتضح من تصور الكون الذي خصص له قسم كامل أساس الحضارة المصرية والبابلية في هذا التصور، في نفس الطابق قسم للتصوير الفوتوغرافي، وللصحف النادرة، يعرض صورا نادرة من القرن العشرين، ونسخا تعد نادرة من الصحف الأمريكية مثل نيويورك تايمز تمت الى الثلاثينيات، وتذكرت أول جريدة طبعت في مصر خلال القرن التاسع عشر، في بدايات حكم محمد علي باشا، أقصد «الوقائع المصرية» التي لا تزال مستمرة حتى الآن ولكنها أصبحت قاصرة على القرارات الرسمية! من معرض المطبوعات والمحفوظات النادرة، نصل الى القسم العربي والدراسات الشرق أوسطية، دخلنا الى القاعة المستطيلة، المهيبة، كلاسيكية الطراز، ومما يكثف الاحساس بالعتاقة الخشب الغامق، حيث صنعت منه الرفوف، وطاولات القراءة، والاضاءة الهادئة، قدمنا أنفسنا الى السيدة المسئولة عن القاعة، أفريقية الأصل، قامت لتشرح لنا أسلوب المطالعة، أو طلب القراءة، كل المطلوب تسجيل الاسم فقط عندها والهوية، وهناك اشتراكات خاصة للاطلاع، والاعارة ممكنة، الصالة للقراءة، لكن ثروة مكتبة الكونجرس من الكتب العربية والدوريات في المخازن الملحقة، يمكن للقارئ أن يطلب ما يريده مسبقا، ويحدد له الموعد الذي يجد فيه ما يرغب الاطلاع عليه. على الرفوف، رأيت دوريات قليلة جدا، المواد قديمة من الأهرام الدولي، والحياة الدولية، ومجلات لم أسمع عنها مجهولة تصدر في بعض أقطار العالم العربي، ورأيت جميع الصحف الاسرائيلية تقريبا، فالقاعة مخصصة للعربية والعبرية. فوق الرفوف رأيت مجلدات مجلة الهلال منذ صدورها، ومجلة المقتطف كاملة، ودائرة المعارف الاسلامية بالانجليزية والفرنسية، وما ترجم منها في مصر خلال القرن الماضي، عندما فرغنا طلبت السيدة أن نسجل اسمينا وعناويننا، ثم قالت إن زميلها مصري اسمه فوزي تادرس، ولكنه للأسف غائب اليوم، في اليوم التالي اتصل بي، وأبدى أسفه لأنه لم يكن موجودا، وسأل عما اذا كانت ثمة فرصة لزيارة المكتبة مرة أخرى لأن المكتبة تحرص على تسجيل مقاطع من الأعمال الأدبية بأصوات الأدباء، غير أنني اعتذرت للدكتور فوزي تادرس المصري الأصل، فقد بدأت أعمال الندوة، وتستمر لمدة ثلاثة أيام من التاسعة صباحا حتى السادسة مساء، ومساء الأحد أقلع الى باريس، هكذا قدر لي أن أزور مكتبة الكونجرس، أشهر وأحدث مكتبة في العالم بما تحويه، وتضمه، وأن يغيب صوتي عن تسجيلاتها!