لا يوجد من ينكر بأن هناك تغييرات اجتماعية هائلة افرزتها التطورات العالمية العلمية في قطاع التكنولوجيا اي المعلومات في المجتمع الاردني. وفي الوقت الذي انتشر فيه الستالايت واجهزة الخلوي والانترنت واجهزة الكمبيوتر، سواء بقبول وتشجيع من المواطنين او بعدم رضاهم بحيث اصبحت بين يدي المواطنين جميعا، في البيوت والمقاهي والمدارس والجامعات بدأ المجتمع الاردني يشهد مجموعة من التحولات الاجتماعية التي لم تحدد بعد او على الاقل لم يتوصل المعنيون وخبراء علم الاجتماع الى صورة نهائية لها. الا ان الاخطر في هذا الجانب هو ان عملية التحولات الاجتماعية هذه لا تجري وفق تصور مسبق تتموضع عليه كافة الاجراءات اللاحقة وانما تجري الامور دون تخطيط مسبق الا الهدف القائم والمعلن بضرورة ادماج افراد المجتمع الاردني بكل ما يتصل بالتكنولوجيا وتوفير الأجواء الممكنة لتيسير التعامل مع هذه التقنيات بصورة عادية. على ان كافة الجهات المسئولة لم تنته بعد الى تصور نهائي حول العلاقة بين المواطن الاردني والانترنت، وتركت الامور تسير بصورة عفوية، الى الحد الذي ترى فيه العديد من الاطفال في مقاهي الانترنت منهمكين في مشاهدة شاشة الانترنت. يقول العديد من مديري المدارس في المملكة بأنهم كانوا في الماضي يعانون من قضية احتفاظ بعض الطلبة في محافظهم بصور الممثلات سواء العربيات او الاجنبيات، الا ان القرن الجديد حسب قول هؤلاء اظهر تحديا جديدا وهو احتفاظ من كان اباؤهم يحتفظون بتلك الصور باقراص وديسكات لافراح ومشاهد خلاعية وغيرها من الامور التي تهدد بمشهد واحد في دقيقة واحدة جهود جميع التربويين والباحثين الاجتماعيين. وبدأت هذه الظاهرة في الانتشار مع سهولة نسخ وتسجيل هذه الديسكات التي لا نحتاج الى القول بأنها مهربة لان هناك طرقا واساليب جديدة غير معنية اصلا بالحدود او الحواجز. ويؤكد هؤلاء التربويين على حتمية تأثير هذه الظاهرة على السلوكيات واتجاهات الطلبة من الناحية الاخلاقية وانعكاسها على تصرفاتهم مما يعني المزيد من العنف والتخبط الاجتماعي فالسؤال الاخطر في هذا الجانب اين سيفرغ هذا المراهق او ذاك كل هذا التوتر الذي تشكل بعد مشاهدته لهذه الديسكات؟ اليس المجتمع هو الوحيد الذي سيتم التفريغ به عبر عناوين ستكون صالحة للنشر في دفتر الجرائم. ومكمن الخطر هنا ان المطلوب من المدرسة او اولياء الامور او غيرهم من جهات المراقبة اللاحقة للمراهقين والاطفال لا تجدي نفعا. قصص وحكايا وبين يدي معظم المدارس سواء كانت الحكومية او الخاصة العديد من القصص المتعلقة بهذه القضية الا ان الكارثة الحقيقية التي يمكن الاشارة لها في هذا الصدد ان تصل هذه المواد غير الاخلاقية ابواب مدارس الاناث، ماذا يمكن ان يحدث اذ تطور الامر الى هذه الصورة!! يقول احد معلمي المدارس الثانوية انه كان معجبا اشد الاعجاب بطالب لديه لحسن سلوكه وتعامله ودماثة خلقه وتحصيله العلمي الا انه لاحظ في فترة من الفترات ان هذا الطالب بدأ بالتراجع قليلا قليلا في تحصيله العلمي ما دفعه الى التحدث معه وبعد طول حديث اكتشف ان القضية برمتها متعلقة بصديق اخذه معه يوما الى مقهى انترنت وجعله يشاهد، فكانت الكارثة وقوع المراهق المسكين في توتر لن يسلم منه الا برحمة الله. وتنتشر في هذه الايام ديسكات غير اخلاقية بكثرة في المدارس دون ان تستطيع اي من ادارات هذه المدارس على اقفال هذا الملف فقدراتها بالتأكيد اقل بكثير من حجم الظاهرة التي تحتاج الى