عندما هبط علينا (ناجي) منذ خمسة وثلاثين عاما، لم نعرف من أين أتى، ولا أين يتجه، وعندما مضى لم نعرف من أين أتى، ولا أين يتجه! رأيته لأول مرة في أواخر الستينيات داخل سيارة لا تعرف نوعها، لكنه كان محسودا عليها، فلم يكن فينا من يملك سيارة سوى اثنين أو ثلاثة، كان احدهم المخرج حسن سيف الدين، ولم يكن قد أصبح مخرجا بعد، بل كان مساعدا لنور الدمرداش الذي كان يلقب بملك الفيديو، والذي أسس الدراما التلفزيونية، وكان حسن يمتلك سيارة صغيرة اشتراها له والده على خلاف عادة أهل زماننا، ولأن مصروف حسن كان يذوب مبكرا، فلقد اعتمد علينا في شراء الوقود مقابل توصيلنا، ومع مرور الأيام بدأنا نتعامل معه وكأننا شركاء في ملكية السيارة، واتفقنا على أن لونها فظيع، وللتاريخ ـ اذا كان التاريخ يهتم بهذه الصغائر! ـ كان لونها بشعا، ولذلك جمعنا مبلغا من المال قدمناه الى حسن الذي فرح فرحا شديدا وظن انه مساهمتنا في شراء الوقود، فلما طالبناه في صلف الشركاء الأقوياء ان يغير لون السيارة ثار وألقى بالنقود في وجوهنا، وقرر حرماننا من التشرف بالركوب معه. وقبله كان سعد زغلول فؤاد يمتلك سيارة خشبية يزعم انها كانت سيارة الملك فاروق، والسيارة بالطبع لم تكن خشبية في البداية، لكن كلما سقط عضو من أعضائها استبدله سعد بقطعة من الخشب وكنا نتهرب من دعوته لتوصيلنا على حاجتنا إلى ذلك، لأن السيارة كانت مكشوفة وبطيئة، فكنا نقضي الرحلة في سماع تعليقات المارة، وأذكر أن سعد لم يعرف أبدا بيتي رغم انه كان يوصلني الى مقربة منه، فلم أعرفه بالبيت خشية سخرية الجيران. وعندما حكيت هذه القصة فيما بعد ليوسف أدريس ضرب كفا بكف وقال أنه يوصل توفيق الحكيم كل يوم من الاهرام الى جاردن سيتي حيث كان يسكن، لكنه لم يعرف أبدا بيته، لأنه كان يطلب انزاله في منطقة فضاء، وينتظر حتى تمضي السيارة. وكان (ناجي) يضع الكتاب المقدس في مكان بارز من السيارة، فلما اثنى أحدهم على تدينه الذي لم يكن واضحا، قال أنه يضعه ليقسم عليه، فالذين يركبون معه السيارة يسألونه عادة بدهشة عن نوع السيارة، فيذكر اسما شهيرا جدا لا يتناسب ابدا مع شكل السيارة، وعادة يستنكر المستمع أو يرفض التصديق، وعندئذ يأتي (ناجي) بالكتاب المقدس ويقسم أن سيارته من ماركة كذا على عكس مايبدو عليها. وكانت سيارة (ناجي) احدى الوسائل التي اقتحم بها عالمنا، ونحن لا نعرفه، ولا نعرف من أين أتى وكنت أكثر الأصدقاء احتياجا الى سيارته اذ كنت اسكن في اخر مصر الجديدة وكان يسكن في العباسية، فكان يأتي الى لننزل معا الى البلد، وقال أصدقائي: ما أدراك انه يسكن في العباسية؟ فلما قلت له مايقوله أصدقائي صحبني معه الى بيته في العباسية، وكان بيتا كبيرا قديما، وعنفت أصدقائي وقلت لهم انني فعلا ذهبت الى منزله، أخذوا يطرحون على الاسئلة ويشككون في انه يسكن العباسية واقسم أحدهم انه يسكن في الجيزة. تلك كانت صورة (ناجي) في تلك الأيام كانت كل المعلومات عنه متناقضة وغير مؤكدة، وفي يقيني انه ساهم في تكوين هذه الصورة، وانه كان يقصد هذا، بل ويستمتع به. لم نكن نعرف أين يعمل، فطلب منه احدنا ان يذكر له عمله حتى يزوره في مكتبه كما كان يفعل الأصدقاء في بعض الاحيان فطلب منه صورتين ستة في تسعة والاسم الثلاثي ورقم البطاقة الشخصية فلما فتح صاحبنا فمه دهشة لهذه الطلبات، وسأله عن سببها قال له: ـ كيف تريد أن تزور المفاعل