عثر العلماء مؤخراً على لوحة فرعونية محفورة على الحجر الرملي في جرف بالصحراء المصرية عمره خمسة الاف و250 عاماً. اللوحة هي لوحة الملك المظفر سكوربيون، الذي يعتقد انه مؤسس الحضارة المصرية القديمة. ويقول العلماء ان اللوحة تعتبر أقدم كتابة في العالم، وليس السومرية كما كان يعتقد من قبل. الأكثر من ذلك ان العلماء يقولون ان المشاهد والرموز المحفورة على اللوحة تحمل تشابهاً كبيراً مع ما أصبح فيما بعد اللغة الهيروغليفية او المصرية الفرعونية القديمة. وهذا يعتبر دليلاً جديداً على أن أصل الكتابة في العالم يرجع الى مصر، وليس العراق أي الكتابة السومرية، كما كان العلماء يعتقدون من قبل. ويتفق كثير من علماء الآثار على أن هذه اللوحة تمثل مرحلة شديدة القدم من الكتابة، ربما تكون هي الأقدم في العالم اجمع، رغم أن بعض جوانب هذا الكشف مثيرة للجدل، خاصة الافتراض بأن الملك المصور على اللوحة هو الملك سكوربيون وبما ان ابتكار الكتابة يعتبر الحد الفاصل بين مرحلتي ما قبل التاريخ والتاريخ القديم، فان الكشف قد يعيد التاريخ المصري القديم الى مئة او مئة وخمسين سنة اخرى الى الوراء، أي الى نحو عام 3250 قبل الميلاد، قبل توحيد الأراضي المصرية الفرعونية المعروفة بمعرفة الملوك اللاحقين. أقدم وثيقة وحتى الان تعتبر لوحة نارمر هي أقدم وثيقة مصرية قديمة معروفة وقد عثر عليها العلماء في القرن التاسع عشر ويعود تاريخها الى 3100 سنة قبل الميلاد. اكتشف لوحة الملك سكوربيون التي يبلغ مقاسها 18 X 20 بوصة الدكتور جون كولمان دارنيل استاذ المصريات القديمة في جامعة ييل الامريكية في عام 1995، بالتعاون مع زوجته دبرا دارنيل وهي خبيرة في المصريات ايضا. وكان الزوجان يفحصان طرق التجارة في الصحراء الغربية المصرية «الواقعة غرب نهر النيل». وقد عثر الباحثان على اللوحة في جبل جوتى الذي تتقابل عنده القوافل التجارية على مسافة نحو 25 ميلاً شمال غربي مدينة الأقصر ونحو 250 ميلاً جنوبي مدينة القاهرة. وتقترب تلك المنطقة من المنطقة التي قال عنها الزوجان في عام 1999 انهما وجدا فيها ما قد يكون أقدم كتابة معروفة بالابجدية ويرجع تاريخها الى 1800 عام قبل الميلاد. والان فقط وبعد سنوات من التحليلات والحفريات وصف الزوجان دارنيل اللوحة بالتفصيل في كتاب يصدر في الشهر المقبل عن معهد الدراسات الشرقية بجامعة شيكاغو. وقد أجريت مع الزوجين مقابلات عديدة صحفية وتلفزيونية حول هذا الاكتشاف، كما انتج فيلم الملك سكوربيون، الذي اطلقوا عليه اسم ملك العقارب في بعض الدول العربية بالخطأ، بناء على هذا الكشف. غير ان الفيلم عبارة عن نوع من الخيال العلمي ليس له علاقة بالكشف الذي توصل اليه الزوجان دارنيل. وقال جون دارنيل نعتقد ان هذه هي اقدم كتابة في العالم. وتصور اللوحة عرش الملك وهو مقعد عريض ذو ظهر عبارة عن نصف دائرة. ورغم أن الجالس على العرش غير واضح، الا ان هذا التصوير غالباً ما يكون مرتبطاً بالعرش وقوة نسائية من خلفه، سواء كانت ملكة او أميرة او آلهة. وقال الزوجان دارنيل ان الالهة الممثلة في اللوحة تتجه الى قدس الاقداس ربما لكي ليعرض عليها احد الأسرى، او تشارك في عرضه كما يتضح من الجزء السفلى من اللوحة. ويقول دارنيل ان تلك تعتبر وثيقة تاريخية كتابية لان بها رموزاً على الطريقة الهيروغليفية وليس صوراً فقط. وقد تكون الكتابة غير مرئية نحوياً او في جمل متصلة كما هي حال الكتابة المتقدمة لكن الرموز مرتبة بطريقة لتعطي معاني خاصة. ويقول دارنيل ان الرموز تسجل عملية عسكرية للسيطرة على احدى المناطق التي تحوي ممالك متنازعة، وتعلن ايضا عن انتصار النظام على الفوضى، او مجرد انتصار الملك سكوربيون. وتكهن الزوجان دارنيل من المعلومات المتوفرة لديهما الأحداث التالية: ان هذا الانتصار الذي حققه الملك سكوربيون او ايا كان هذا الملك كان حاسماً في توحيد الجنوب المصري ثم توحيد الجنوب مع الشمال في دولة واحدة، والمفترض ان يكون ذلك قد حدث في عام 3100 قبل الميلاد. لكن هناك ملك اخر يسمى نارمر ينسب اليه فضل توحيد الجنوب والشمال المصري، واعتبرت اللوحة التي تروى هذه القصة هي اقدم وثيقة مكتوبة في مصر. غير ان كثيراً من الباحثين يعتقدون ان انتقال مصر الى مرحلة وحدة الملك الذي كان مقدمة لتحقيق الامجاد المصرية القديمة، لم يكن نتيجة انتصار واحد، بل على مدى فترة طويلة. ويقول دارنيل ان لوحة سكوربيون تؤيد هذه النظرية، لان الانتصار الذي تصوره قد يكون احد الاحداث التي أدت الى التوحيد فيما بعد. غير ان احد علماء المصريات، وهو الدكتور جيمس الين رئيس متحف متروبوليتان في نيويورك يقول أحياناً تكون صورة الصقر او العقرب مجرد تعبير عن الطائر او الحيوان فقط، فليس بالضرورة ان تكون الصورة اشارة الى الملك سكوربيون التي تعنى العقرب. اسباب للشك لكن الدكتور ديفيد سيلفرمان استاذ المصريات القديمة بجامعة بنسلفانيا والمتخصص في الدراسات اللغوية يقول انه لا يوجد سبب للشك في تفسيرات دارنيل لهذه اللوحة. ويقول انه لاشك هناك رموز صوتية تعبر عنها هذه الرسوم، وهذه الرسوم اقدم من الكتابة التي عثر عليها من بلاد ما بين النهرين ـ العراق حاليا التي كانت في البداية نظاماً للحساب لكنها استغرقت وقتاً طويلاً قبل ان تتحول الى علاقات تمثل اصوات الكلام من مجرد صور بسيطة. أشرف رفيق