أصبحت صناعة تدوير النفايات من القضايا المهمة في العالم المعاصر، نتيجة حجم الاستهلاك الكبير السائد عالميا، ونتيجة المخاوف ، الملحة على الوضع البيئي في المستويين الشعبي والرسمي. ليس هذا فحسب بل ان الاول الاكثر استهلاكا قد وجدت نفسها تصل مرحلة عدم العثور على مزيد من الارض المتاحة لتكون مكبات للنفايات، أو انها ستواجه متطلبات ضخمة لبناء المزيد جدا من محارق النفايات للتخلص منها. ومن هنا تبرز اهمية اعادة التدوير باعتبارها تقلل من هذه المتطلبات، كما انها تقلل ايضا من الضغط على الموارد الطبيعية حين توفر مواد أولية للتصنيع بدلا من المواد الخام، الى جانب توفيرها جدا في حجم الطاقة المستهلكة لانتاج سلعة جديدة ابتداء بالمادة الخام في المورد الطبيعي وانتهاء بالمنتج النهائي. ويقول الباحث البريطاني ديفيد ديفز، وهو خبير مشهور في مجال اعادة تدوير المواد: «إن اعادة التدوير بامكانها تحقيق كل هذه الاهداف. فانتاج الزجاج او الورق المعاد تصنيعه أقل استهلاكا للطاقة بكثير من انتاج هذه المواد للمرة الاولى، كما ان اعادة التدوير تقلل من الانبعاثات الغازية سواء الناجمة عن محارق النفايات أو عن مكباتها». وهكذا فإن الخيار الذي يواجه هذه المجمعات هو اما اعادة التدوير والاعتماد على الخلائط بين المواد المعاد تصنيعها والمواد المنتجة لأول مرة أو مواجهة عواقب بيئية وتنظيمية كبيرة. لكن يبدو ان عاداتنا نحن البشر ومواقفنا من النفايات هي العقبة الاكبر التي تواجه صناعة اعادة التدوير. إذ ان تقريرا لمؤسسة كوري البيئية اصدرته هذا العام خلال رعايتها لمنتدى انقاذ الموارد تقول انها في احصائية غطت ألف منزل في العاصمة لندن يبين مدى القدر المطلوب في عادتنا حتى ننجح. ويفيد التقرير ان معظم الناس يرون ان ايجاد حلول لمشكلات جبال النفايات المتزايدة هي من اختصاص أناس غيرهم وخصوصا المجالس البلدية. وانه اذا ما أريد لخطط اعادة التدوير النجاح يجب جعلها أسهل على المواطنين عبر تسهيل عملية الوصول لنقاط تجميع النفايات وجعل صناديق النفايات الخاصة بنوعيات معينة من النفايات مثل الزجاج أو البلاستيك أو الورق متوفرة في كل مكان على جوانب الطرقات. وفي المقابل، فإن قلة من الناس لا تتجاوز نسبتها 10% يرفضون فكرة اعادة التدوير نهائيا، فيما غالبية الناس يدركون ضرورة فعل شيء بهذا الصدد. غير ان تحويل النوايا الطيبة الى افعال يظل المهمة الاصعب. وتظل النفايات الزجاجية هي الاسهل في اعادة تصنيعها لان من السهل سحقها وصهرها واعادة تشكيلها لعدد غير محدود من المرات دون ان يؤثر ذلك على نوعية الزجاج او قوته. ومع ان المواد الاولية التي تدخل في انتاج الزجاج وهي الرمل والحجر الكلسي ليست نادرة في الطبيعة، إلا انها تتطلب المزيد والمزيد من مواقع الحفر في الطبيعة. كما ان تدوير الزجاج يوفر كثيرا من الطاقة لان الزجاج ينصهر بسرعة أكبر بكثير من الرمل. وفي هولندا تتم الآن اعادة تدوير 85% من المنتجات الزجاجية إذ يحظر القانون رمي الزجاج في مكبات النفايات. أما في بريطانيا فإن النسبة أقل بكثير وهي 25% فقط. يقول آندي هارتلي من شركة روكوبر المختصة بالتدوير: «ان ارسال 1.4 مليون طن من النفايات الزجاجية سنويا الى مكبات النفايات كما يحدث في