النووي بدون موافقة المخابرات؟! ولما كنا لم نر أحدا من أهله - وحتى الآن - فلقد سألناه عن أسرته قال ان والده طبيب وحاول صديق لنا المستحيل أن يصحبه الى أبيه ليكشف عليه، لكن محاولته لم تنجح. وسواء كان (ناجي) خبيرا في الطاقة النووية، أو استاذا في كلية الهندسة أو موظفا في الثقافة الجماهيرية، أو بدون وظيفة كنا نعتبره كاتبا، ولا أدري لماذا، ربما لأننا كنا نكتب، وربما لأنه أوحى الينا انه يكتب، فلم يكن (ناجي) يصرح بشئ أبدا، انما كان يوصي، أو ينوب عنه غيره في ذلك. وظننته كاتبا مع ايقاف التنفيذ ولقد عرفت منهم الكثيرين وكان أ.م أحدهم وكان يملأ القاهرة ضجة وخلافات سياسية وثقافية رغم انه لم يكتب سوى قصتين قصيرتين، وقد يختفي عنك لكنه لا يختفي ومنذ عشرين عاما رأيته وقد بدأ السن عليه ويستند على عصا، فتأوهت متذكرا أيام الشباب التي مضت وكيف اننا الآن نحتاج الى عصا نتوكأ عليها، فإذ بالعصا ترتفع في السماء كسيف خالد بن الوليد مع صرخة احتجاج: ـ أنا لا استند على العصا، لكنني اتسلح بها للخونة، والانتهازيين والطغاة والإمبرياليين! ظننت (ناجي)مثل ا.م لابد منه للوسط الثقافي لكي يحفل بالحيوية، لكنه لا ينتج شيئا، فإذ به ذات يوم يفاجئنا ببيضة الديك، وكانت مسرحية ذات فصل واحد، لكنها كانت من ابدع المسرحيات التي قرأتها ،كان عنوانها (جواب) بمعنى رسالة، وتدور أحداثها في احدى واحات مصر الواقعة في صحرائها الشرقية أحد شباب الواحة تصله رسالة، ولا أحد في الواحة يعرف القراءة والشاب يريد أن يعرف فحوى الرسالة، فلقد كانت رسالته الأولى والوحيد الذي يعرف القراءة هو أعمى درس من قبل في الازهر فعرف شكل الحروف ويجتمع أهل الواحة ليصفوا له الحروف حرفا حرفا ويكتشفون ان الشاب كان قدم طلبات للعمل في المدينة، فأتته هذه الرسالة تطلب حضوره لتسلم العمل وتحدد لذلك موعدا عليه الا يتجاوزه وبالطبع تعرف ياعزيزي القارئ انه تجاوزه وضاع عليه العمل. كانت آنئذ فكرة جميلة وذات ابعاد ولقد اغتصب المسرحية الكثيرون في أعمالهم لكنه (ناجي) لم يكن يأبه. أصبح من كتاب (الأهالي) المعارضة وأظن انه كانت له تجربة أو أكثر في المسرح، لكن لم تكن في أهمية (جواب) وظننت أنها (بيضة الديك) الوحيدة، فإذ بيضة أخرى لكن في السينما هذه المرة فلقد رأيت له فيلما بعنوان (اللعب في الممنوع) من اخراج عمر عبدالعزيز ودهشت عدة مرات دهشت لأن (ناجي) اقتحم مجالا لم نعرف انه اقترب منه، وبقوة، فقدم سيناريو جميلا محكما يجمع بين الاثارة وتبنى قضية هامة ودهشت ايضا لأن عمر عبدالعزيز الذي تخصص في الأفلام الكوميدية يقدم فيلما جادا. وقدمت الفيلم في ندوة واثنيت على السيناريو المحكم، وفصلت رأيى فيه وفوجئت بعد الندوة بناقد كبير يلومني على ماقلت سألته ان كان يرى السيناريو لا يستحق ماقلته فقال انه يوافق على جودته، ولكن لا يصح ان يقال هذا المديح عن كاتب يكتب للسينما لأول مرة. ضحكت وقلت له ان (ناجي جورج) ليس كاتبا ناشئا، كما انه ليس كتابا مخضرما فهو يستعصي على التصنيف انه (ناجي جورج) فحسب، الرجل الذي يمتلك بيضات الديك. وبلا مقدمات، وبلا توقع قرأت نعي ناجي جورج وانه ابن الدكتور جورج نسيم، وانه الخبير بوزارة العدل لكن هل بين هذا الصورة الغامضة لناجي جورج الذي أتى لم نعرف من أين واليوم يمضي الى المجهول اثار الدنيا في حياته، ومع ذلك أظن انه لن يكتب عن رحيله غيري!