ان تقوم الحكومة ذاتها بتبني الامر فتقوم بإغلاق هذه المواقع ومنع دخولها الى المملكة. الفضائيات اما الفضائيات ونقول بأن هذا الامر منوط بالاهل، وملاحظتهم فهذا الامر لا يكفي اطلاقا خصوصا واننا بدأنا نشهد فضائيات عربية تقدم وجبات ساخنة جدا بحجة او بدون حجة سواء كانت هذه الحجة لعرض منتج معين كاعلان كما يتم الامر عند الاعلان عن اجهزة رياضية او مواد مزيلة للشعر وتكرار هذه الاعلانات بصورة لا يمكن اعتبارها لغايات تجارية فقط فالامر وراءه ما وراءه او من خلال البرامج الرياضية وتخفيف الوزن وما الى ذلك مما لم تفعله اقوام غابرة عوقبت على اقل مما يتم فعله. ظاهرة النسخ وكشف احد اصحاب المحلات التي تبيع الاسطوانات واشرطة الكاسيت والديسكات ان هذه الظاهرة نسخ الاقراص قد باتت من الظواهر المألوفة مشيرا الى ان مايزيد على 30 طالبا يأتيه يوميا لنسخ العديد من الديسكات، وقال انها ظاهرة اصبحت منتشرة لدرجة لايمكن الوقوف امامها. وردا على سؤال فيما اذا كان هو نفسه يسأل هؤلاء الاطفال والمراهقين عن مضمون او مادة الديسكات قبل نسخها قال في الحقيقة لا اذا كنت سأقول لهم لا اريد ان انسخ هذه او ذاك فانهم سيقومون بذلك في مكان اخر. هذه اللا مسئولية التي يتعامل بها هذا الرجل مع مجرد اطفال يعلم ـ وقد كشف لنا ـ انهم يقومون بنسخ بعض الافلام الاباحية تحيلنا الى سؤال عن دور الجهات المختصة بذلك وما اذا كان طلب الاندماج في التكنولوجيا الحديثة يستحق فعلا كل هذا التخريب في الثقافة والبنيان الاجتماعي ام لا؟ ولكن قبل ذلك هل علينا ان نجيب باجابات من نمط ابيض واسود، لماذا لا نقول اننا يمكن ان نقوم بكل ما يلزم للمحافظة على الهوية والثقافة ومن ثم نتابع الامر بعد ذلك عبر المراقبة والمعاقبة. اليس المطلوب اصلا ان نكون امة حضارية ذات معنى، كيف سنكون كذلك بالتخلي على اسس وبنيان حضارتنا اصلا، هل مطلب التقدم التكنولوجي التحلل الاجتماعي لماذا تسمح مقاهي الانترنت للاطفال بالدخول اليها اصلا ولماذا لا تقفل الجهات المختصة هذا الباب وهي قادرة على ذلك وان كانت هذه القدرة ليست مئة بالمئة ولكنها في النهاية نسبة معقولة. الانترنت وجهل الاهل يقول احد الاباء ان اضطرابا في المفاهيم والمعطيات الحياتية اصبح يصطدم بها دون ان يدري ويدري، مشيرا الى ان والده هو وعندما كان يراقبه اثناء مراهقته كان يجبره على ان لا يغيب عن البيت طويلا، ولكنه الان كأب يطلب من ابنه ان يقوم بمغادرة البيت ويجبره على ذلك حتى لا يستمر في الجلوس امام شاشة الانترنت، خصوصا وانه لا يستطيع ان يقوم بالوقوف امامه طوال الوقت. والمشكلة الاكثر تعقيدا في هذا الجانب ان الاباء على الاغلب يجهلون تفاصيل مهارة الانترنت او الحاسوب وبهذه الصورة يستطيع الابن وببساطة الالتفاف على جهل ابيه. دق ناقوس الخطر لدى مراجعتنا لاحد المرشدين الاجتماعيين في احدى المدارس الاردنية الحكومية تصادف وجودنا هناك انشغاله بالحديث مع بعض الطلبة الذين ضبطوا وفي حوزتهم بعض الديسكات الاباحية، ولدى سؤالنا للمرشد الذي فضل عدم الاتيان على اسمه قال ان ما دهش له ليس من انه قام بضبط هذه الديسكات مع الطلبة وانما في رد فعلهم والاجابات التي حصل عليها منهم بعد الضبط. قال الطلبة لمرشدهم: ان مثل هذه الامور اصبحت عادية للغاية، ويستطيع اي شخص مهما كانت قدراته في الحاسوب او الانترنت ان يحصل عليها وعلى اكثر منها عبر اي مقهى انترنت فلماذا تمنعونا من ذلك، واذا كانت هذه