بريطانيا هو فعل ليس بأقل من اجرامي. فهذه النفايات لن تتحلل ولا بعد ملايين السنين». واليوم يتم في بريطانيا تدوير 500 ألف طن من الزجاج سنويا. وتأمل الجهات المختصة رفع هذا الرقم الى مليون طن مع بذل مزيد من جهود التوعية وتسهيل عملية تجميع النفايات الزجاجية على المواطنين. والاستهلاك المنزلي للزجاج يصل ارقاما خيالية فعلا. إذ تقول الاحصائيات الرسمية ان البريطانيين يستهلكون منزليا حوالي سبعة مليارات قنينة مرطبات سنويا. وقد بدأت الجهات المعنية تطور استخدامات جديدة للزجاج للتخلص من هذه النفايات الزجاجية. ومن بين هذه الاستخدامات تصنيع الفايبر جلاس ورمال تنقية المياه وأعمال البناء وانشاء الطرقات. وقد بدأت احدى الشركات البريطانية فعلا في استخدام مسحوق الزجاج في انشاء الطرقات حيث يدخل في بنية الطريق باستثناء القشرة السطحية لان الزجاج قليل الاحتكاك ولا يوفر قوة كبح كافية للاطارات حين استخدام المكابح. والورق أيضا هو من النفايات التي تأتي على قمة أولويات اعادة التدوير. والالمان يحتلون المرتبة الاولى عالميا في جهود اعادة تدوير الورق حيث يعيدون تصنيع 70% من استهلاكهم الورقي. والسوق الاهم للورق المعاد تصنيعه هو الصحف وكرتون الصناديق والتغليف. إن الورق والكرتون يمثل ثلث محتويات سلال المهملات في المنازل. وانتاج الورق مرة اخرى يوفر الموارد الخشبية المتاحة عالميا لاستخدامات اخرى مثل البناء. كما ان الورق المصنوع ثانية من الورق اقل تكلفة بكثير من الورق المنتج لاول مرة سواء في الطاقة أو التكاليف المادية أو الماء اللازم للصناعة بل ويغني حتى عن شحن الاخشاب من مواقع الانتاج الى مواقع التصنيع. ومع ذلك فان غالبية النفايات الورقية في العالم لا تزال تمضي الى مكبات النفايات حيث تحتاج عقودا لتتحلل. وتقول ساندرا وارنوك من شركة السفورد للطباعة: «لا يستغرق الأمر أكثر من اسبوع لتدور الصحيفة التي تقرأها اليوم دورتها مرورا بصندوق جمع النفايات الورقية الى آلات طحن الورق واعادة تصنيعه الى المطبعة ثم الى محل بيع الجرائد. لكن بخلاف الزجاج لا يمكن تدوير الورق عددا لا محدود من المرات. فالتدوير يقصر من طول الياف السليلوز بشكل يضعف الورق. لكن المزج بين اوراق المجلات (التي تطبع على ورق منتج لأول مرة) مع اوراق الجرائد يعوض عن ضعف الالياف ونوعية الورق المدور. ونستطيع انتاج طن من الورق المدور من 1.2 طن من ورق الجرائد والمجلات. أما الفاقد فهو الياف قصيرة لا يمكن استخدامها الى جانب الحبر المغسول وغيرها من الاضافات مثل الدبابيس والبلاستيك». وعلى الرغم من صعوبة تدوير البلاستيك، نتيجة لتعدد انواعه التي يجب فصلها عن بعضها قبل تدويرها، الا ان المزيد من المنتجات البلاستيكية المدورة أخذت تطرح في الاسواق. فعلى سبيل المثال تستهلك بريطانيا ثلاثة مليارات ونصف كأس بوليسترين سنويا. وتقول بولين ماكدوجال مديرة شركة «سيف كاب» لتدوير البلاستيك: «اننا شركة غير ربحية نمول أنفسنا من فرض ضرائب بنسبة 13 بنسا على كل ألف كأس من جانب اتحاد الصناعات البلاستيكية. ونأمل هذا العام تدوير 500 مليون كأس على الأقل. ومنتجاتنا الرئيسية من البلاستيك المدور حاليا هي أقلام الرصاص والبطاقات». ترجمة: جلال الخليل عن «فوكس»