الامور بالفعل ممنوعة لماذا هي متاحة بهذه الصورة. هذا الفهم من قبل الطلبة الذين لم يستوعبوا بعد حجم الكارثة التي تحيط بهم جراء متابعتهم مثل هذه الافلام سواء على شخصياتهم او على نفسياتهم وما تفرزه من امراض وخيمة عليهم وعلى محيطهم قابلها المرشد بمعاقبتهم بانذار نهائي، الا انه وبعد خروجهم قال لنا انه يعلم انهم لن يرتدعوا وانه عاجز تماما عن ضبط المسألة في حدود معقولة، مشيراالى ان الاخطر بين كل هذه الامور ونظرا لانهم صغار «اطفال» غير مهيئين للزواج فانه من المرشح ان يتم تفريغ التوترات التي يعانون منها بعد مشاهدتهم لهذه المواد في الطرائق الاشد خطورة خصوصا وان العديد من المواقع الاباحية تتناول الحديث وعرض الجنس بطريقة شاذة وبأسلوب يوهم المراهق انه هذا الشكل من «الجنس» عادي جدا. ويدق الاستاذ الاجتماعي ناقوس الخطر ويقول في كل الاحوال والتوقعات فان الامور لن تنتهي على خير لدى هؤلاء المراهقين، مبديا استهجانه جراء سكوت القرار الرسمي عن كل ذلك واكتفائه بقرارات على الورق لا تنفذ وان نفذت فموسمية. مراكز الالعاب وبعيدا عن الانترنت وتأثيراته الاخلاقية المدمرة في المجتمع سواء من حيث الثقافة او حتى من حيث هدمها لشخصية جيل من المنتظر ان يحمل المجتمع على اكتافه مستقبلا ظهرت في الافق وقبل بروز ظاهرة الانترنت وما رافقها من مقاه خاصة بها ما عرفت بمراكز ومحلات الالعاب الكهربائية العاملة في المملكة، التي اظهرت الدراسات العلمية الميدانية المدى الكبير في تأثيرها على سلوك الاحداث الرواد سلبا. وبحسب نتائج احدى هذه الدراسات فإن مراكز ومحلات الالعاب الكهربائية تساهم في انحراف روادها من الاحداث لانها تفسح المجال للاختلاط العشوائي بين فئات عمرية متفاوتة، وسلوكيات متباينة داخلها وهذا الامر يؤدي الى اكتساب بعضهم لانماط سلوكيه سلبية، ويجعل بعضهم الاخر عرضة للاستغلال الجنسي، والاتجاه نحو السرقة لتلبية نفقات لعبهم. وقد لاحظت الدراسة تشجع هذه المراكز الاحداث الطلبة على ارتيادها كونها تسعى لتحقيق اكبر مردود مادي، كما وان عدم التزامها بالتعليمات يساعد على ذلك، وهذا الامر يؤدي الى تسرب بعض الطلبة الاحداث من مدارسهم وبالتالي تدني نتائجهم المدرسية. في حين تفسح هذه المراكز مجالا كبيرا لاختلاط الاحداث صغار السن بمن هم اكبر منهم سنا وهذا امر سلبي للغاية. واظهرت نتائج الدراسة ان بيئة هذه المراكز بيئة غير صحية ولا تعتبر متنفسا مناسبا للحدث حتى يقضي وقت فراغه فيها، وتحتاج الى معالجة موضوعية وعملية. على ان الدراسة لاحظت ايضا ان هناك ايجابية واحدة فقط لهذه المراكز يمكن ان تنتهي في نهاية المطاف الى الاندثار نظرا للاجواء المرافقة وهي ان هذه المراكز تساهم في تنمية قدراته العقلية والذهنية. وبحسب الدراسة فإن الاشراف الاسري والاشراف المدرسي السليمين الموجهين نحو الحدث يجعلناه في منأى عن ارتياد مثل هذه المراكز والتأثير بمعطياتها السلبية. في مضامينها صون الابعاد الرئيسية الثلاثة «البعد الاجتماعي ـ البعد التربوي والبعد الاخلاقي» في حياة المجتمع. بالاضافة الى وضع نظام خاص ينظم ويضبط عمل مراكز الالعاب الكهربائية ويعالج كل الاثار السلبية لواقع هذه المراكز على المجتمع عموما والاحداث خصوصا، وتكثيف جهود التوعية والتوجيه الوقائي نحو الحدث اينما وجد في المدرسة، في الاسرة في مكان العمل، وتبصير المجتمع اعلاميا بما يضر اولا وما ينفع ثانيا صالح ومستقبل ابنائنا من الاحداث.